قبل انتهاء الهدنة، ردّ حزب الله على خروقات إسرائيل بإطلاق صواريخ، فردّت عليها إسرائيل في مواقعه، من دون أن تُعلن خروجًا على الهدنة. وهذا يعني أنّ ردّ حزب الله يحرّره من قيود الالتزام بها من طرف واحد، إذ يرفض العودة إلى مرحلة كان فيها موضع استهداف متواصل من إسرائيل، فيما كان يلتزم اتفاق وقف إطلاق النار. انتهت الهدنة في لبنان قبل انتهاء مفعولها في إيران، لكن التطورات قد لا تتجه نحو التصعيد بالشكل الذي كان متوقعًا. فالطرفان، رغم رفع سقف مواقفهما، يطمحان إلى معاودة التفاوض لتحقيق اتفاق يخرج فيه كلّ طرف بموقع المنتصر أمام جمهوره.
وبالرغم من التشنّج، ثمّة من يتحدث عن أنّ الأمور تسير نحو اتفاق أقلّ من سلام وأكثر من هدنة بين لبنان وإسرائيل، وأنّ لبنان سيكون مشمولًا حكمًا بالتسوية التي سيتم التوصل إليها في سياق الاتفاق الإيراني–الأميركي، من دون ضرورة إيلاء التفاوض المباشر أهمية تُذكر. ويتحدث أصحاب وجهة النظر هذه عن مباحثات قد تستغرق أكثر من ثلاثة أشهر على أبعد تقدير، أمّا في لبنان فإنّ الميدان ستكون له انعكاساته في نهاية المطاف.
وبالرغم من سقف المواقف والهدنة المهدَّدة بانتهاء مبكر، لا يزال البحث في مرحلة ما بعد الحرب على نار حامية. فالسعودية، التي لعبت دورًا في وقف إطلاق النار ولو مؤقتًا، دخلت على خط المعالجة في لبنان. وعلى خطّي بري وعون، تعمل على ضمان استقرار الوضع والتمهيد لمرحلة ما بعد التسوية.
على خط بعبدا، استمر التحضير لجولة المفاوضات المباشرة الثانية بين لبنان وإسرائيل، التعليمات التي منحها رئيس الجمهورية جوزاف عون للسفيرة في واشنطن تقضي بتمديد مهلة وقف إطلاق النار، وتحديد موعد لجلسة التفاوض الأولى على مستوى وفد لبناني يرأسه السفير السابق سيمون كرم، بينما لم يُتفق بعد على الشخصية الثانية التي سترافقه.
وانشغل السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى بترتيب جلسة التفاوض الثانية بين السفيرين، وجدول أعمالها، وموعد أولى اجتماعات التفاوض. وترغب الولايات المتحدة في تبلور الموقف اللبناني، فيما يسعى رئيس الجمهورية إلى عقد اجتماع ثلاثي بين الرؤساء لبلورة موقف لبناني موحّد يكون بمثابة توجيه للوفد المفاوض، ووضع خطوط حمراء للبحث ومخاطر التفاوض تحت وطأة العدوان.
لكن مصادر متابعة عبّرت عن اعتقادها بأنّ ظروف عقد مثل هذا الاجتماع لم تنضج بعد، وأنّ العلاقة بين عون وبري لا تزال في طور تبادل الرسائل عن بُعد. وكان آخرها ما أبلغه النائب وائل أبو فاعور، الذي زار عين التينة ليلة أمس الأول بعد لقائه رئيس الجمهورية، من أنّ عون لن يقبل بلقاء نتنياهو في واشنطن، فيما أبلغ بري أنّه ليس ضدّ التفاوض، لكن ليس قبل وقف العدوان.
ويتفق بري مع وليد جنبلاط على الخطوات المتعلقة بالمفاوضات؛ فكلاهما يرفض التفاوض المباشر، ولا يغطّي رئيس الجمهورية في الذهاب نحوه من دون جدول أعمال محدّد يسبقه وقف العدوان. وحتى اليوم، لا يجد رئيس الجمهورية من يلتقي معه على خيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وخطواته التي بدأها لا تحظى بالرضى رغم فداحة الحرب. ويتخوّف جنبلاط من أنّ المفاوضات المباشرة وذهاب عون إلى واشنطن قد يؤجّجان الخلاف الداخلي، وقد يؤديان إلى مواجهات داخلية وخيمة.
موضوع الحكومة لا يزال حاضرًا بقوة على طاولة البحث السعودي مع رئيس مجلس النواب نبيه بري. وخلال زيارته، لمس موفد بري علي حسن خليل إصرارًا سعوديًا مبدئيًا على استمرار حكومة نواف سلام إلى أن تتغير الظروف الراهنة وتتضح معالم التطورات وما ستؤول إليه. وتتمسك المملكة بشخص نواف سلام على رأس الحكومة، ولا تلاقي الرغبة اللبنانية في استبداله، خصوصًا أنّ البديل لديها لم ينضج بعد.
كما أنّ العلاقة مع الرئيس سعد الحريري لم تتصحّح بعد، وكان استقباله خلال زيارته لإحياء ذكرى والده مثار عتب سعودي على بري. كذلك لا تزال المملكة تتحفّظ على شخص رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، بحجة أنّ عودته لا تلقى إجماعًا لبنانيًا. وتوافق السعودية على فكرة أنّ تغيّر الظروف بعد الحرب يستوجب تغيير المشهدية عمومًا في لبنان.
أربع نقاط تناقشها السعودية مع لبنان: استقرار الوضع الداخلي قدر الإمكان ومنع تفلّت الشارع، المحافظة على حكومة نواف سلام، تقدير موقف الثنائي الذي أصدر بيانًا يمنع انفلات الشارع ضد الحكومة، والحفاظ على اتفاق الطائف ومنع تعديله.
في المحصلة، يقف لبنان عند تقاطع دقيق بين هدنة هشة ومسار تفاوضي غير مكتمل، حيث يتداخل الميدان مع السياسة، والإقليمي مع الداخلي. وبينما تتسابق الأطراف لتثبيت شروطها قبل أي تسوية، يبقى العامل الحاسم في قدرة لبنان على عبور هذه المرحلة هو توحيد موقفه الداخلي، لأن أي اتفاق لا يستند إلى غطاء وطني صلب سيبقى عرضة للاهتزاز عند أول اختبار.




