شكّل حضور الرئيس السوري أحمد الشرع مباراة منتخبي لبنان وسوريا خلال حفل افتتاح صالة الفيحاء الرياضية مناسبة تتجاوز كرة السلة وفنياتها. فالصالة بحلّتها الجديدة لم تكن مجرّد مساحة لإحياء النشاط الرياضي، بل منصّة لإطلاق رسائل سياسية محسوبة تجاه لبنان وشعبه.
رسائل ناعمة – صلبة
ليست المرة الأولى التي تعتمد فيها دمشق الجديدة أسلوب "القوة الناعمة" لتمرير مواقف صلبة. فالرياضة تاريخيًا مثّلت قناة أقل كلفة وأكثر قابلية للتلقّي في بيئات متوترة. وفي الحالة اللبنانية –السورية، حيث لا تزال الحساسية قائمة تجاه أي خطاب سياسي مباشر، يكتسب هذا الأسلوب المرن فاعلية مضاعفة.
كلام الشرع عن "التقارب الدائم" وأنه "لا غالب ولا مغلوب، بل كلانا منتصر" إلى جانب إدانته "السياسات السابقة التي خرّبت العلاقة بين الشعبين"، وتقصده تمرير هذا الموقف لتبديد أي هواجس لبنانية، خصوصاً بعد حملات كثيرة عن تدخل سوري بلبنان، فكان موقفه بأن لا غالب ولا مغلوب هو إشارة واضحة لما يعلنه مسؤولو البلدين حول تطوير العلاقات على أساس الندية بين البلدين.
كلام لا يمكن فصله عن سياق إقليمي مشتعل. فالمنطقة تعيش على وقع هدنات هشّة، فيما تعمل سوريا للخروج من عزلتها السابقة، مستفيدة من مناخ الانفتاح والدعم العربيين، لا سيما السعودي القطري. وفي هذا الإطار تبدو العلاقة مع لبنان ساحة اختبار طبيعية لهذا التحوّل، بحكم الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح.
الخطاب الهادئ يعكس إدراكًا سوريًا بأن العلاقة مع لبنان ليس محصورة بالقنوات التقليدية فقط. فجاء بلغة جديدة، أقل حدّة وأكثر قربًا من الناس، يمكن قراءتها كمؤشر فعلي إلى تغيير في مقاربة العلاقة.
خطوة إضافية
يقرأ النائب ملحم رياشي لـ"المدن" إيجابية كبيرة في مشاركة الشرع وكلماته الدقيقة خلال المناسبة، معتبرًا أن ما جرى يتجاوز البعد الرياضي إلى مساحة أوسع من الانفتاح والتلاقي والتعاون. وقال إنّ الرياضة كانت دائمًا "لغة جامعة بين الشعوب"، ويجب العمل كي تكون "مدخلًا لإعادة بناء جسور الثقة" بين لبنان وسوريا، على قاعدة الاحترام المتبادل والسيادة الكاملة.
ويأمل رياشي أن تُترجم هذه الإشارات إلى خطوات عملية تعزّز الاستقرار وتفتح صفحة جديدة من العلاقات الطبيعية، بعيدًا عن إرث التعقيدات السابقة، وبما يخدم مصلحة الشعبين.
لأول مرة في دمشق
المباراة – الحدث كما يصفها الإعلامي الرياضي غياث ديبرا، لم تكن صدفة، بل خطوة رمزية مدروسة، كونها المباراة الودية الأولى التي تجمع المنتخبين في العاصمة السورية.
ويشير ديبرا إلى أن المناسبة بدت أكبر من افتتاح واحدة من أكبر الصالات الرياضية العربية، في لحظة دقيقة، مشيدًا بالجهد الاستثنائي الذي بذله وزير الرياضة السوري محمد سامح حامض لإنجاز صالة بمعايير دولية معتمدة يعتمدها الفيبا.
أما حضور الشرع ونزوله إلى أرض الملعب لمصافحة اللاعبين، ولعبه الكرة، فيصفه ديبرا بأنه تواضع لافت يصنع "لحظة مضيئة" في تاريخ الرياضة السورية، ستنعكس إيجابًا على الأجيال القادمة، وتمهّد لعودة أكيدة وسريعة للرياضة السورية إلى مكانتها وحضورها في المحافل العربية والآسيوية.
اختبار متجدّد
بين افتتاح صالة الفيحاء وخطاب الشرع، رسمت دمشق ملامح معادلة جديدة، الحضور أفضل من الغياب، والتأثير أجدى من الحياد، والتكامل أبقى من الوصاية والهيمنة.
أمّا لبنان، فمجددًا أمام اختبار قديم يتجدّد. السؤال ليس كيف سيقرأ الرسائل القادمة، بل كيف سيتعامل معها، هل يبقى على مقعد الاحتياط، أم ينزل إلى الملعب لاعبًا أساسيًا في صناعة النتيجة.




