تصعيد الوقت الضائع: لبنان بين طاولة واشنطن وساعة طهران

مانشيت - المدنالأربعاء 2026/04/22
Image-1776867872
السلطة تحاول أن تُفاوض، لكنها لا تزال أسيرة توازنات تمنعها من الذهاب بعيدًا في القرار. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

مع انتصاف هدنة العشرة أيّام، شهد الوضع العسكريّ تصعيدًا لافتًا، إذ فيما كان الإسرائيليّون يواصلون عمليّات النسف والتجريف لقرى الخطّ الأصفر، صعّدوا ضرباتهم والتصفيات في مناطق مختلفة من الجنوب والبقاع، ما يُهدِّد الهدنة جدّيًّا. ووسط هذه المناخات التي تزداد سخونة على الأرض، تتّجه الأنظار غدًا الخميس إلى مقرّ الخارجيّة الأميركيّة، حيث تُعقد الجولة الثانية من المباحثات اللبنانيّة، الإسرائيليّة على مستوى السفراء. وفيما يواصل لبنان الرسميّ ضخّ جرعات من التطمين الداخليّ بأنّه لن يخرج عن "الثوابت الوطنيّة"، يبدو المشهد خلف الكواليس أكثر تعقيدًا. إذ يجد لبنان نفسه محاصرًا بين "توقيتين" متناقضين، ومقيّدًا بـ"فيتو" محلّيّ يمنع الدولة من امتلاك قرارها كاملًا على طاولة التفاوض.
وتكمن المفارقة الكبرى في تفاوت الضغوط الزمنيّة. فبينما نجحت طهران في تمديد مهلتها الدوليّة، يستنزف لبنان نصف مهلة العشرة أيّام الممنوحة للهدنة من دون تحقيق خرق حقيقيّ. هذا التفاوت يضع المفاوض اللبنانيّ في وضعيّة الارتباك، حيث يراهن لبنان الرسميّ على أن تأتي الانفراجة من تسوية أميركيّة، إيرانيّة توفّر له الغطاء السياسيّ اللازم. هذا الرهان يعكس عجز الدولة عن اجتراح حلول "لبنانيّة صِرفة"، وانتظارها ضوءًا أخضر خارجيًّا يحرّرها من قيود المعادلة الداخليّة.
تتجلّى إشكاليّة لبنان في عدم قدرة السلطة التنفيذيّة على كسر "قواعد الاشتباك" السياسيّ القائمة. فالثنائيّ الشيعيّ لا يزال يمتلك حقّ "الفيتو" الفعليّ على أيّ مسوّدة لا تلائم حساباته الميدانيّة أو الإقليميّة. وبذلك، تذهب الدولة إلى واشنطن بـ"نصف تفويض". فهي تريد طمأنة المجتمع الدوليّ برغبتها في الحلّ، لكنّها تخشى مغامرة الداخل التي قد تُطيح بما تبقّى من استقرار مؤسّساتيّ هشّ.
وحال الضياع التي يعيشها القرار الرسميّ اللبنانيّ تجعله في موقع "المتلقّي" لا "المبادر". فبينما تتحرّك إسرائيل بمطالب أمنيّة واضحة، "الخطّ الأصفر وما بعده"، يكتفي لبنان بالتمسّك بـ"الثوابت" اللفظيّة، آملًا أن تنجح الدبلوماسيّة الإيرانيّة في انتزاع مكاسب تنعكس عليه. وخطورة هذا الرهان تكمن في أنّ التسويات الكبرى غالبًا ما تُطبخ على حساب الأطراف الضعيفة، وأنّ "الغطاء" الذي ينتظره لبنان قد يأتي مشروطًا بتنازلات جغرافيّة أو سياديّة لم يعد يمتلك ترف رفضها.
إذًا، يذهب لبنان الرسميّ إلى الجولة الثانية في واشنطن مُكبّلًا بالحسابات. وإذا لم يتمكّن من انتزاع صيغة إنقاذيّة، فإنّ مهلة العشرة أيّام قد تنتهي لتجد الدولة نفسها أمام واقع ميدانيّ صعب جدًّا.

 

لبنان إلى واشنطن بـ"نصف تفويض"

في الشكل، يذهب لبنان إلى التفاوض تحت عنوان تثبيت وقف إطلاق النار ومنع الانفجار. أمّا في الجوهر، فهو يدخل الجولة الثانية مثقلًا بانقساماته، ومقيّدًا بتوازنات داخليّة لا تسمح له بأن يتصرّف كدولة مكتملة القرار. هنا بالتحديد تكمن المعضلة: الدولة تريد أن تتفاوض، لكنّها لا تملك كامل حرّيّة التفاوض، وتريد أن تطمئن الخارج، لكنّها لا تضمن ألّا ينقلب الداخل على أيّ التزام لا ينسجم مع حسابات القوى النافذة.

هذه هي الصورة التي تحكم المشهد اللبنانيّ اليوم: سلطة رسميّة تُعلن تمسّكها بالثوابت، وتُكثر من رسائل الطمأنة، لكنّها في العمق تتحرّك داخل هامش ضيّق، يضبطه "فيتو" محلّيّ ويحدّده إيقاع إقليميّ أكبر منها. ولذلك، لا تبدو واشنطن بالنسبة إلى لبنان مجرّد محطّة تفاوضيّة، بل اختبارًا حقيقيًّا لقدرة الدولة على أن تكون صاحبة قرار، لا مجرّد ناقل رسائل أو متلقّي نتائج.

في هذا المناخ، أكّد رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، أمام وفد من "اللقاء الديموقراطي" و"الحزب التقدّمي الاشتراكي" برئاسة النائب تيمور جنبلاط في قصر بعبدا، أنّ المرحلة الراهنة تستوجب أعلى درجات الواقعيّة والحكمة والعقلانيّة، مشدِّدًا على أنّ وحدة الموقف الوطنيّ تبقى ركيزةً أساسيّةً لحماية لبنان في مسار المفاوضات المرتقبة، ولمنع أيّ محاولة إسرائيليّة لاستغلال الانقسامات الداخليّة.

وقال عون إنّ "المواقف التي تتمتّع بعقلانيّة وطنيّة من شأنها أن تُحقِّق مواكبةً ضروريّةً لمسار المفاوضات الذي سينطلق بعد تثبيت وقف إطلاق النار"، معتبرًا أنّ من الضروريّ تفاعل اللبنانيّين مع وحدة الموقف الوطنيّ من أجل تقوية الفريق اللبنانيّ المفاوض في مواجهة الوفد الإسرائيليّ، "كي لا يستغلّ أيّ ثغرة داخليّة لتحقيق أهدافه".

وفي هذا السياق، أشار إلى أنّ سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض ستمثّل لبنان في الاجتماع التحضيريّ المقرّر غدًا في وزارة الخارجيّة الأميركيّة، حيث ستطرح مسألة تمديد مهلة اتّفاق وقف إطلاق النار، ووقف إسرائيل عمليّات الهدم في القرى والبلدات الجنوبيّة.

لكنّ أهمّ ما في كلام رئيس الجمهوريّة لم يكن في توصيف المرحلة فحسب، بل في محاولة رسم سقف سياسيّ واضح للمفاوضات. فقد شدّد على أنّ توجّه لبنان في المفاوضات المرتقبة "واضح: لا تنازل، ولا مساومة، ولا تسليم إلّا بما يُحقِّق السيادة اللبنانيّة ومصلحة جميع اللبنانيّين".

وأضاف أنّه اعتمد خيار التفاوض "لأنّ تجارب الماضي علّمتنا أنّ الحروب لا تؤدّي إلّا إلى القتل والتدمير والتهجير"، لافتًا إلى أنّه كان يدرك سلفًا أنّ هذا الخيار سيُواجَه بالاعتراض والتشكيك وإطلاق الاتّهامات، "إلّا أنّني على ثقة بأنّ هذا الخيار هو الأسلم للبنان وللبنانيّين، إلى أيّ جهة انتموا".

 

بين برّي وسلام وجنبلاط

وكشف عون أنّه على تواصل دائم مع رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، ورئيس الحكومة نواف سلام، والنائب السابق وليد جنبلاط، إلى جانب قيادات لبنانيّة أخرى، لمواكبة الاتّصالات الجارية لتثبيت وقف النار وتوفير الأجواء المناسبة التي تحمي خيار لبنان.

ورأى أنّ المرحلة الراهنة تتطلّب "واقعيّةً وحكمةً وعقلانيّةً وإدراكًا للواقع اللبنانيّ"، داعيًا الجميع إلى مواكبة هذا التوجّه والمساهمة في إنهاء معاناة لبنان عمومًا، والجنوب خصوصًا، الذي شهدت أرضه، منذ عام 1969 وحتّى اليوم، حروبًا أفرزت مآسيَ وعذاباتٍ لا تزال تداعياتها ماثلةً حتّى الآن.

إلّا أنّ قراءة سياسيّة أعمق لهذا الحراك تُظهر أنّه لا يزال في إطار إدارة التوازنات، لا إنتاج القرار الحاسم. فالتواصل بين الرؤساء والمرجعيّات والقوى لا يعني بالضرورة أنّ لبنان بات يمتلك رؤية موحّدة، بل قد يعني أيضًا أنّه ما زال يبحث عن الحدّ الأدنى من التفاهم الداخليّ الذي يسمح له بالذهاب إلى الخارج من دون انفجار داخليّ. والفرق كبير بين الحالتين.

 

تمديد الهدنة.. استنزافٌ منظَّم؟

يعزّز إعلان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار في إيران فرضيّة تمديده في لبنان، تزامنًا مع انطلاق الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل على مستوى سفيري البلدين. غير أنّ مصدر القلق الأبرز يكمن في أنّ تمديد المهلة لم يقترن بسقف زمنيّ واضح، ما يعزّز احتمال الإبقاء على الوضع القائم ضمن مقاربة أميركيّة ترمي إلى إنهاك إيران، بما يعني عمليًّا إبقاء لبنان ساحة مفتوحة أمام عدوان إسرائيليّ متواصل، مع استمرار سياسة هدم المنازل واستهداف القرى والبلدات الجنوبيّة.

هذا هو الوجه الأخطر للتمديد: أن يتحوّل من فرصة لتثبيت التهدئة إلى آليّة لإدارة الاستنزاف. فالهدنة المفتوحة بلا أفق سياسيّ واضح قد لا تعني وقف الحرب، بل إعادة تنظيمها تحت سقف أقلّ صخبًا وأكثر قسوة. وفي مثل هذا السيناريو، يدفع لبنان الثمن مرّتين، مرّة لأنّه عاجز عن فرض وقفٍ كامل للاعتداءات، ومرّة لأنّه يُستخدم ورقةً على طاولة تفاوضٍ إقليميّ أكبر منه.

في موازاة المسار التفاوضيّ، يبدو أنّ إسرائيل تخوض سباقًا مع الوقت لفرض واقع أمنيّ جديد في الجنوب قبل التوصّل إلى أيّ اتّفاق محتمل بين إيران والولايات المتّحدة. وفي هذا السياق، جاء ردّ "حزب الله" على الخروقات الإسرائيليّة للهدنة في محاولة لتكريس معادلة "الخرق مقابل الخرق"، في رسالة مفادها أنّ استمرار الواقع الحاليّ لم يعد ممكنًا.

وشهد ليل أمس تصعيدًا جديدًا، بعدما أعلن جيش الاحتلال الإسرائيليّ أنّ "حزب الله" أطلق عددًا من الصواريخ باتّجاه قوّاته المتمركزة في بلدة ربّ ثلاثين، جنوب ما وصفه بـ"خطّ الدفاع المتقدّم"، وقال إنّه ردّ على الهجوم عبر مهاجمة المنصّة التي أُطلقت منها الصواريخ. كما أعلن اعتراض طائرة مسيّرة قال إنّ الحزب أطلقها باتّجاه كفار يوفال في الجليل الأعلى، معتبرًا أنّ إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من جانب "حزب الله" يشكّل "خرقًا فاضحًا" لاتّفاق وقف إطلاق النار.

في المعنى السياسيّ، نحن أمام معادلتين متقابلتين: إسرائيل تريد تثبيت وقائع ميدانيّة قبل أيّ تسوية، والحزب يريد منع تحويل الهدنة إلى مظلّة للاستفراد بالجنوب. وبين الطرفين، تبدو الدولة اللبنانيّة في موقع من يحاول اللحاق بالحدث، لا الإمساك به.

 

دعم عربيّ ودوليّ

سياسيًّا، برزت حركة اتّصالات ومشاورات ورسائل دعم عربيّة تلقّاها لبنان، كان أبرزها الاتّصال الذي تلقّاه رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون من أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي أكّد دعم قطر لمواقف عون وللخطوات التي اتّخذها لوقف التصعيد العسكريّ، وفي مقدّمتها المفاوضات الثنائيّة المباشرة الهادفة إلى وقف الأعمال العسكريّة، وانسحاب القوّات الإسرائيليّة من المناطق التي تحتلّها في الجنوب، وانتشار الجيش اللبنانيّ حتّى الحدود الجنوبيّة، إلى جانب سائر النقاط التي تكرّس بسط سلطة الدولة اللبنانيّة على كامل أراضيها. كما جدّد أمير قطر وقوف بلاده إلى جانب الشعب اللبنانيّ، واستعدادها للمساعدة في إنهاء معاناته.

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس عون اتّصالًا بوليّ العهد السعوديّ الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، شكره فيه على وقوفه شخصيًّا، ووقوف المملكة العربيّة السعوديّة إلى جانب لبنان، وعلى الدعم الدائم للبنانيّين، ولا سيّما في الظروف الصعبة التي يمرّون بها.

ومن فرنسا، شدّد الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اللبنانيّ نواف سلام على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، والدفع نحو مسار سياسيّ شامل يضمن انسحاب إسرائيل، ونزع سلاح "حزب الله"، وإعادة إعمار المناطق المتضرّرة، إلى جانب دعم دوليّ واسع للجيش اللبنانيّ والمؤسّسات الأمنيّة.

وفي مؤتمر صحافيّ عُقد في باريس، قال ماكرون إنّ أيّ استقرار مستدام في لبنان والمنطقة لن يتحقّق من دون انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانيّة، إلى جانب نزع سلاح "حزب الله" من قبل الدولة اللبنانيّة، بدعم من المجتمع الدوليّ، وإطلاق عمليّة إعادة إعمار شاملة، ولا سيّما في جنوب لبنان، بما يسمح بعودة النازحين إلى مناطقهم.

هذا الدعم، على أهمّيّته، لا يُقرأ فقط بوصفه شبكة أمان للبنان، بل أيضًا بوصفه إطارًا سياسيًّا مشروطًا. فكلّ دعم خارجيّ في مثل هذه اللحظات يحمل في طيّاته توقّعات، وأحيانًا مطالب، وأحيانًا خرائط طريق غير معلنة بالكامل. والمشكلة هنا أنّ لبنان، في ضعفه الحاليّ، قد لا يملك ترف الفصل بين المساندة والاشتراط.

 

الجنوب تحت النار

ميدانيًّا، استشهد شخص وأُصيب آخران فجر اليوم، الأربعاء، جرّاء غارة نفّذتها مسيّرة إسرائيليّة على أطراف منطقة الجبور في البقاع الشرقيّ، في ظلّ تواصل الخروقات الإسرائيليّة لوقف إطلاق النار الهشّ.

وشهدت قرى جنوب نهر الليطاني خلال ساعات الليل وصباح اليوم حركة نزوح خفيفة باتّجاه صيدا وبيروت، بسبب انعدام الخدمات من كهرباء ومياه في بعض البلدات، وتعذّر القيام بأعمال الترميم، فضلًا من أنّ عددًا كبيرًا من منازل السكّان مدمّر أو غير صالح للسكن نتيجة الاعتداءات الإسرائيليّة.

وأفادت الوكالة الوطنيّة للإعلام بأنّ الجيش الإسرائيليّ يواصل عمليّات تفجير تستهدف المنازل والمباني والمساجد في بلدة الخيام، بالتوازي مع قيام جرّافات بهدم الأحياء السكنيّة وتجريف الطرق والبنى التحتيّة، في مشهد يوحي بمحاولة طمس معالم البلدة بالكامل. كذلك استهدف قصف مدفعيّ محيط بلدتي شقرا وحولا، تزامنًا مع عمليّات تمشيط بالأسلحة الرشّاشة.

وفي بلدة البيّاضة جنوبيّ لبنان، نسفت قوّات الجيش الإسرائيليّ فجرًا عددًا من المنازل، وقد سُمع دويّ الانفجارات في أرجاء مدينة صور. كما نفّذت آليّات إسرائيليّة مدرّعة، مدعومة بجرّافات، عمليّات تجريف للطرق في وادي السلوقي، إضافة إلى نسف عدد من المنازل وتدميرها في بلدة عيتا الشعب، وتجريف ما تبقّى من محالّ تجاريّة في الشارع العام، بحسب الوكالة الوطنيّة.

ويُقرّ الجيش الإسرائيليّ يوميًّا بارتكاب خروقات وانتهاكات لوقف إطلاق النار، من خلال إطلاق النار على لبنانيّين بذريعة عبور "الخطّ الأصفر" والاقتراب من قوّاته وتشكيل خطر عليها، ما يُسفر عن سقوط شهداء وجرحى.

هذه الوقائع لا تبدو حوادث متناثرة، بل جزءًا من سياسة ميدانيّة منظّمة هدفها إعادة تشكيل الجغرافيا الحدوديّة بالنار والجرافة. فحين يُدمَّر الحجر على هذا النحو المنهجيّ، لا يعود الأمر مجرّد ضغط عسكريّ، بل يصبح محاولةً لفرض واقع أمنيّ وديموغرافيّ ونفسيّ جديد.

 

"الغطاء" الخارجيّ والعجز الداخليّ

في الخلاصة، لا يبدو لبنان اليوم أمام مفاوضات عاديّة، بل أمام لحظة مفصليّة تختبر معنى الدولة وحدودها معًا. فالسلطة تحاول أن تُفاوض، لكنّها لا تزال أسيرة توازنات تمنعها من الذهاب بعيدًا في القرار. والخارج يقدّم دعمًا سياسيًّا، لكنّه لا يفعل ذلك بلا أثمان أو حسابات. أمّا إسرائيل، فتستثمر كلّ دقيقة ميدانيًّا لفرض وقائع قد تصبح لاحقًا جزءًا من أيّ تسوية مفروضة.

لذلك، فإنّ الخطر لا يكمن فقط في فشل الجولة الثانية في واشنطن، بل في نجاحها المشروط أيضًا. لأنّ لبنان، حين يتفاوض من موقع الضعف، قد يُدفَع إلى "تسوية نجاة" تحفظ الهدوء المؤقّت، لكنّها تترك في الجسد السياديّ ندوبًا عميقة.

هكذا، يدخل لبنان الجولة الثانية لا كطرف يمتلك زمام المبادرة، بل كدولة تحاول ألّا تُسحق بين نار الميدان وابتزاز السياسة. وإذا لم ينجح في تحويل التهدئة إلى مسار يحمي الأرض والسيادة معًا، فإنّ مهلة العشرة أيّام لن تكون سوى استراحة قصيرة قبل انتقاله إلى مرحلة أشدّ قسوة، سياسيًّا وميدانيًّا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث