كان من المفترض أن يكون الهدف الأساسي للحرب هو طرد الاحتلال من النقاط السبع التي يتمركز فيها في جنوب لبنان، ووقف خروقاته واغتيالاته في مختلف أنحاء البلاد تحت ما يسمى بـِ "حرية الحركة". لكن ما حدث بعد تجدد العدوان في 2 آذار، وصولاً إلى الهدنة الهشة، أن المشهد انقلب تماماً: احتلال 55 قرية، إقامة منطقة صفراء، واستمرار عمليات الجرف والتفجير.
"المدن"، التي لم تغب عن الجنوب طيلة فترة العدوان، واكبت عودة النازحين وأحوال القرى... فكيف كان المشهد؟
مجدلزون: خط تماس مفتوح على الموت
كانت الناقورة نقطة التماس في القطاع الغربي، إلى جانب الضهيرة ويارين. ومع تصاعد العدوان، أصبحت مجدلزون النقطة صفر، حيث إنَّ التوجه جنوبها قد يؤدي إلى الموت نتيجة الاستهداف الإسرائيلي.
في مجدلزون، بلغ الدمار نحو 80%، أما البيوت التي لم تُهدم فهي غير صالحة للسكن. ومن هناك، أطللنا على البياضة وشمع، المحتلتين والمدمرتين. وبجوارنا، كانت جمعية كشافة الرسالة الإسلامية تحضّر قبور شهداء البلدة.
يروي لنا حسين الدر، والد الطفلة الشهيدة أمل الدر: "لقد دمروا ضريح ابنتي للمرة الثانية، والعدو يريد مجدلزون خط تماس، لكن لا يمكن أن نقبل بذلك. سنستمر في أرضنا وفي خدمة أهلنا".
عاد بعض الأهالي إلى مجدلزون، لكنهم غادروها مجدداً بسبب انعدام مقومات الحياة، إضافة إلى الخطر المستمر من تجدد الحرب واستهداف المدنيين.
المنصوري: القصف يروي حكاية الدمار
المنصوري، جارة مجدلزون، كان الدمار فيها أشد، نتيجة تركّز القصف المدفعي عليها، إضافة إلى الغارات الجوية الكثيفة.
يروي عبد عمار، عضو بلدية المنصوري، لـِ "المدن"، ما جرى مع المدنيين الذين احتُجزوا داخل القرية بعد اعتقادهم بانتهاء الحرب يوم الهدنة الأميركية – الإيرانية. ستة أشخاص، بينهم المختار، توجهوا إلى المنصوري؛ ثلاثة عادوا سيراً على الأقدام إلى صور، واثنان تم إنقاذهما في الأيام الأخيرة من الحرب، فيما استُشهد السادس.
ويضيف عمار: "البنى التحتية مدمرة، ونحو 80% من المنازل مهدمة".
صديقين: صمود رغم الانهيار
أما صديقين، آخر قرى قضاء صور قبل الوصول إلى قضاء بنت جبيل، فقد عاد إليها عدد لا بأس به من أبنائها. إلا أن سوقها التجاري مدمّر، وعدداً كبيراً من منازلها مهدّم.
كما دمّر الاحتلال محطة المياه التي تغذي أربع قرىً، ما فاقم الأزمة المعيشية. وهنا، يناشد رئيس بلدية صديقين، حسين بلحص، عبر "المدن"، الدولة والمعنيين بضرورة إيجاد حلول لمشاكل المياه والكهرباء، لتأمين صمود الأهالي.
بيت ليف: حين لا يبقى من الاسم شيء
من ياطر المدمّرة وكفرا المنكوبة، أطللنا على بيت ليف... القرية التي يبدأ اسمها بـِ "بيت"، لكن لم يبقَ فيها بيت.
استقدم العدو شركة مقاولات، وجرف منازل القرية، واقتلع أشجارها المعمّرة. سُرق الزيتون ومقتنيات البيوت. مشهد بيت ليف، شأنها شأن جارتها بنت جبيل وسائر القرى الحدودية، مشهد مبكٍ.
تحولت المنطقة إلى رماد. وحتى لو انسحبت إسرائيل، فهي غير قابلة للعيش حالياً. وإن دارت عجلة الإعمار، فستحتاج إلى سنوات طويلة.
لا يمكن وصف المشهد هناك، لكن يمكن القول: لم تعد هناك قرى. دُمّرت، وجُرفت، وفُجّرت، وقُتلت أحلام الجنوبيين وذكرياتهم. أُحرقت أرضهم، ثم بثّ العدو مشاهد ذلك على شكل مقاطع مصورة. بل وصل به الأمر إلى رفع علم إسرائيل في ملعب بنت جبيل، الذي شهد الخطاب الأشهر للسيد الشهيد حسن نصرالله، حين قال إن إسرائيل "أوهن من بيت العنكبوت".
انتقمت إسرائيل من بنت جبيل، ومن قرى الشريط الحدودي، ومن لبنان ككل. أرادت أن تثأر لنفسها من هزيمتي عامي 2000 و2006.
أما في ياطر، فيروي أحد أبناء آل كوراني قصة تختصر الكثير. يقول إنه عاد ليجد منزله ركاماً مرة جديدة، مضيفاً: "فدا المقاومة". ويتابع: "لم أجد شيئاً سالماً سوى راية الإمام الحسين، التي أهدتني إياها العتبة الحسينية بعد وفاة ابنتي في كربلاء. انتشلتها من تحت الركام ورفعتها فوق المنزل، كعلامة تحدٍ وإيمان".
المنطقة الصفراء... ومستقبل الجنوب المجهول
كيف ستخرج إسرائيل اليوم، وهي تحتل ما لا يقل عن 10 كيلومترات؟ والدولة تعيش انقساماً حاداً، وتبادل اتهامات وتخوين وتهديد، فيما الشهود نيام، والأصدقاء على الحياد؟
لن تنقذ الأصوات الجنوب اليوم. وقد يعود لبنان سالماً شكلياً، فيما جنوبه محتل ومدمر. ولن ينعم بالاستقرار قبل اندحار الاحتلال، وإيجاد تسوية داخلية بين حزب الله والدولة، وتأمين إعادة الإعمار. وهذا مسار قد يحتاج جيلاً كاملاً.




