تستضيف واشنطن اليوم، جولة ثانية من المفاوضاتٍ المباشرةٍ بين لبنان وإسرائيل على مستوى السُّفراء، في محاولةٍ لانتزاع اتّفاقٍ يقضي بتمديد وقف إطلاق النّار لمدّة شهرٍ إضافيّ، قبيل انتهاء مفعول هدنة الأيّام العشرة، بالتزامن مع مواصلة إسرائيل خروقاتها للهدنة، واستمرار عدوانها على لبنان.
في هذا الإطار، علمت "المدن" أنّ التّعليمات التي أعطاها رئيس الجمهوريّة، العماد جوزاف عون، إلى السّفيرة اللّبنانيّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة، ندى معوّض، تتمحور حول ثلاثة مواضيع رئيسيّة. وتشمل هذه المواضيع العمل على تمديد مهلة وقف إطلاق النّار، ووقف الخروقات وعمليّات تدمير المنازل في المناطق الخاضعة للاحتلال، إلى جانب وقف الاعتداءات على الفرق الصّحيّة، والإسعاف، والصّليب الأحمر. كما تتضمّن التّعليمات تسهيل وصول المساعدات إلى القرى المحاصرة.
وعلى المستوى الحراك السياسي، برزت زيارة الموفد السُّعوديّ، الأمير يزيد بن فرحان، إلى لبنان اليوم، في خطوة اكتسبت دلالاتٍ سياسيّةً لافتةً بالتزامن مع الحراك الدّبلوماسيّ القائم. حيث زار بن فرحان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري. وتندرج هذه الزيارة في سياق حراكٍ سياسيٍّ سعوديٍّ متواصلٍ تجاه لبنان، بعد سلسلة زياراتٍ قام بها عددٌ من المسؤولين اللبنانيّين إلى المملكة العربيّة السعوديّة، تخلّلتها اجتماعاتٌ متتاليةٌ مع المسؤول عن ملفّ لبنان.
على المقلب الأخر، لا يزال التلويح بالتصعيد قائماً، إذ نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مسؤولين عسكريّين أنَّ إسرائيل تستعدّ لاحتمال انهيار وقف إطلاق النّار مع "حزب الله" في أيّ لحظة، وسط تصاعد التوتّرات على طول الحدود الشّماليّة. وكانت الخارجية الأميركية، وقبيل الجلسة المرتقبة مساء اليوم، حثَّت مواطنيها على مغادرة لبنان، "ما دامت خيارات الرّحلات الجوّيّة التّجاريّة متاحة". وبذلك تشير الوقائع إلى تصعيدٍ متواصلٍ يضع المفاوضات أمام اختبارٍ فعليٍّ منذ لحظاتها الأولى، ويجعل أيّ تقدُّمٍ محتملٍ في واشنطن مشروطًا بقدرة الوسطاء على كبح التّدهور الميدانيّ، لا الاكتفاء بإدارته سياسيًّا.
وتبعًا لذلك، يبدو أنَّ مسار التّفاوض المباشر يجري تحت ضغط النّار، وفي ظلّ معادلةٍ شديدة الهشاشة، حيث يتقاطع الحراك الدّبلوماسيّ مع تصعيدٍ عسكريٍّ مفتوح، في مشهدٍ يُنذر بأنَّ الهدنة، بدل أن تكون مدخلًا إلى التّثبيت، قد تتحوّل إلى ساحة اختبارٍ جديدةٍ للصّراع.
الاعتداءات الإسرائيلية متواصلة وأدرعي يجدّد تحذيراته
ميدانياً، جدّد المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، توجيه تحذيرات إلى سكّان جنوب لبنان، دعا فيها إلى عدم التّحرّك جنوب "خطّ القرى المعروضة ومحيطها"، وعدم الاقتراب من منطقة نهر اللّيطاني ووادي السّلوقي ووادي الصّلحاني، وذلك "حتّى إشعارٍ آخر"، على حدّ تعبيره.
وقال أدرعي، في بيان نشره عبر منصّة "إكس"، إنّ الجيش الإسرائيلي يواصل تمركزه في مواقعه في جنوب لبنان خلال فترة اتّفاق وقف إطلاق النّار، مشيرًا إلى أنّ ذلك يأتي "في مواجهة النشاطات الإرهابيّة المستمرّة لمنظّمة حزب الله"، بحسب وصفه.
كما تضمّن البيان تحذيرًا من العبور أو العودة إلى عددٍ من القرى والبلدات الحدوديّة في جنوب لبنان، من بينها: البيّاضة، شمعا، طير حرفا، الجبين، النّاقورة، يارين، شيحين، مروحين، رامية، بيت ليف، عيتا الشّعب، الطيري، يارون، مارون الرّأس، بنت جبيل، عيناتا، عيترون، بليدا، محيبب، ميس الجبل، حولا، مركبا، بني حيّان، العديسة، كفركلّا، الطّيبة، دير سريان، القنطرة، عدشيت القصير، الخيام، ومجيديّة، إلى جانب بلداتٍ أخرى وردت في البيان.
وكانت الاعتداءات لا تزال مستمرة، ما أدّى إلى استشهاد الزّميلة آمال خليل جرّاء غارةٍ إسرائيليّةٍ استهدفت منزلًا في بلدة الطيري القريبة من الحدود في جنوب لبنان، فيما أُصيبت الصحافيّةٌ زينب فرج كانت برفقتها بجروح.
وفي هذا السّياق، أدان رئيس الجمهوريّة اللُّبنانيّة، جوزاف عون، استشهاد خليل، مشيرًا إلى أنَّ "تعمُّد إسرائيل دائمًا استهداف الإعلاميّين بشكلٍ مباشرٍ هدفه إخفاء حقيقة ارتكاباتها العدوانيّة ضدّ لبنان". وأضاف أنَّ هذه الاعتداءات "تُشكّل جرائم ضدّ الإنسانيّة تُعاقب عليها القوانين والأعراف الدُّوليّة، وتُشكّل حافزًا لتدخّل المجتمع الدُّوليّ لوضع حدٍّ لها"، مؤكّدًا أنَّ موقف لبنان في المحادثات المرتقبة هو: "لا تنازل، ولا مُساومة، ولا تسليم إلّا بما يُحقّق السّيادة اللُّبنانيّة".
وميدانيًّا أيضًا، تواصل القصف والغارات على الجنوب، حيث شنَّت إسرائيل غاراتٍ على جسر اللّيطاني في قعقعيّة الجسر، ما أدّى إلى جرح عددٍ من المواطنين، كما واصلت سياسة هدم المنازل وتفجيرها، الأمر الذي عرَّض عددًا من البلدات لدمارٍ شبه كامل.
وفي هذا الإطار، أحصى المركز الوطنيّ للبحوث العلميّة في لبنان تضرُّر وتدمير أكثر من 62 ألف وحدةٍ سكنيّةٍ جرّاء العمليّات الإسرائيليّة خلال ستّة أسابيع من الحرب على حزب الله.
شهاداتٌ إسرائيليّةٌ تُدين الجيش
وفي بُعدٍ آخر من أبعاد الانتهاكات، تتّهم تقارير إعلاميّةٌ إسرائيل بسرقة مواسم الجنوبيّين وخيراتهم، فضلًا عن ممتلكات ومقتنيات منازلهم. وقد وثَّقت صحيفة "هآرتس"، نقلًا عن شهادات جنودٍ إسرائيليّين من القوّات النّظاميّة وقوّات الاحتياط، أنَّ جنودًا يقومون بنهب كمّيّاتٍ كبيرةٍ من ممتلكات المدنيّين من المنازل والمحالّ التّجاريّة في جنوب لبنان.
وأضافت الصّحيفة أنَّ سرقة الدّرّاجات النّاريّة، وأجهزة التّلفاز، واللّوحات الفنّيّة، والسّجاد من المنازل في جنوب لبنان، تحوّلت، على نطاقٍ واسعٍ، إلى ظاهرةٍ روتينيّة. كما أكّدت أنَّ القيادات العسكريّة، بشقّيها العليا والدُّنيا في الميدان، على درايةٍ تامّةٍ بهذه الممارسات، من دون اتّخاذ أيّ إجراءاتٍ لوقفها.




