في ذاكرتي، هناك صلة غريبة بين كل حرب عايشتها ونوع محدد من الطعام. فحرب السنتين (1975-1976) هي علب السردين والتونة والمارتديلا المعلبة. ربما يعود الأمر جزئياً للنهب الذي تعرضت له السوبرماركت ومستودعاتها، أو لأني قضيت تلك الفترة في "النبعة" التي حاصرتها ميليشيات حزب الكتائب و"الوطنيين الأحرار" و"حراس الأرز"، ومنعت دخول المواد الغذائية إليها.
الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وحصار بيروت، يرتبط في ذاكرتي بمجدّرة العدس، إضافة إلى المعلبات طبعاً. لكن حبة البندورة النادرة التي أكلتها في ذاك الصيف هي الأكثر سطوعاً في ذكرياتي. ما لا أنساه هو اللوح الغذائي الصغير الغريب الطعم الذي وزعته بكثافة منظمة الصليب الأحمر الدولي على سكان بيروت.
بين عامي 1983- 1984، كنت طريداً شبه مشرد، ملاحقاً من قبل الشرطة العسكرية لتهربي من الخدمة الإجبارية، وملاحقاً من مخابرات الجيش بعد مداهمة منزلي واكتشاف الأسلحة فيه، وملاحقاً من "القوات اللبنانية" لانتمائي إلى حزب مناوئ. فلجأت إلى العمل في المطاعم. كل مطعم أعمل فيه لأسابيع عدة، ثم أنتقل إلى آخر، كاحتياط أمني.
هكذا، اكتشفت متعة الطبخ والتذوق وتقنيات الطهو. كذلك، اكتشفت "كوزموبوليتية" الطعام والمطاعم في بيروت: الفرنسي والإيطالي والصيني والهندي..إلخ. وفجأة توسعت ثقافة التذوق عندي، بقدر اكتشافي لطقوسه وأسرار التلذذ والتطلب في الرهافة المصاحبة لفن التقديم والتناول وإيقاع الأكل.
سرعان ما انقطعت صلتي بالمطاعم مع تجدد الحرب.
المعارك اليومية في شوارع بيروت بين الميليشيات، في الثمانينات، ترتبط خصوصاً بسندويش الدجاج بالثوم. وأيضاً بمطعميّ مرّوش في راس بيروت، وبربر في الحمرا. كانا مفتوحين على مدار 24 ساعة، حتى أثناء القصف العشوائي. مرّوش كان ملك سندويش الدجاج، وأفضل مكان صباحي لتناول الفول والحمص. أما بربر فهو الذي جعل منقوشة الزعتر ومنقوشة الجبنة أسطوريتين. المطعمان كانا في الليل مقصداً للمسعفين والممرضين ورجال الدفاع المدني والدرك والمسلحين وللسكارى من مجانين السهر في عز الحرب والمعارك.
في حرب طرابلس الثانية (1985)، رأيت جنوداً سوريين يأكلون جبنة عفنة. بدا هذا تعبيراً مكثفاً عن أحوال الجيش السوري الرثة دوماً. وبعد معركة دموية بالقرب من غرفة التجارة، قضيت يوماً في نقاهة. أطعمني المضيفون عصافير مشوية. شعرت أنها "أعظم" وليمة في حياتي.
في "حرب التحرير" التي خاضها قائد الجيش ميشال عون، عرفت لأول مرة العيش كمدني في الملاجئ. والعمود الفقري لهذا العيش هو جبنة "بيكون". لذا، بعد نهاية الحرب كانت من الأشياء التي لم أقترب منها مجدداً.
في تلك الحرب (1989- 1990)، رحت أدبر على نحو دائم سهرات على الشرفة الكبيرة لمنزلي، أدعو الأصدقاء إلى العشاء لأستعرض مهاراتي البسيطة في قلي البطاطا والسجق والمقانق وتحضير التبولة والمتبلات.
أظن أنني كما سائر اللبنانيين، كان احتفالنا مع بداية السلم الأهلي، هو في الإقبال المذهل على المطاعم التي راحت تتكاثر على نحو مدوّخ. وبدا أن هناك موضة كاسحة هي الطعام الياباني، إضافة إلى التايلاندي. وصار الازدهار الذي عرفته التسعينات يجد صورته إما في ذاك النمط من المقاهي- المطاعم المستلهمة من الخيم الرمضانية التي بدأت بهدف إرضاء ذائقة السياح الخليجيين، ثم صارت فلكلوراً لبنانياً معمماً، وإما في ذاك النمط الجديد من المطاعم المعولمة الإكزوتيكية التي ترضي الطبقة العليا وتغري الأثرياء الجدد.
بعد تحرير جنوب لبنان (2000)، وكاحتفاء عام بالحدث وتداعياته المترافقة مع صعود "الشيعية السياسية"، انغمس اللبنانيون في التبجيل للكبة النية الجنوبية (الفراكة)، والمجدّرة الحمرا التي لا يجيدها إلا سيدات الجنوب. ما عاد أي مطعم لبناني "محترم" تخلو قائمته من "الفراكة".
ميزة حرب 2006، هي التنافس السياسي على إطعام النازحين وإيوائهم. فالانقسام العنيف بين 14 آذار و8 آذار، حرّض حركة 14 آذار على محاولة كسب البيئة الشيعية واستغلال المأساة التي سببها حزب الله لأهل الجنوب والضاحية، عبر وضع إمكانيات هائلة، مالية ولوجيستية، لإغاثة وإطعام وإيواء مئات الآلاف على نحو باذخ. فمثلاً، تم تجهيز حمامات المدارس بالدوش للاستحمام، وأقيمت مطابخ كاملة التجهيز تحت شعار "وجبة ساخنة يومية" لكل فرد، وبنوعية فاخرة. كان هناك حرص "سياسي" على تأمين شروط الرفاهية للنازحين وليس فقط المقومات الأساسية للعيش. بعد عشرة أيام على بدء الحرب تفطن الحزب لخطر خسارة بيئته، فكان خطاب الكرامة الشهير لحسن نصرالله، والوعد بالتعويض المالي وإعادة البناء وتأمين الإغاثة.
هكذا، بدأ حزب الله بتوزيع بدلات مالية سخية، وأنشأ مطابخ تنافس خصومه، وأشاع بين النازحين خرافة "منع شماتة الآخرين". وعلى الفور، بدأ النازحون برفض أو رمي الوجبات الآتية من مطابخ آل الحريري مثلاً، وأخذ الوجبات التي يقدمها الحزب فقط، الذي سجل أول انتصار سياسي حينها عبر الطعام.
بعد خيبة انتفاضة 17 تشرين 2019، ثم انفجار مرفأ بيروت، واهتدائي إلى بحر عمشيت للعطلة الأسبوعية، بت أكثر انغماساً بالطهو وتقنياته ومتعته "الروحية". كان ذلك أيضاً موقفاً سياسياً متصلاً في العمق بتعريف "العيش" ومعنى العلاقة الأسرية والصداقة والعلاقات الاجتماعية والحب والصحة الجسدية واللذة والمتع الحسية.
في تلك الفترة حين انهار الاقتصاد وتم إفقار مئات الآلاف من اللبنانيين إلى حد الجوع، امتنعت عن الذهاب إلى المطاعم. إذ نفرت من مشهد رواد المطاعم الفخمة اللامبالين بالمهانة التي لحقت بالشعب اللبناني والعوز المفاجئ والفقر الشديد الذي أصاب شطراً كبيراً من أبناء الطبقة الوسطى. تماماً كما اشمأزيت من خطاب التطبيع مع الجوع ("ازرعوا الشرفات"، قال الفصيح المفوّه).
لذا، انهمكت أكثر بالطبخ المنزلي، وتعلم الوصفات التي تقدمها عادة المطاعم.
بالنسبة لي، الأشخاص الذين يتشاركون المائدة والشراب، يسري بينهم في لحظة تناول الطعام ودّ ومحبة وتضامن تمنح إنسانيتهم معنى حسياً وفيزيولوجياً أسمى كثيراً مما تحاوله الأفكار السياسية المجردة.
هذا ما يشعرني اليوم، أثناء الحرب الممتدة منذ سنتين، أن التفنن في الطهو والانهماك به، والتمتع بالأكل ومشاركة الآخرين به، يضمر تعبيراً سياسياً، فردياً وصامتاً، كما لو أنه فعل "وجودي"، وعلى الضد مما يقترحه أهل الحرب من معانٍ تتصل بالكرامة والعزة وتمجيد الموت.




