"ولا ينبيك عن خلق الليالي كمن فقد الأحبة والصحاب" )أحمد شوقي(
لم يكن امتناع لبنان الرسمي عن التفاوض مع إسرائيل، طوال عقود، مجرد خيار سياسي أو موقف مبدئي ثابت، بل كان نتيجة بنية معقدة من التوازنات الداخلية والإقليمية التي جعلت هذا الخيار أقرب إلى الاستحالة منه إلى الإمكانية. فلبنان، منذ نهاية الحرب الأهلية، لم يكن دولة مكتملة السيادة بالمعنى الفعلي، بل ساحة تتقاطع فيها إرادات متعددة، محلية وخارجية، تفرض حدودًا صارمة على ما يمكن التفكير فيه كقرار سيادي. ضمن هذه البنية، تشكّل ما يمكن تسميته بـتوازن المنع، حيث يتداخل الانقسام الداخلي الحاد حول طبيعة الصراع مع إسرائيل مع وصاية سورية كانت تضبط إيقاع القرار السياسي، ومع احتكار حزب الله لوظيفة المقاومة بوصفها المصدر الوحيد لشرعية السلاح خارج الدولة. في ظل هذا التوازن، لم يكن التفاوض خيارًا مؤجلًا، بل كان خيارًا مُلغى بنيويًا، لأن الدولة لم تكن تملك أصلًا سلطة اتخاذ قرار الحرب والسلم، ولأن أي انخراط في تفاوض كان سيُفسَّر مباشرة كضرب لأساس الشرعية التي تقوم عليها المقاومة.
غير أن هذا التوازن لم يدم على حاله. فمع انسحاب الجيش السوري عام 2005، لم ينتقل لبنان من الوصاية إلى السيادة، بل من شكل من أشكال الضبط الخارجي إلى فراغ سيادي سرعان ما أُعيد ملؤه، ولكن هذه المرة ضمن معادلة مختلفة. في هذا الفراغ، برزت إيران كلاعب مركزي، لا من خلال حضور مباشر كلاسيكي، بل عبر تعزيز موقع حزب الله وتحويله من فاعل لبناني إلى عنصر ضمن شبكة ردع إقليمية أوسع. هنا حصل التحول الحاسم ولم يعد الصراع مع إسرائيل يُفهم ضمن حدوده اللبنانية الضيقة، بل أُدرج ضمن سياق إقليمي يتقاطع فيه الملف النووي الإيراني مع توازنات القوة في الشرق الأوسط، ومع علاقات إيران بالقوى الدولية. بهذا المعنى، لم يعد حزب الله مجرد مقاومة محلية، بل أصبح جزءًا من بنية استراتيجية تُستخدم لإدارة الصراع، لا فقط لخوضه.
هذا التحول انعكس بشكل مباشر على وظيفة المقاومة نفسها. ففي المرحلة السابقة، كانت المقاومة تُطرح كبديل عن التفاوض، كخيار يرفض أي تسوية مع إسرائيل من حيث المبدأ. أما في المرحلة الراهنة، فقد تحولت تدريجيًا إلى أداة داخل التفاوض، وإن لم يكن هذا التفاوض مباشرًا أو معلنًا دائمًا. فإيران، عبر حزب الله، لا تسعى بالضرورة إلى حرب مفتوحة، بل إلى رفع كلفة هذه الحرب إلى حد يجعلها ورقة ضغط قابلة للتوظيف في سياقات تفاوضية أوسع، سواء مع الولايات المتحدة أو في ملفات إقليمية أخرى. وفي المقابل، لم تعد إسرائيل تنظر إلى الجبهة اللبنانية فقط كمصدر تهديد يجب القضاء عليه، بل أيضًا كجبهة يجب ضبطها، عبر تفاهمات غير مباشرة أو ترتيبات محددة، كما ظهر في ملف ترسيم الحدود البحرية. ضمن هذا المشهد، دخل لبنان الرسمي إلى مساحة التفاوض، لكن ليس كطرف مبادر يمتلك رؤية استراتيجية مستقلة، بل كطرف يتكيّف مع توازن قوى فُرض عليه، ويترجم نتائجه على شكل اتفاقات أو تفاهمات.
تسارعت هذه الدينامية مع الانهيار الداخلي الذي أصاب الدولة اللبنانية في السنوات الأخيرة. فالدولة التي كانت أصلًا محدودة السيادة، دخلت في مرحلة تآكل غير مسبوق على المستويات الاقتصادية والمؤسساتية والإدارية، ما أفقدها القدرة ليس فقط على المواجهة، بل حتى على إدارة التوازنات الداخلية. في هذا السياق، لم يعد التفاوض خيارًا يُناقش على أساس المصلحة الوطنية المجردة، بل أصبح في كثير من الأحيان استجابة اضطرارية لضغوط الواقع، ومحاولة لتخفيف الخسائر ضمن هامش ضيق من الإمكانات. وهنا تظهر المفارقة بوضوح: لبنان لم ينتقل من رفض التفاوض إلى قبوله، بل من عدم القدرة عليه إلى عدم القدرة على تجنّبه. في الحالتين، القرار ليس سياديًا بالمعنى الكامل، بل محكوم بشبكة من القيود التي تحدد ما يمكن فعله وما لا يمكن.
ضمن هذا السياق، يمكن فهم التحرك الحالي لبعض أركان الدولة اللبنانية باتجاه التفاوض بوصفه محاولة متأخرة، لكنها واعية، لاستعادة جزء من المبادرة من يد إيران. فالدخول في مسارات تفاوضية، ولو محدودة أو غير مباشرة، لا يهدف فقط إلى تحقيق مكاسب تقنية أو ظرفية، بل يسعى أيضًا إلى إعادة إدخال الدولة كفاعل في إدارة الصراع، بدل بقائها مجرد متلقٍّ لنتائجه. بمعنى آخر، تحاول هذه الأركان نقل التفاوض من كونه أداة تُستخدم ضمن الاستراتيجية الإيرانية، إلى كونه أداة يمكن للبنان، ولو جزئيًا، أن يوظفها لصالح تثبيت حد أدنى من الاستقرار. غير أن هذه المحاولة تبقى محكومة بميزان قوى داخلي وإقليمي لا يزال يميل لصالح البنية التي همّشت الدولة أصلًا، ما يجعلها أقرب إلى محاولة تعديل في الهامش، لا انقلابًا في المعادلة.
هذا التحول يعكس تبدلًا أعمق في وظيفة لبنان داخل الصراع. ففي السابق، كان لبنان يُنظر إليه كساحة صراع، يتحمل تبعات المواجهة المباشرة. أما اليوم، فهو يتحول تدريجيًا إلى ورقة ضمن إدارة هذا الصراع، تُستخدم في حسابات أطراف إقليمية ودولية تتجاوز حدوده. والفرق بين الحالتين جوهري: فالساحة تعاني من نتائج الصراع، أما الورقة فتُوظَّف ضمن استراتيجيات الآخرين. وهذا ما يفسر كيف أن قرارات التهدئة أو التصعيد لم تعد تُصاغ فقط وفق المصلحة اللبنانية، بل وفق موقع لبنان داخل شبكة أوسع من التوازنات.
رغم ذلك، تبقى مفارقة المصلحة قائمة. فمن الواضح أن مصلحة لبنان في الاستقرار تفوق بكثير مصلحة إسرائيل، نظرًا لهشاشة بنيته الاقتصادية والسياسية. لكن المشكلة لا تكمن في تعريف هذه المصلحة، بل في القدرة على تحويلها إلى قرار فعلي. فالمصلحة الوطنية، في الحالة اللبنانية، موجودة نظريًا، لكنها لا تمتلك القوة الكافية لتكون محدِّدًا حاسمًا للسلوك السياسي. ما يحكم القرار فعليًا هو توزيع القوة داخل الدولة، وموقع هذه الدولة داخل نظام إقليمي معقد.
من هنا يمكن فهم ما جرى ليس فقط كتغير في السياسة، بل كتغير في طبيعة الدولة نفسها. فلبنان انتقل، تدريجيًا، من كونه فاعلًا سياديًا، ولو بشكل ناقص، إلى كونه وحدة وظيفية ضمن نظام إقليمي أوسع، تُحدَّد خياراتها بقدر ما يسمح به هذا النظام. في هذا الإطار، لا يعود التفاوض تعبيرًا عن إرادة سياسية مستقلة، بل نتيجة من نتائج هذا التموضع البنيوي.
وعليه، فإن ما نشهده اليوم لا يمكن اعتباره بداية حل بقدر ما هو عرض من أعراض أزمة أعمق، تتعلق بمسألة السيادة ذاتها، وبكيفية توزيع السلطة داخل الدولة، وبموقع لبنان في خريطة الصراعات الإقليمية. لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان ينبغي على لبنان أن يفاوض أو لا يفاوض، بل ما إذا كان يمتلك القدرة على اتخاذ هذا القرار أصلًا. إلى أن يُستعاد هذا الحد الأدنى من القدرة، سيبقى التفاوض، كما الحرب، ليس خيارًا لبنانيًا خالصًا، بل نتيجة مسار تُرسم معالمه خارج حدود الدولة.




