دخل لبنان الرسمي، بقيادة ثنائي السلطة التنفيذية جوزاف عون ونواف سلام، "نفق الأسابيع الثلاثة" التي منحها الرئيس دونالد ترامب، على ما يبدو كمساحة اختبار لقدرة الدولة على اجتراح معجزة سياسية. فالمهمة اليوم تتركز على محاولة التوفيق بين ثلاثة مسارات متصادمة تمثل "مستحيلات ثلاثة" في القاموس السياسي اللبناني الراهن:
المستحيل الأول: إرضاء ترامب الذي يضع الدولة اللبنانية أمام "اختبار الولاء" للحل السياسي. فإرضاؤه يمر حتماً عبر قبول الدعوة للقاء ثنائي مع نتنياهو في واشنطن. هذا المطلب هو "انتزاع اعتراف" يكسر المحرمات التاريخية للبنان. بالنسبة لعون وسلام، يمثل إرضاء "سيد البيت الأبيض" الممر الإلزامي الوحيد للحفاظ على الضمانة الأميركية، لكن ثمنه قد يكون "حرق المراكب" مع جزء وازن من المكونات الداخلية.
المستحيل الثاني: ردع نتنياهو وصواريخه ومسيراته وجرافاته. ففيما يتحادث الدبلوماسيون، تواصل "جرافات" نتنياهو وآلة النسف تغيير معالم الجنوب ضمن "الخط الأصفر". وتكمن المعضلة اللبنانية في كيفية تحويل الهدنة السياسية إلى "كبح ميداني" يمنع إسرائيل من استكمال مشروع "الأرض المحروقة". فمن الواضح لن تتوقف قبل أن تحقق مكاسب جغرافية أعلنت عنها، وهو ما يجعل مهمة عون وسلام في لجم هذه الاندفاعة مهمة شبه مستحيلة في ظل استمرار العمليات العسكرية شبه "الصامتة".
المستحيل الثالث: إقناع حزب الله. فالرئيسان عون وسلام يصطدمان بحائط "الرفض القاطع" من جانب حزب الله ومن خلفه الرئيس بري لأي مسار يتضمن تفاوضاً مباشراً أو تنازلاً في ملف السلاح. وإقناع الحزب بتقديم تنازلات في موضوع السلاح في محاولة لإنقاذ ما تبقى من الجنوب هو التحدي الأكبر. فالحزب يتشبث بسلاحه، كما يرى في أي مصافحة مع إسرائيل خيانة كبرى. وبذلك، تصبح محاولات "ترميم التشققات" الداخلية مجرد شراء للوقت، فيما الاستحقاق لا يقبل أنصاف الحلول.
وفي ظل هذه "المستحيلات"، يتحرك لبنان الرسمي مسنوداً بمظلة سعودية ناشطة وحراك أوروبي، فرنسي خصوصاً، لمحاولة خلق "مادة عازلة" تقي الدولة والكيان السقوط المدوي. ويسعى عون وسلام لتشكيل قوة دفع عربية- دولية تمنح لبنان القدرة على المناورة، لكن الحقيقة المرة تظل شاخصة، وهي أن الأسابيع الثلاثة المقبلة هي مخاض عسير. فإما أن تنجح الدولة في اجتراح معجزة التوفيق بين هذه الأضداد، وإما أن ينتهي الوقت ليجد لبنان نفسه مرغماً على دفع ثمن المستحيل باهظاً جداً.
حراك داخلي وخارجي
يُستكمل الحراك السياسي في لبنان على ضوء الهدنة الجديدة التي أعلن عنها أمس الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفي ظل مواصلة إسرائيل عدوانها على لبنان. والحراك الذي بدأ بسلسلة لقاءات لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع مسؤولين في نيقوسيا قبيل افتتاح القمة الأوروبية غير الرسمية، واستكمل محلياً بلقاء جمع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام في عين التينة. وتناول البحث تطورات الأوضاع وآخر المستجدات السياسية الميدانية على ضوء مواصلة إسرائيل خرقها لوقف إطلاق النار في الجنوب، إضافة إلى ملف النازحين. ووضع سلام خلال اللقاء، بري في أجواء ونتائج زيارته لفرنسا ولوكسمبورغ .
على صعيد آخر، اتصل سلام برئيس الوزراء الأردني جعفر حسان، وشكره على تنسيق الحملة الإغاثية الدولية وتنظيم جسر بري لإيصالها إلى لبنان، وذلك وفقاً لتوجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني. وقد وصلت الدفعة الأولى منها أمس، وكان قد سبقها قافلتان من المساعدات الأردنية تولّت القوات المسلحة الأردنية نقلها ومواكبتها.
عون في قبرص
وأكد رئيس الجمهورية جوزاف عون أن لبنان يرفض أن يكون ورقة في الصراعات الإقليمية، مشددًا على أنه يخوض مسارًا تفاوضيًا دبلوماسيًا برعاية الولايات المتحدة وبدعم أوروبي وعربي، بهدف وقف الاعتداءات الإسرائيلية وتحقيق انسحاب كامل وبسط سلطة الدولة على أراضيها.
وفي كلمته خلال اجتماع غير رسمي لقادة الاتحاد الأوروبي في قبرص، شدد عون على أولوية خفض التصعيد عبر الدبلوماسية، عارضًا تداعيات الحرب، من نزوح أكثر من مليون لبناني واستهداف البنى المدنية، إلى عبء النازحين السوريين، داعيًا إلى دعم عودتهم الآمنة.
كما جدّد التزام لبنان بالإصلاح وتعزيز الشراكة مع أوروبا، مطالبًا بمؤتمر دولي لإعادة الإعمار ودعم الجيش اللبناني.
وعلى هامش القمة، عقد عون لقاءات مع إيمانويل ماكرون، جورجيا ميلوني، عبد الفتاح السيسي، أورسولا فون دير لاين، أحمد الشرع، إضافة إلى مسؤولين أوروبيين وعرب، حيث تركز البحث على دعم لبنان وتعزيز الاستقرار.
رعد: انسحبوا مما سميَّ مفاوضات مباشرة
وتعليقاً على تمديد الهدنة، قال رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب الحاج محمد رعد في تصريح إنه "كل هدنةٍ مفترضة، تمنح العدو المحتل في لبنان، استثناءً خاصاً لإطلاقه النار أو القيام بأي تحرك أو إجراء ميداني في مناطق المواجهة وضمن الأراضي اللبنانية سواء كان ذلك لتثبيت موقع أو زرع لغم أو تنفيذ اغتيال أو تفجير منزلٍ أو منشأة أو تجريف أرضٍ أو ما شابه ذلك، فهي ليست هدنة على الإطلاق، وإنما هي خداع ماكر واستغباء للآخرين ينطوي على تغطية العدوانية الإسرائيلية وغضّ الطرف عن مواصلة العدو خروقاته وانتهاكاته. إن على السلطة أن تخجل من شعبها وتنسحب مما سميَّ مفاوضات مباشرة مع العدو الصهيوني، وأخشى ما نخشاه من الإصرار على هذه الخطيئة أن تقع البلاد في أسوأ مما أوقِعت به في 17 آيار المشؤوم مطلع الثمانينات. كما أن أي تواصل رسمي أو لقاء يجمع بين طرف لبناني وإسرائيلي في حال الحرب القائمة بين لبنان وكيان الاحتلال الصهيوني لن يحظى بتوافق وطني لبناني على الإطلاق وسيشكل مخالفة دستورية موصوفة لن تغفرها ذريعةٌ ولا مصلحةٌ مُدَّعاة".
استمرار الخروقات
في هذا المناخ، واصل الإسرائيليون تصعيدهم، وتزايدت اليوم وتيرة الخروق الإسرائيلية لإعلان وقف إطلاق النار في الجنوب، مع تكثيف الغارات والاستهدافات المباشرة. فقد استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة على طريق النبطية-شوكين، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة لبنانيين، فيما شنّ سلاح الجو غارات على مناطق عدة بينها الريحان ودير عامص، التي تعرّضت لسلسلة غارات متكررة بعد توجيه تهديدات لسكانها.
كما نفّذ الجيش الإسرائيلي عمليات تفجير واسعة في بلدات جنوبية، بينها الطيبة، بالتوازي مع قصف مدفعي وإنذارات للسكان بعدم الاقتراب من نهر الليطاني وواديي السلوقي والصلحاني وعدم العودة إلى عشرات القرى.
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ سلسلة هجمات ردًا على الخروق، شملت إطلاق صواريخ باتجاه شتولا في الجليل الأعلى، وقصف تجمعات للجيش الإسرائيلي في بنت جبيل، واستهداف جرافة عسكرية في رشاف بمسيّرة انقضاضية، إضافة إلى هجوم مماثل على قوة إسرائيلية في القنطرة.
بدوره، أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف مبانٍ عسكرية تابعة للحزب في دير عامص، زاعمًا استخدامها لإطلاق صواريخ، فيما أفادت هيئة البث الإسرائيلية بإصابة جندي احتياط جراء هجوم بمسيّرة جنوب لبنان.
نتنياهو: نحتفظ بحرية العمل
واعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل بدأت "عملية لتحقيق سلام تاريخي" مع لبنان، متهمًا حزب الله بمحاولة تخريبها، ومؤكدًا أن بلاده"تحتفظ بحرية العمل الكاملة" ضد أي تهديد، مضيفًا: "هاجمناه أمس وسنهاجمه اليوم".
الحراك السعودي كضمانة




