لن تمنع المنطقة العازلة الجديدة لإسرائيل في لبنان طائرات حزب الله المسيّرة الموجّهة بالألياف الضوئية والتي طُوّرت في أوكرانيا، من الوصول إلى المنطقة، ما يمنح حزب الله سلاحًا منخفض الكلفة وعالي الدقة، قادرًا على تجاوز منظومات الدفاع الإلكتروني الإسرائيلية.
على مدى السنوات الثلاث الماضية، وبينما كانت إسرائيل منشغلة بحروبها الخاصة، شهدت أوكرانيا ثورة متسارعة في مجال الطائرات المسيّرة. وقد وصلت هذه الطائرات إلى إسرائيل أيضًا، إلا أن استخدامها ظل محدودًا حتى وقت قريب، ولم تُعتبر عنصرًا حاسمًا في ساحة المعركة. لكن في الجولة الأخيرة من القتال مع حزب الله، طرأ تحول لافت.
فقد ظهر نوع جديد من الطائرات المسيّرة المتفجرة، يُوجَّه عبر كابلات من الألياف الضوئية، ما يجعله محصنًا ضد التشويش باستخدام وسائل الحرب الإلكترونية التقليدية. وقد دفع هذا التطور المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية إلى العمل على تطوير حلول مخصصة للاعتراض والحماية.
كما أن هذه الطائرات أقل تكلفة بكثير وأكثر توفرًا من الصواريخ المضادة للدروع، فيما يتزايد مداها تدريجيًا، ما قد يمكّن حزب الله من تقويض التفوق الذي كانت الحكومة والمؤسسة الأمنية في إسرائيل تأمل تحقيقه عبر إقامة المنطقة الأمنية الجديدة في لبنان.
وكان وزير الدفاع يسرائيل كاتس قد صرّح الأسبوع الماضي بأن الجيش الإسرائيلي يسيطر حاليًا على «منطقة أمنية تمتد 10 كيلومترات من الحدود حتى ما يُعرف بخط مضادات الدروع، من الساحل المتوسطي غربًا حتى منطقة جبل الشيخ شرقًا، بهدف إزالة تهديدات التسلل والتصدي لإطلاق النار المباشر على البلدات».
ويأمل الجيش أن يحدّ ذلك من فعالية الصواريخ المضادة للدروع الدقيقة، مثل صواريخ «كورنيت»، التي تتطلب عادة خط رؤية مباشر نسبيًا، أو صواريخ «ألماس» التي يقتصر مداها غالبًا على نحو 8 كيلومترات. إلا أن الجيش الإسرائيلي يقرّ بأن حزب الله قد يمتلك نسخًا أكثر تطورًا يصل مداها إلى 16 كيلومترًا، وقادرة على تجاوز قيود خط الرؤية.
غير أن هذه الصواريخ باهظة الثمن نسبيًا، إذ تبلغ كلفة الواحد منها عشرات آلاف الدولارات، كما أن الحصول عليها – وغالبًا عبر إيران – ليس أمرًا سهلًا، خصوصًا في ظل التطورات السياسية في لبنان وسوريا.
في المقابل، تبدو الطائرات المسيّرة مسألة مختلفة تمامًا. إذ يقوم عناصر حزب الله بتجميعها باستخدام مكونات يمكن شراؤها عبر الإنترنت أو تصنيعها بواسطة الطباعة ثلاثية الأبعاد، بينما تعتمد رؤوسها الحربية عادة على شحنات قاذفات RPG أو أنواع مختلفة من القنابل اليدوية. وقد طوّر الجيش الأوكراني خلال الحرب القدرة على تصنيع معظم مكونات هذه الطائرات بشكل مستقل.
وفي أوكرانيا اليوم، تُستخدم بالفعل طائرات مسيّرة موجّهة بالألياف الضوئية بمدى يتراوح بين 20 و30 كيلومترًا، بل وأكثر. واستنادًا إلى تجارب سابقة، يُرجّح أن تصل هذه الطائرات بعيدة المدى إلى المنطقة قريبًا. وهذا يعني أن حزب الله قد يمتلك قريبًا سلاحًا رخيصًا ومرنًا ودقيقًا، مقاومًا للحرب الإلكترونية، وقادرًا على تجاوز «خط مضادات الدروع» في جنوب لبنان.
وتُقدَّر كلفة كابل الألياف الضوئية بطول كافٍ ببضع مئات من الدولارات، وحتى مع احتساب تكلفة تكييف الطائرة، يبقى هذا الخيار أرخص بكثير من البدائل.
ولا ينبغي أن يثير الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة من قبل حزب الله أي مفاجأة. ففي هجوم 7 أكتوبر 2023، استخدمت حركة حماس هذه الطائرات بفعالية، حيث ألقت قنابل وذخائر صغيرة على القوات الإسرائيلية، وعطّلت أنظمة المراقبة على الحدود.
وبعد عام، في 2024، بدأ حزب الله أيضًا باستخدام طائرات FPV (الرؤية من منظور الشخص الأول) لاستهداف مواقع الجيش الإسرائيلي، وهي طائرات تُشغَّل عبر نظارات خاصة تنقل بثًا مباشرًا من كاميرا الطائرة، ما يسمح بتوجيهها بدقة عالية داخل المناطق المبنية وحتى عبر فتحات ضيقة.
ولتحقيق هذه القدرة على المناورة، تتخلى هذه الطائرات عن أنظمة التثبيت التلقائي والملاحة عبر GPS، وهو ما يعزز قدرتها على مقاومة التشويش. ومع تصاعد الحرب في أوكرانيا، اشتدت محاولات تعطيل الطائرات عبر حجب الترددات، ما دفع المشغلين إلى استخدام هوائيات أقوى وتبديل الترددات والاستعانة بطائرات إضافية كمنصات ترحيل. وقد بلغت المعركة على الطيف الكهرومغناطيسي حدًا دفع الطرفين إلى الاعتماد المتزايد على التوجيه عبر الألياف الضوئية.
وتقوم هذه التقنية على مبدأ بسيط، بل قديم نسبيًا، يشبه الكابلات التي استُخدمت لتوجيه صواريخ «ساغر» التي أطلقتها مصر ضد دبابات إسرائيل خلال حرب أكتوبر 1973. ومع ذلك، وفي عصر الاتصالات عبر الأقمار الصناعية والليزر، تثبت هذه الوسيلة التقليدية فعاليتها في تجاوز التشويش الإلكتروني.
وقال جندي احتياط على صلة بالصناعات الدفاعية لصحيفة «هآرتس»: «كنا في إحدى قرى جنوب لبنان أواخر عام 2024، وعند نقطة معينة اقتربت منا طائرة مسيّرة تحمل رأسًا حربيًا، وتم إسقاطها بواسطة نظام حرب إلكترونية مثبت على إحدى الدبابات. لو كانت تعمل بالألياف الضوئية، لما كان ذلك لينجح».
وتؤكد مصادر أمنية زيادة ملحوظة في استخدام حزب الله للطائرات المسيّرة خلال الحرب الحالية، رغم امتناع الجيش الإسرائيلي عن تقديم أرقام دقيقة. وبحسب المراسل العسكري شاي ليفي، أُصيب 38 جنديًا جراء ضربات بطائرات مسيّرة منذ بدء الحملة في لبنان في مارس.
كما يؤثر هذا الاستخدام المتزايد على وحدات الإنقاذ، التي أصبحت بدورها عرضة للاستهداف، ويُغيّر أنماط الإصابات. فقد أشار المحلل الأميركي رايان ماكبيث إلى أن الطائرات المسيّرة تتسبب بإصابات أكثر في الجزء العلوي من الجسم – الوجه والعنق والصدر – مقارنة بالألغام والعبوات الناسفة التي كانت تُصيب عادة الأطراف السفلية.
ثغرات دفاعية واستجابة متسارعة
تستثمر المؤسسة الدفاعية جهودًا كبيرة لمواجهة هذا التهديد الجديد. فبينما تعتمد الطائرات التقليدية على الاتصالات اللاسلكية التي يمكن التشويش عليها، فإن الطائرات الموجهة بالألياف الضوئية تتطلب حلولًا مختلفة تمامًا.
وفي أوكرانيا، جرى توسيع استخدام شبكات تُمدّ فوق الطرق لعشرات الكيلومترات لاصطياد الطائرات فعليًا. كما يُعدّ الاعتراض خيارًا آخر، رغم صعوبة استهداف هذه الطائرات لصغر حجمها وسرعتها وقدرتها على المناورة.
ومن بين الأنظمة المطورة في إسرائيل نظام «سمارت شوتر»، وهو منظار حاسوبي يُركّب على الأسلحة النارية ويُساعد في تحديد الأهداف، بما في ذلك الطائرات المسيّرة.
كما تشمل الحلول الأخرى قيد التطوير – والمستخدمة في أوكرانيا – بنادق إطلاق الشباك وذخائر تشظية متخصصة، إضافة إلى استخدام بنادق الصيد في أوروبا، وطائرات اعتراض مسيّرة مثل «ستينغ» الأوكرانية، وإن كانت مخصصة أساسًا لمواجهة الطائرات الأكبر.
ويؤكد مصدر في الصناعات الدفاعية أن المؤسسة الأمنية «تستثمر مبالغ هائلة لتطوير حلول»، إلا أن الجيش الإسرائيلي يقرّ بوجود فجوات في قدرته الحالية على التصدي لهذه التهديدات.
وقال مصدر عسكري: «هذا تهديد جديد نسبيًا ويتطور باستمرار. نتعامل معه منذ نحو عامين ونتعلم الكثير من أوكرانيا». وأضاف أن هناك جهدًا كبيرًا لتوفير حلول على مستوى القيادات الميدانية، إلى جانب فرق استخباراتية لرصد الطائرات وتحديد مواقعها، ووحدات متخصصة في التهديدات منخفضة الارتفاع.
وأوضح أن الهدف يتمثل في تطوير نماذج للوقاية والإنذار المبكر والحماية، بما في ذلك استخدام رادارات محمولة. «المشكلة أن الإجراءات الحالية لا توفر حلًا شاملًا، وحتى ما هو متوفر لا يوجد بكميات كافية».
من جهتها، ترى الدكتورة ليران أنتيبي أن «النظام يجب أن يدرك أننا أمام سباق تسلح دائم. حتى أفضل حل قد لا يصمد أكثر من دقائق، إذ سرعان ما يظهر تطور جديد، غالبًا ما يستند إلى تكنولوجيا مدنية متاحة».
ويستخدم الجيش الإسرائيلي أيضًا طائرات هجومية مسيّرة في حربه ضد حزب الله، ومن المتوقع أن يشتري آلافًا إضافية منها. ويشير مصدر صناعي إلى أن العديد من التطورات الإسرائيلية تبقى سرية، بخلاف ما يحدث في أوكرانيا.
ويضيف أن العمل على تقنيات الطائرات المسيّرة بدأ منذ أكثر من عقد، وأن أوكرانيا استفادت من الخبرات الإسرائيلية، مع وجود فروقات جوهرية بين البلدين، خصوصاً من حيث ظروف الإنتاج ومعايير السلامة.
وتختتم أنتيبي بالقول إن أوكرانيا تواصل تحسين طائراتها بشكل دائم: «في بيئة قتال مستمرة، تتعلم بسرعة ما ينجح وما يفشل. ونحن بحاجة إلى أن نكون في حالة تكيف دائم مماثلة».




