ممانعة حزب الله التي فرضت التفاوض: كيف انكشفت الدولة؟

رأيعبد الرؤوف سنوالأربعاء 2026/04/22
Image-1774042070
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يعد مأزق لبنان الراهن مجرد أزمة عابرة، بل حصيلة مسار تاريخي انتقل فيه البلد من دولة تحاول حماية توازناتها إلى ساحة تدار ضمن استراتيجيات إقليمية أكبر منها. وفي قلب هذا التحول يقف حزب الله، رافعًا شعار الممانعة بوصفه مشروعاً للتحرير والسيادة، قبل أن يتحول هذا الشعار نفسه إلى إطار يبرر نقيضه.

من منظور تاريخي، لم تكن أخطر لحظات لبنان حين خاض حروباً مع إسرائيل، بل حين فقد القدرة على تحديد موقعه منها. ففي مراحل سابقة، رغم الانقسامات، بقيت هناك حدود ما بين الدولة والساحة. أما اليوم، وبعد إسناد غزة وإسناد إيران، بالرغم من أنف الدولة وغالبية واللبنانيين، فقد تلاشت هذه الحدود، وبات قرار الحرب والسلم مرتبطًا بمنطق "محور الملالي"، لا بالمصلحة الوطنية اللبنانية. وهنا يكمن التحول النوعي: لم يعد لبنان طرفًا في الصراع، بل أداة ضمنه.

غير أن تفكيك خطاب ممانعة الحزب يكشف تناقضه البنيوي. فهذا الخطاب يقوم على ثلاث فرضيات: رفض التفاوض مع العدو الإسرائيلي، واحتكار مفهوم السيادة اللبنانية وفقًا لمصالح الولي الفقيه، واعتبار سلاحه في الداخل ضمانة الردع، وفي الخارج لضرب سيادات دول عربية. لكن التجربة الفعلية أظهرت أن هذه الفرضيات لا تصمد أمام الواقع. فإيران، راعية هذا الخطاب، لم تتردد في التفاوض مع "الشيطان الأكبر"، الولايات المتحدة، كلما اقتضت مصالحها ذلك، وآخرها التي تجري اليوم في باكستان. التفاوض هنا أداة براغماتية، لا خيانة. أما في حالة لبنان، فقد جرى تحويله إلى محرم، إلى أن فرضه الانهيار كخيار اضطراري.

وتظهر هذه الازدواجية بأوضح صورها في ملف ترسيم الحدود البحرية. فبعد رفع الحزب سقف المواجهة واعتماد خطاب الحقوق الكاملة، انتهى المسار إلى تسوية اعتمدت الخط 23، متراجعة عن الخط 29 الذي كان الجيش اللبناني قد رسمه سقفاً أعلى للمطالبة. لم يكن ذلك تفصيلًا تقنيًا، بل انعكاسًا لتقاطع مصالح أوسع، حيث تداخل القرار اللبناني مع توازنات خارجية، ما أفضى عمليًا إلى خسارة جزء من الحقوق المحتملة في الثروة البحرية. وهكذا تحول ملف سيادي بامتياز إلى مثال إضافي على ارتهان القرار الوطني.

وفي السياق نفسه، لم يكن رفض الحزب في العام 2021 دعوة البطريرك بشارة الراعي إلى تحييد لبنان موقفًا ظرفيًا، بل تعبيرًا عن تمسكه بوظيفة البلد كقاعدة ضمن مشروع إيران الإقليمي، حيث يتداخل حضور الحرس الثوري الإيراني، المباشر أو غير المباشر، مع بنية القرار العسكري والأمني. فالحياد، في هذا المنطق، ليس خيارًا سياديًا، بل تهديدًا لدور وظيفي.

غير أن الوقائع الميدانية والاقتصادية أطاحت تدريجيًا بهذا البناء الأيديولوجي. فالحروب المتكررة، بدل أن تعزز الردع، عمقت الانهيار. والسلاح، بدل أن يحمي السيادة، كرس ازدواجيتها. ومع تفاقم الأزمة، وارتفاع أعداد الشهداء وحجم والخراب، وجد لبنان نفسه أمام حقيقة قاسية: لا قدرة على الاستمرار في هذا المسار من دون كلفة وجودية.

يتضح اليوم أن منطق الممانعة لم يلغ التفاوض، بل أجله، ثم أعاده في أسوأ الشروط. فلبنان وجد نفسه بين سلاحين: سلاح إسرائيل الذي يدمر عند كل جولة، وسلاح حزب الله الذي يجر البلد إلى تلك الجولات ويثبت ازدواجية القرار. وبين ضغط النارين، لم يعد أمام الدولة ولا المجتمع سوى البحث عن مخرج يوقف النزف، أي الانخراط في مسارات تفاوضية كانت تُحرم سياسياً. وهنا تنكشف حقيقة محرجة: التفاوض لم يأت نتيجة تحول فكري، بل نتيجة انهيار ميزان القدرة.

وبذلك، يتبين أن التفاوض لم يكن غائبًا حتى في ذروة خطاب الرفض. فحزب الله، الذي قدم نفسه بوصفه نقيضًا لأي تواصل مع إسرائيل، انخرط عمليًا في أشكال متعددة من التفاوض غير المباشر: من صفقات تبادل الأسرى، إلى تثبيت قواعد الاشتباك عبر وسطاء دوليين، وصولاً إلى تسهيل اتفاق ترسيم الحدود البحرية. غير أن هذا التفاوض بقي خارج الخطاب العلني، ما يكشف مفارقة بنيوية: رفض نظري يقابله قبول عملي، وشعار يجرم ما تفرضه الوقائع، وما تقوم به الدولة التي استعادت وعيها.

وتتأكد هذه الخلاصة إذا قورنت بما جرى بعد عملية 2023 في غزة، إذ انتهت حماس، تحت وطأة الدمار، إلى مسارات تفاوض غير مباشر عبر الولايات المتحدة. غير أن المفارقة أن خطاب التخوين الذي استخدم طويلاً في لبنان ضد أي دعوة للتهدئة أو التفاوض، لم يشهر تجاه حماس، رغم تقاطع النتيجة. وهنا ينكشف التخوين كأداة انتقائية، لا معيارًا مبدئيًا. ولا ينسى اللبنانيون تلك اللحظة الانتهازية التي سجلها أتباع الحزب في تظاهرتهم أمام السراي قبل أيام، والتأشير إلى رئيس الحكومة سلام بعبارات الخيانة.

الخلاصة القاسية، أن لبنان لم يختر التفاوض، بل دفع إليه من خلال تهور حزب الله، ودفع لبنان إلى ما وصل إليه من انهيار. فالسيادة تمارس حين تحتكر الدولة قرار الحرب والسلم، أما حين يتوزع القرار بين دولة، وميليشيا مرتبطة أيديولوجياً وسياسياً ومالياً بالولي الفقيه، تصبح كل جولة قتال تمهيداً لجولة تفاوض من موقع أضعف. وهذا ما انتهى إليه لبنان في اسناد غزة، وباتفاق وقف إطلاق النار خريف العام 2024، واحتلال إسرائيل النقاط الخمس في عمق الجنوب، ثم إسناد الحزب إيران في حربها ضد إسرائيل عقب اغتيال خامنئي بالإعلان عن سبق إصرار وترصد دخوله في أسناد إيران، وتسبب بالتالي باحتلال المزيد من الأرض اللبنانية، وتهجير الكثيرين من مواطني الجنوب. وهكذا، فإن من حرم التفاوض نظريا هو نفسه من أوصل لبنان عمليا إليه، لا كخيار، بل كضرورة.

 

الاستنتاج

لم يعد جائزَا التعامل مع ما جرى كتباين في الخيارات، بل هو تناقض بين منطق الدولة ومنطق الساحة. فـحزب الله لم يقدم للبنان حماية بقدر ما قيده بوظيفة إقليمية، وجعل سيادته مشروطة بإرادة خارجية. وكل خطاب يبرر هذا الواقع باسم المقاومة لم يعد سوى قناع لعجز سياسي.

وقد أثبتت التجارب أن سلاح الحزب خارج الدولة لا ينتج سيادة، بل ازدواجية قاتلة ودماراً، وأن رفض التفاوض لا يمنع حصوله، بل يؤجله إلى لحظة أضعف يجد لبنان نفسه فيها أمام الانهيار، وأن الارتهان لمحور خارجي لا يحمي لبنان، بل يجره إلى حروب لا يملك قرارها. ومن هنا، فقرار لبنان بالتفاوض مع إسرائيل، ليس ترفاً، بل حاجة وجودية لاستعادة الكيان والسيادة. وفي المقابل، فإن الدعوة إلى تحييد لبنان، كما طرحها بشارة الراعي، لم تكن كذلك ترفًا فكريًا، بل محاولة مبكرة لتجنيب البلاد هذا المصير الذي أوصل الحزب لبنان إليه.

إن استعادة لبنان لا تبدأ من تسوية ظرفية، بل من إعادة تعريف الدولة: احتكارها للسلاح، حصرية قرارها في الحرب والسلم، واستقلال سياستها الخارجية عبر كل الوسائل الدبلوماسية. وهذه ليست شعارات، بل شروط بقاء.

لقد سقط وهم الجمع بين الدولة والساحة، وسقط معه وهم أن الممانعة يمكن أن تحل محل الدولة. وما لم يحسم هذا الخيار، سيبقى لبنان يدور في حلقة الانهيار، يدفع أثمان صراعات غيره، ثم يطلب منه أن يفاوض من موقع أضعف.

فلا إنقاذ للبنان إلا بخروجه من منطق المحاور وعودته دولة كاملة السيادة، وما عدا ذلك ليس سوى إدارة مستمرة للانهيار.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث