نافذة أمل رغم الفشل

نزيه درويشالجمعة 2026/04/24
Image-1776438333
غيتي
حجم الخط
مشاركة عبر

لطالما اعتبر كثيرون، وأنا منهم، أن الحكومة الحالية تمثّل واحدة من أفضل الحكومات التي عرفها لبنان في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية. ليس لكفاءة عدد كبير من أعضائها ونظافة كفّهم فحسب، وإنما لابتعاد معظمهم النسبي عن الطبقة السياسية التقليدية التي حكمت البلاد لعقود، وتتحمّل مسؤولية أساسية عمّا وصلنا إليه من انهيار شامل طال مؤسسات الدولة، الاقتصاد، المجتمع، وحتى علاقات اللبنانيين ببعضهم البعض ومع العالم.

ولكن هل هذا يكفي؟ فمن أين يأتي التفكك والشلل؟ ولماذا يستمر الانحدار نحو الهاوية؟ ولماذا ما زال لبنان كالمُصاب بالجذام، لا يقربه أحد؟ 

تحضرنا هنا العبارة الشهيرة من القرن الثاني عشر: "طريق جهنم معبّدة بالنوايا الحسنة"، وهي تصف حالتنا بدقة متناهية: حكومة أغرقت نفسها في الخطابات والتعهّدات، لكنها عجزت عن ترجمة معظمها إلى أفعال. رئيس جمهورية يَعِد، حكومة تَعِد، وبيانات رسمية تزخر بالمصطلحات الرنّانة: الإصلاح، السيادة، استعادة القرار، بسط سلطة الدولة.. لكن النتيجة واحدة: سيرة فشل معلن.

من الأسهل إلى الأصعب، يكاد لا يخلو ملف واحد من تخبّط واضح. لسنا هنا بصدد إجراء جردة حساب على الأرجح لن يحتاجها أحد للموافقة على هذا التقييم. الإصلاحات خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الخلف، الاقتصاد، الانهيار المالي، الودائع المصرفية، الخدمات الأساسية، علاقات لبنان الخارجية، علاقات اللبنانيين بين بعضهم البعض، الاستحقاقات الديمقراطية.. لكن كل ذلك، على فداحته، يبقى تفصيلًا أمام الطامة الكبرى: السيادة الفعلية، وتحديدًا تطبيق القرار الدولي 1701، وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، واستعادة قرار الحرب والسلم.

 

هنا تحديدًا، سقط كل شيء.

لم يكن "خطاب القسم" و"البيان الوزاري" مجرد وثيقتين سياسيتين، بل تحوّلا إلى مرجعية أخلاقية ومعيارية للحكم. وقد وعدا بما لا يحتمل التأويل: لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار حرب إلا بيدها. لكن الوقائع سارت في اتجاه معاكس تمامًا.

فشلت السلطة في تجنيب لبنان حربًا كانت تحذّر منها صباح مساء. وها هو الموت والدمار يطرق أبواب بيروت، بعد أن اجتاح مناطق عدة، مخلفًا خسائر بشرية ومادية هائلة، سنحتاج إلى سنوات لتجاوز آثارها.. إن قُدّر لنا النجاة.

الأخطر من ذلك، أن ادّعاء السلطة باستعادة قرار الحرب والسلم وفرض سيطرة عملانية جنوب الليطاني، تبيَّن أنه لم يكن سوى غطاء لواقع مكّن حزب الله من كسب الوقت لإعادة بناء قدراته العسكرية، والاستعداد لجولة قتال جديدة، بانتظار لحظة القرار التي لا تُتخذ في بيروت.

وبالفعل، عندما جاءت تلك اللحظة، لم يتأخر الحزب في تلبية نداء "الثأر"، ولم يُكذّب التوقعات. بل كذّب كل ما ادّعته السلطة بكامل أناقة وزرائها المنظّرين والمحاضرين في القوانين والدستور والعقد الاجتماعي والصيغة واتفاق الطائف والسلم الأهلي والعيش المشترك..

ومع ذلك، ليس هذا وقت البكاء على الأطلال. فنحن أمام نافذة ضيقة جدًا، وربما تكون الأخيرة، لمحاولة الخروج من هذا المسار الانتحاري والمصير القاتم.

 

نافذة اسمها: المفاوضات

في التاسع من آذار، طرح رئيس الجمهورية مبادرة لوقف الحرب وفتح باب مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية. مبادرة تبدأ بوقف إطلاق النار، ودعم الجيش اللبناني، وصولًا إلى بسط سيطرته ونزع سلاح كل القوى المسلحة، بالتوازي مع مسار تفاوضي مباشر.

نظريًا، تبدو المبادرة منطقية. لكنها عمليًا اصطدمت بحقيقة قاسية وهي "ميزان القوى".

بعيدًا عن النوايا الحقيقية والرغبات وحتى الإرادات "الصادقة" لدى الدولة اللبنانية "ذات العين البصيرة واليد القصيرة"، كان واضحًا أن إسرائيل لن تعير اهتمامًا للمبادرة إلا إذا قرأتها بالمقلوب. لم تدخل في سجالات، بل صعّدت الحرب ووسّعت نطاق الضربات، وطرقت أبواب العاصمة بشدة. 

وها نحن اليوم: لبنان الرسمي يستجدي المفاوضات المباشرة لوقف الحرب وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها، وإسرائيل "تتدلّع" بانتظار أن "يستوي" اللبنانيون تحت نيرانها ويوافقوا على قلب أولويات المبادرة، ولعلّه كي تتزامن مع مفاوضات الولايات المتحدة وإيران في باكستان. فلقد بات العالم واثقًا من عجز اللبنانيين على نزع سلاح الحزب، ويترقّبون أن يكون طبقًا على مائدة إسلام آباد؟

شروط إسرائيل لم تعد سرًا: مفاوضات مباشرة تحت النار، تركّز على نزع سلاح حزب الله، وتفتح الباب أمام ترتيبات أوسع قد تصل إلى شكل من أشكال السلام.  بكلام آخر، جرى تفريغ المبادرة من مضمونها الأصلي، وإعادة صياغتها وفق ميزان القوة. وهذا أمر بديهي في الحروب: الأقوياء يفرضون، والضعفاء يفاوضون. هذا ينطبق في لبنان كما في إيران، بغض النظر عن العراضات الإعلامية "المحلية" هنا وهناك التي تدّعي انتصارات لم نعد نستطيع إحصاءها.

السؤال الجوهري: هل يستطيع الحكم اللبناني "تحمُّل" هذا الوضوح؟ هل يملك الجرأة السياسية على الاعتراف بالعجز الذي لطالما حاول تغطيته؟ هل يستطيع أن يقول للمجتمع الدولي: نحن نريد  ولكن غير قادرين على نزع السلاح بالقوة، ونحتاج إلى تسوية إقليمية؟ وربما إلى ما هو أبعد؟ أم سيستمر في لعبة الإنكار، بانتظار جولة عنف أكثر دموية؟

ثم ماذا عن الحزب نفسه؟ كيف ستبدو "معركته الأخيرة"؟ هل ستكون فعلًا أخيرة؟ وأين ستدور؟ في وجه إسرائيل أم في وجه السراي وبعبدا؟ 

 

على نفسها جنت

لقد ارتكب الحكم خطأ جسيمًا حين تعامل مع مسألة وجودية بالنسبة لإسرائيل بخفّة، أو على الأقل، دون مصارحة المجتمع الدولي بحقيقة عجزه. بدلاً من ذلك، لجأ إلى خطاب مزدوج: تطمين الخارج من جهة، ومسايرة الداخل من جهة أخرى. والنتيجة: فقدان الثقة من الجميع، ونجاح الحزب في شراء الوقت واستدراج إسرائيل مرة جديدة إلى لبنان في أعنف جولة منذ وقف الأعمال العسكرية في 27 نوفمبر 2024. 

المشكلة أن الحكم لم يحسم خياره بعد. فهو من جهة يقرع باب المفاوضات، ومن جهة أخرى يتردد في تحمّل تبعاتها السياسية الداخلية، وكأنه يريد أن يجمع بين خطابين متناقضين: السيادة الكاملة، والعجز المقنّع. هذا التردد هو أخطر ما يمكن أن يواجهه بلد في لحظة مصيرية.

إذا كانت نافذة المفاوضات قد فُتحت، فإن التحدي هو في امتلاك الجرأة للدخول منها بوضوح: كخيار وحيد متاح وفرصة ثمينة لكسر الحلقة الجهنمية. 

 

هل يجرؤون؟

لقد آن الأوان للبنانيين أن يعيشوا. لا كشعار عاطفي يُرفع في لحظات الانكسار، بل كخيار سياسي واضح وحاسم. آن الأوان أن يرتاحوا من أدوار لم يختاروها، ومن "إسنادٍ" لغيرهم لم يجلب لهم سوى الخراب، ومن كونهم وقودًا لحروب لا تعني حاضرهم ولا مستقبل أبنائهم. هذا البلد، بكل مناطقه وطوائفه، لم يعد يحتمل أن يبقى رهينة فعلية لمشاريع الآخرين، ولا ساحة لتصفية حسابات "لا ناقة له فيها ولا جمل". فلدينا ما يكفي من الأزمات البنيوية، والانقسامات العميقة، والنزاعات الداخلية التي تستحق أن تُولى عناية فائقة وأن تُعالج مرة واحدة وأخيرة بالعقل والسياسة، لا بالسلاح والغلبة، ولا بهيمنة فئة على أخرى. 

العالم كله يمرّ بتحولات كبرى وأزمات متلاحقة، وكل الدول تضع مصلحة شعوبها أولًا. فهل يجرؤ حكّام لبنان، ولو متأخرين، على تحمّل كلفة إنقاذ بلدهم؟ هل يمتلكون الشجاعة لكبح تحلّله وانحداره السريع نحو التفكّك والذوبان؟ وخلاف ذلك، لماذا إذن يستمرّون؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث