يعزّز إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار في إيران فرضيّة تمديده في لبنان، تزامنًا مع انطلاق الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل على مستوى سفيري البلدين. غير أنّ مصدر القلق الأبرز يكمن في أنّ تمديد المهلة لم يقترن بسقفٍ زمنيّ واضح، ما يعزّز احتمال الإبقاء على الوضع القائم ضمن مقاربةٍ أميركيّةٍ ترمي إلى إنهاك إيران، بما يعني عمليًّا إبقاء لبنان ساحةً مفتوحةً أمام عدوانٍ إسرائيليٍّ متواصل، مع استمرار سياسة هدم المنازل واستهداف القرى والبلدات الجنوبيّة.
في موازاة المسار التفاوضي، يبدو أنّ إسرائيل تخوض سباقًا مع الوقت لفرض واقعٍ أمنيٍّ جديد في الجنوب قبل التوصّل إلى أيّ اتّفاقٍ محتمل بين إيران والولايات المتحدة. وفي هذا السياق، جاء ردّ "حزب الله" على الخروقات الإسرائيليّة للهدنة في محاولةٍ لتكريس معادلة "الخرق مقابل الخرق"، في رسالةٍ مفادها أنّ استمرار الواقع الحالي لم يعد ممكنًا.
دعمٌ عربيٌّ ودوليٌّ للموقف اللّبناني
سياسيًّا، برزت حركة اتّصالاتٍ ومشاوراتٍ ورسائل دعمٍ عربيّة تلقّاها لبنان، كان أبرزها الاتّصال الذي تلقّاه رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون من أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي أكّد دعم قطر لمواقف عون وللخطوات التي اتّخذها لوقف التصعيد العسكري، وفي مقدّمتها المفاوضات الثنائيّة المباشرة الهادفة إلى وقف الأعمال العسكريّة، وانسحاب القوّات الإسرائيليّة من المناطق التي تحتلّها في الجنوب، وانتشار الجيش اللبناني حتّى الحدود الجنوبيّة، إلى جانب سائر النقاط التي تكرّس بسط سلطة الدولة اللبنانيّة على كامل أراضيها. كما جدّد أمير قطر وقوف بلاده إلى جانب الشعب اللبناني، واستعدادها للمساعدة في إنهاء معاناته.
وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس عون اتّصالًا بوليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، شكره فيه على وقوفه شخصيًّا، ووقوف المملكة العربيّة السعوديّة إلى جانب لبنان، وعلى الدعم الدائم للبنانيّين، ولا سيّما في الظروف الصعبة التي يمرّون بها.
ومن فرنسا، شدّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، والدفع نحو مسارٍ سياسيٍّ شامل يضمن انسحاب إسرائيل، ونزع سلاح "حزب الله"، وإعادة إعمار المناطق المتضرّرة، إلى جانب دعمٍ دوليٍّ واسعٍ للجيش اللبناني والمؤسّسات الأمنيّة.
وفي مؤتمرٍ صحافيٍّ عقد في باريس، قال ماكرون إنّ أيّ استقرارٍ مستدامٍ في لبنان والمنطقة لن يتحقّق من دون انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانيّة، إلى جانب نزع سلاح "حزب الله" من قبل الدولة اللبنانيّة، بدعمٍ من المجتمع الدولي، وإطلاق عمليّة إعادة إعمارٍ شاملة، ولا سيّما في جنوب لبنان، بما يسمح بعودة النازحين إلى مناطقهم.
غاراتٌ ونسف منازل وخروقٌ متواصلة للهدنة
ميدانيًّا، استشهد شخصٌ وأصيب آخران فجر اليوم، الأربعاء، جرّاء غارةٍ نفّذتها مسيّرةٌ إسرائيليّة على أطراف منطقة الجبور في البقاع الشرقي، في ظلّ تواصل الخروقات الإسرائيليّة لوقف إطلاق النار الهشّ.
وشهدت قرى جنوب نهر الليطاني خلال ساعات الليل وصباح اليوم حركة نزوحٍ خفيفةً باتّجاه صيدا وبيروت، بسبب انعدام الخدمات من كهرباء ومياه في بعض البلدات، وتعذّر القيام بأعمال الترميم، فضلًا من أنّ عددًا كبيرًا من منازل السكّان مدمّر أو غير صالحٍ للسكن نتيجة الاعتداءات الإسرائيليّة.
وأفادت الوكالة الوطنيّة للإعلام بأنّ الجيش الإسرائيلي يواصل عمليّات تفجيرٍ تستهدف المنازل والمباني والمساجد في بلدة الخيام، بالتوازي مع قيام جرّافاتٍ بهدم الأحياء السكنيّة وتجريف الطرق والبنى التحتيّة، في مشهدٍ يوحي بمحاولة طمس معالم البلدة بالكامل. كذلك استهدف قصفٌ مدفعيٌّ محيط بلدتي شقرا وحولا، تزامنًا مع عمليّات تمشيطٍ بالأسلحة الرشّاشة.
وفي بلدة البيّاضة جنوبيّ لبنان، نسفت قوّات الجيش الإسرائيلي فجرًا عددًا من المنازل، وقد سمع دويّ الانفجارات في أرجاء مدينة صور. كما نفّذت آليّاتٌ إسرائيليّةٌ مدرّعة، مدعومةٌ بجرّافات، عمليّات تجريفٍ للطرق في وادي السلوقي، إضافةً إلى نسف عددٍ من المنازل وتدميرها في بلدة عيتا الشعب، وتجريف ما تبقّى من محالّ تجاريّة في الشارع العام، بحسب الوكالة الوطنيّة.
ويقرّ الجيش الإسرائيلي يوميًّا بارتكاب خروقاتٍ وانتهاكاتٍ لوقف إطلاق النار، من خلال إطلاق النار على لبنانيّين بذريعة عبور "الخطّ الأصفر" والاقتراب من قواته وتشكيل خطرٍ عليها، ما يسفر عن سقوط شهداء وجرحى.
استهداف الصحافيين
انتشلت فرق الصليب الأحمر الصحافية زينب فرج من موقع الاستهداف في بلدة الطيري، في حين لم تتمكن حتى الآن من إجلاء الصحافية آمال خليل التي لا تزال عالقة تحت أنقاض منزل استهدفته غارة إسرائيلية في البلدة الجنوبية.
وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد حاصرت الصحافيتين، آمال خليل وزينب فرج، أثناء وجودهما في البلدة، عقب استهداف سيارة قرب موقعهما، ما أسفر عن سقوط شهيدين.
حزب الله يردّ: "الخرق مقابل الخرق"
وشهد ليل أمس تصعيدًا جديدًا، بعدما أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أنّ "حزب الله" أطلق عددًا من الصواريخ باتّجاه قوّاته المتمركزة في بلدة ربّ ثلاثين، جنوب ما وصفه بـ"خطّ الدفاع المتقدّم"، وقال إنّه ردّ على الهجوم عبر مهاجمة المنصّة التي أطلقت منها الصواريخ. كما أعلن اعتراض طائرةٍ مسيّرة قال إنّ الحزب أطلقها باتّجاه كفار يوفال في الجليل الأعلى، معتبرًا أنّ إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من جانب "حزب الله" يشكّل "خرقًا فاضحًا" لاتّفاق وقف إطلاق النار.
في المقابل، تبنّى "حزب الله"، في بيانٍ، استهداف مربض مدفعيّةٍ تابعٍ للجيش الإسرائيلي في مستوطنة "كفرجلعادي"، موضحًا أنّ العمليّة جاءت "دفاعًا عن لبنان وشعبه"، و"ردًّا على الخروقات الفاضحة والموثّقة للعدوّ الإسرائيلي". وأشار الحزب إلى أنّ هذه الخروقات "تجاوزت 200 خرقٍ منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ"، وشملت، وفق البيان، "الاعتداء على المدنيّين وتدمير بيوتهم وقراهم في جنوب لبنان".
وبحسب المعطيات الواردة، بلغت حصيلة ضحايا الحرب الإسرائيليّة منذ 2 آذار/مارس 2454 شهيدًا و7658 جريحًا، مع استمرار عمليّات انتشال جثامين شهداء من تحت ركام مبانٍ تعرّضت لغاراتٍ إسرائيليّة.




