بينما ينشغل أركان الحكم في بعبدا وعين التينة بمناقشة شكل "التفاوض المباشر" أو "غير المباشر" مع واشنطن، كان وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس يرسم بوضوح "مثلّث السَّيطرة" الذي تعتزم إسرائيل فرضه، محوّلًا لبنان إلى ثلاث مناطق وفق الرؤية الإسرائيلية:
- منطقة الـ10 كلم، أي "الخط الأصفر". وهي المنطقة الأكثر حرجًا، حيث يسعى كاتس لتحويل عمق الـ10 كيلومترات إلى "أرض محرّمة" على لبنان. فالحديث هناك جارٍ عن عدم عودة السكّان، وتحويل قرى الحافّة الأماميّة إلى ركام دائم ومنطقة عازلة. والهدف المعلن هو فرض "عمق استراتيجي" لإسرائيل. وفي هذه المنطقة، أصبحت السّيادة اللبنانيّة مجرّد حبر على ورق تحت جنازير الدبّابات التي لا نيّة لسحبها.
- منطقة "المجال الأمني" حتّى الليطاني. وفيها يريد كاتس "منع السلاح" فيها، ما يحوّلها إلى "حزام أمني ناعم" تحت المراقبة التقنيّة والجويّة الإسرائيليّة الدائمة، ويُعتبر أيّ تحرّك "مشتبه به" هدفًا مشروعًا للغارات. لكن الأخطر هو أنّ الدولة اللبنانيّة جُعلت هناك في موقع "المُحاسَب"، فإذا لم تنجح يحقّ لإسرائيل نفسها أن تقوم بأداء المهمّة بالنار. أي إنّ هذه المنطقة، حتّى الليطاني، مرشّحة لأن تصبح داخل الخطّ الأصفر.
- منطقة "المسؤوليّة الانتحاريّة" في بقيّة أراضي لبنان. وهنا يكمن اللغم السياسي الداخلي الذي تريده إسرائيل. فكاتس يرمي كرة "تفكيك سلاح حزب الله" بالكامل في ملعب الدولة اللبنانيّة، باعتبار أنّ مهمّة الجيش اللبناني والسلطة السياسيّة هي إنهاء الوجود العسكري للحزب في الضاحية والبقاع والشمال. وهذا ما يثير الهواجس من صدام داخلي، فإمّا أن تخوض الدولة حربًا لتنفيذ هذا المطلب، وإمّا أن تظلّ إسرائيل في وضعيّة الاحتلال جنوبًا، وتبقى محتفظة بـ"حقّ الدفاع عن النفس" لضرب أيّ موقع في لبنان ساعة تشاء، ما دامت الدولة لم تُنجز المهمّة التي تبدو مستحيلة.
هذا التقسيم الثلاثي سيعني ضياع الجنوب، ديموغرافيًّا وأمنيًّا، وتحويل بقيّة لبنان إلى "شرطي" لخدمة الأمن الإسرائيلي. وهو بذلك يبرّر لجيشه استكمال عمليّات النسف والجرف وتوسيع رقعة الـ10 كيلومترات لتصبح 20 أو أكثر.
وهنا يبدو الرهان اللبناني على "تمديد الهدنة"، وكذلك مناورات السفير ميشال عيسى، كوسيلة تشتري الوقت، لكنّ ذلك لا يغيّر الحقيقة الميدانيّة التي يفرضها "الخطّ الأصفر". وفيما لبنان الرسمي اليوم يتقاتل ويقاتل من أجل تحديد شكل التفاوض، تقاتل إسرائيل على الأرض من أجل إعادة رسم الخريطة في لبنان.
في هذه المتاهات، لبنان الرسمي يريد كسب الوقت بتمديد الهدنة. وفي هذا السياق، عبّر الرئيس جوزاف عون اليوم مجدّدًا عن اقتناعه بالتفاوض كسبيل لتحقيق الأهداف، فقال إنّ الديبلوماسيّة حرب من دون دماء. والموقف نفسه أكّده الرئيس نواف سلام في جولته الأوروبيّة.
من الهدنة إلى إعادة رسم الحدود بالنار
ما تقوله إسرائيل لم يعد مجرّد تهديدات ميدانيّة عابرة، بل تحوّل إلى مشروع سياسي، أمني، جغرافي متكامل. فـ"الخطّ الأصفر" ليس توصيفًا عسكريًّا مؤقّتًا، بل محاولة لإنتاج حدود جديدة بالقوّة، تسبق أيّ تفاوض وتفرض وقائعها على أيّ طاولة مقبلة. المعنى الفعلي لهذا المسار أنّ تل أبيب لا تتعامل مع وقف إطلاق النار بوصفه مدخلًا للتهدئة، بل باعتباره فرصة لترتيب الجنوب اللبناني على قياس أمنها، ثمّ توسيع هذا الترتيب نحو الليطاني وما بعده.
بهذا المعنى، لا تبدو إسرائيل معنيّة فقط بإبعاد "حزب الله" عن الحدود، بل بإعادة تعريف وظيفة الدولة اللبنانيّة نفسها: إمّا أن تتحوّل إلى أداة تنفيذ للمطالب الإسرائيليّة، وإمّا أن تُترك تحت ضغط الاحتلال والغارات والابتزاز الأمني المفتوح.
أُعلن رسميًّا أنّ اجتماعًا ثانيًا سيُعقد الخميس في مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن بين سفيري لبنان وإسرائيل، على أن يكون استكمالًا للاجتماع الأوّل، وتمهيدًا لجلسة مفاوضات على مستوى وفد موسّع يترأّسه من الجانب اللبناني السفير السابق سيمون كرم.
الرئيس جوزاف عون أكّد أنّ "المفاوضات الثنائيّة سيتولّاها لبنان من خلال وفد يترأّسه السفير سيمون كرم، ولن يشارك أحد لبنان في هذه المهمّة أو يحلّ مكانه". لكنّ السؤال الفعلي ليس في مَن يترأّس الوفد، بل في طبيعة الطاولة نفسها: هل يذهب لبنان إلى تفاوض على وقف النار، أم إلى تفاوض تحت النار، بينما إسرائيل تُعيد رسم الخريطة وتُفرغ القرى وتهدّد بتوسيع المنطقة العازلة؟
في الكواليس، تتردّد معلومات عن اتّصال ثانٍ قريب بين عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب، فيما تراجع الحديث عن لقاء في البيت الأبيض يضمّ عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لما قد يحمله من تداعيات خطيرة على الداخل اللبناني. ورغم ذلك، لا تخلو الساحة اللبنانيّة من أصوات تدفع نحو هذا الخيار، كما فعل رئيس حزب "القوّات اللبنانيّة" سمير جعجع، الذي رأى في خطوة مماثلة مخرجًا عمليًّا للأزمة.
قطر تُهدّئ وباريس تُراقب
في المشهد الديبلوماسيّ، برز موقف قطري داعم للتهدئة، إذ أعلن المتحدّث باسم الخارجيّة القطريّة ماجد الأنصاري أنّ "دولة قطر تدعم التهدئة في لبنان على مختلف الأصعدة". غير أنّ الدَّعم العربي، على أهمّيّته، لا يبدو حتّى الآن قادرًا على تعديل ميزان القوى التفاوضي، ما دام القرار الفعلي في يد واشنطن، وما دامت إسرائيل تُمسك بالميدان.
أمّا فرنسا، فتعيد تثبيت حضورها من بوّابة الجنوب وملفّ "اليونيفيل". زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى باريس، ولقاؤه الرئيس إيمانويل ماكرون، تأتي في لحظة شديدة الحساسيّة، لا سيّما بعد مقتل جندي فرنسي من قوّات "اليونيفيل" في جنوب لبنان، وتبادل الاتهامات حول المسؤوليّة. باريس تريد الحفاظ على دورها وقوّاتها، كما تسعى إلى موطئ قدم في أيّ تسوية يجري إعدادها أميركيًّا بمشاركة السعودية وتركيا ومصر وباكستان. لكنّ المشكلة أنّ الولايات المتحدة لا تُخفي سعيها إلى احتكار إدارة الملفّ، وتقليص أيّ دور أوروبي مستقلّ.
الديبلوماسيّة بوصفها خيارًا لا ترفًا
في جولته الأوروبيّة، حاول رئيس الحكومة نواف سلام تثبيت رواية لبنانيّة مختلفة، تقوم على أنّ الديبلوماسيّة ليست علامة ضعف، بل تعبير عن مسؤوليّة وطنيّة هدفها استعادة سيادة لبنان وحماية شعبه. وشدّد أمام وزراء خارجيّة الاتحاد الأوروبي على أنّ لبنان يسعى إلى إنهاء الاعتداءات الإسرائيليّة، وضمان الإفراج عن الأسرى، وعودة النازحين، وتكريس مبدأ حصريّة السلاح بيد الدولة.
وفي اللوكسمبورغ، التقى سلام رئيس الوزراء لوك فريدن، الذي أكّد أنّ لبنان والمنطقة يحتاجان إلى سلام لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يقوم على حلّ مستدام وموثوق يحفظ السّيادة والاستقرار. كما جدّدت بلجيكا، عبر وزيرة الخارجيّة والتجارة الخارجيّة والشؤون الأوروبيّة حاجة لحبيب، دعمها للبنان، معلنة تخصيص 100 مليون يورو كمساعدات إنسانيّة، مع التشديد على دعم القيادة اللبنانيّة في مواجهة أعباء النزوح وضمان استمراريّة المؤسّسات.
لكنّ كلّ هذه المواقف، على أهمّيّتها، تبقى في مستوى الإسناد السياسي والإنساني، لا في مستوى إنتاج مظلّة تفاوضيّة تحمي لبنان من الاستفراد الأميركي، الإسرائيلي.
"الخطّ الأصفر"
على الأرض، استمرّت إسرائيل في خروقاتها، واستهدفت مسيّرة منطقة الليطاني، ما أدّى إلى سقوط ستّة جرحى. لكنّ ما هو أخطر من الغارة نفسها، هو السياق الذي تندرج فيه: إسرائيل تواصل تحويل الجنوب إلى منطقة أمنية مقسّمة، وتعمل على تفريغها من السكّان عبر الإنذارات المتكرّرة والتدمير المنهجي للمنازل.
وفي بلدة ميس الجبل، بدا المشهد كأنّه نسخة جنوبيّة من سياسة "الأرض المحروقة". الحارات العتيقة استُهدفت، الملامح تغيّرت، والمنازل تحوّلت أثرًا بعد عين. هذه ليست مجرّد عمليّات عسكريّة، بل مسار منظّم لتفريغ المكان من ذاكرته وسكّانه، وفرض وقائع تجعل العودة لاحقًا أكثر صعوبة، وربّما أكثر استحالة.
وقد أعلن جيش الاحتلال رسم "خطّ أصفر" جديد في جنوب لبنان، على غرار ما فعله في قطاع غزّة، عبر إقامة منطقة عازلة جديدة تستدعي إخلاء 55 قرية من سكّانها. وذكرت صحيفة "هآرتس" أنّ المخطّط الإسرائيلي يقوم على استراتيجيّة تدمير شامل للمرافق الحيويّة ومقوّمات الحياة، تحت مسمّى "عمليّات تطهير وتنظيف"، وباستخدام معدّات وشركات مقاولات شاركت سابقًا في عمليّات مشابهة في قطاع غزّة.
"حزب الله" يرفض
في المقابل، أعلن النائب حسن فضل الله، من كتلة "الوفاء للمقاومة"، أنّ "هذا الخطّ الأصفر سنُسقطه بالمقاومة، بإصرارنا على حقّنا في الدفاع المشروع عن أنفسنا وعن بلدنا"، معتبرًا أنّ الدولة اللبنانيّة معنيّة، من خلال ديبلوماسيّتها، بأن "تتحرّك في هذا المجال، لا أن تذهب إلى مفاوضات مباشرة" مع إسرائيل. وأضاف أنّه "عندما يكون هناك احتلال، لن يستطيع أحد أن يأتي إلى المقاومة ليقول لها إنّ هناك قرارات بحصريّة السلاح أو ما شابه"، واصفًا الخطوات الإسرائيليّة بأنّها "غبيّة"، ومن شأنها أن "تكرّس حقّنا في المقاومة".
هذا الموقف يعكس جوهر العقدة اللبنانيّة: إسرائيل تريد من الدولة أن تواجه "حزب الله"، والحزب يرفض أيّ منطق يربط وقف العدوان بنزع سلاحه، فيما الدولة نفسها لا تملك لا الإجماع الداخلي ولا القدرة العمليّة ولا التوازن السياسي الذي يسمح لها بخوض هذا الاشتباك. وهنا تحديدًا تنصبّ المصيدة: إمّا عجز الدولة، وإمّا انفجار الداخل.
الغطاء العربي: الحاجة المؤجّلة والشرط المفقود
في موازاة الضغوط الأميركيّة والإسرائيليّة، يتقدّم ملفّ الغطاء العربي كعنصر أساسي في تحديد خيارات لبنان. فالرئيس جوزاف عون قال بوضوح: "أنا اخترت التفاوض" لإنقاذ البلد. لكنّ هذا الخيار يصطدم بحقيقتين: الأولى افتقار لبنان إلى توافق داخلي واستراتيجيّة تفاوضيّة واضحة، والثانية غياب إجماع عربي صلب حول شكل هذا التفاوض، في ضوء مرجعيّة "مبادرة السلام العربيّة" الصادرة من بيروت عام 2002، والبيانات الختاميّة للقمم العربيّة الأخيرة في البحرين والقاهرة وبغداد.
مصدر سياسي مطّلع يؤكّد أنّ السعودية ومصر نصحتا رئيس الجمهوريّة بـ"التروّي" في مسار التفاوض، أي التقدّم بحذر ومن دون استعجال، مع ضرورة كسب الوقت والتحصّن داخليًّا عبر الحوار، والسعي للحصول على دعم عربي أوسع. وهذا يعني عمليًّا أنّ العرب لا يعارضون مبدأ التفاوض بوصفه أداة لوقف النار، لكنّهم يتحفّظون على ذهاب لبنان وحيدًا إلى طاولة غير متكافئة، بلا سند سياسي، ولا جدول أعمال واضح، ولا ضمانات.
تاريخيًّا، كان لبنان يلتزم عدم الذهاب إلى مفاوضات مع إسرائيل قبل وجود توجّه عربي جامع. غير أنّ الظروف الحالية، في ظلّ الحرب والتحوّلات الإقليميّة، تفتح الباب أمام تعديل هذا النهج تحت عنوان "إنقاذ لبنان". لكنّ الفارق كبير بين من يريد وقف إطلاق النار، ومن يريد استثمار الحرب لفرض مسار تطبيع جديد.
في الكواليس، تفيد المعطيات بأنّ مصر نصحت لبنان بعدم الذهاب منفردًا، بل ضمن صيغة أوسع، فيما طُرح احتمال تحرّك على مستوى جامعة الدول العربيّة لتأمين دعم سياسي. وتزداد الهواجس من احتمال استفراد لبنان إذا دخل وحيدًا إلى التفاوض، سواء من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خصوصًا بعد الاجتماع الأوّل على مستوى السفراء في الولايات المتحدة، حيث صدر بيان عن وزارة الخارجيّة الأميركيّة منح إسرائيل "حقّ الدفاع عن نفسها"، في إشارة واضحة إلى اختلال مقلق في المرجعيّة والضمانات.
المشكلة هنا أنّ لبنان يبدو في موقع ضعيف: أوراقه محدودة، وحدوده مفتوحة على النار، وداخله منقسم، فيما خصمه متفوّق عسكريًّا ومدعوم سياسيًّا من واشنطن. وهذا ما يجعل أيّ تفاوض بلا غطاء عربي وبلا توازن دولي أقرب إلى إدارة استسلام منه إلى صناعة تسوية.
هدنة هشّة وتأجيل للمعركة لا أكثر
في موازاة ذلك، تكشف الصحافة الإسرائيليّة أنّ وقف إطلاق النار لا يُنظر إليه في إسرائيل باعتباره نهاية للقتال، بل مجرّد هدنة هشّة أو مرحلة مؤقّتة. فقد نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" تقريرًا تساءلت فيه عمّا إذا كان القتال سيُستأنف على الجبهتين في ظلّ هواجس "حزب الله". واعتبر التقرير أنّ وقف إطلاق النار الذي فرضه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في لبنان ترك حالة من القلق في إسرائيل، حيث يطالب الرأي العام بضربة حاسمة ضدّ الحزب، فيما يتريّث الجيش الإسرائيلي تحت وطأة ضغوط سياسيّة يواجهها نتنياهو، وترقّبًا لمحادثات حول لبنان ومفاوضات أميركيّة، إيرانيّة.
وبحسب القراءة الإسرائيليّة نفسها، فإنّ وقف إطلاق النار لم يحقّق بالكامل أهدافه المعلنة، كما أنّ الربط بين جبهة لبنان ومسار التفاوض مع إيران لا يزال قائمًا، ولو حاولت إسرائيل نفيه. وهذا يعني أنّ مصير الجنوب اللبناني يبقى معلّقًا ليس فقط على مسار واشنطن، بيروت، بل أيضًا على مسار واشنطن، طهران.
"جزّ العشب" مجدّدًا
التقرير الإسرائيلي نفسه يذهب أبعد من ذلك، حين يتحدّث عن احتمال العودة إلى قتال أوسع نطاقًا إذا استؤنفت الحرب مع إيران. هنا تعود عقيدة "جزّ العشب" إلى الواجهة: إسرائيل لا تبحث عن حلّ نهائي بقدر ما تبحث عن إدارة متكرّرة للعنف، تُضعف الخصم، وتمنع تعافيه، وتُبقي المجال مفتوحًا أمام جولات جديدة من الاستنزاف.
ويظهر من هذا النقاش أنّ ترامب بات صانع القرار الأساسي في هذا الملفّ، وأنّ نتنياهو قد يجد نفسه مقيّدًا إذا عارضت واشنطن استئناف الحرب. لكنّ هذا لا يطمئن لبنان، لأنّ القرار الأميركي نفسه لا يبدو منحازًا إلى تسوية عادلة، بل إلى ترتيب أولويّات إقليميّة أوسع، قد يكون لبنان مجرّد هامش فيها.
الخبراء الإسرائيليّون أنفسهم لا يبدون حماسة كبيرة لنتائج التفاوض. فالمسؤولون هناك يعتقدون أنّ إسرائيل حقّقت إنجازات غير مسبوقة، لكنّها "لم تُنهِ العمل بعد". وينقل التقرير عن الخبير في الشأنين السوري واللبناني، إيال زيسر، تشكيكه في فرص نجاح المفاوضات، بقوله إنّه "لا يمكن توقّع حلّ صراع بهذا الحجم والتعقيد، ومع طرف مثل حزب الله، خلال اجتماع أو اثنين". كما أشارت ساريت زهافي، رئيسة مركز "ألما" للأبحاث والتعليم، إلى أنّ أولوية ترامب كانت التركيز على إيران وإزالة عوامل التشتيت، معتبرة أنّ العودة إلى القتال في لبنان قبل انتهاء مهلة وقف إطلاق النار تبقى احتمالًا قائمًا.
الأخطر في هذه القراءة أنّها تنتهي إلى خلاصة واضحة: "اللبنانيّون غير مستعدّين لتقديم ما تطلبه إسرائيل"، أي مواجهة "حزب الله" أو إظهار استعداد حكومي للتحرّك ضدّه، "وهو أمر غير وارد حاليًّا". وهذا يعني، ببساطة، أنّ إسرائيل تفاوض على أمر تعرف مسبقًا أنّ لبنان غير قادر على تنفيذه، بما يفتح الباب أمام استخدام هذا "الفشل المتوقّع" ذريعةً دائمة لاستمرار الاحتلال والضربات والابتزاز.
إسرائيل تفاوض بالخريطة ولبنان يفاوض بالوقت
المشهد في جوهره بالغ القسوة: لبنان الرسمي يفاوض لكسب الوقت، فيما إسرائيل تعمل على استثمار الوقت نفسه لفرض وقائع لا رجعة عنها. الدولة اللبنانيّة تتحدّث عن تمديد هدنة، فيما تل أبيب تتحدّث عن منطقة عازلة، وقرى مخلاة، وجنوب منزوع السكّان، ومجال أمني منزوع السلاح، وداخل لبناني مطلوب منه أن يتولّى بنفسه تنفيذ الشروط الإسرائيليّة.
بين ديبلوماسيّة جوزاف عون، وجولات نواف سلام، والتحفّظ العربي، والاحتكار الأميركي، والاندفاعة الإسرائيليّة، يقف لبنان على حافّة لحظة مصيريّة: إمّا أن ينجح في تحويل التفاوض إلى مظلّة حماية سياسيّة وسياديّة، وإمّا أن يتحوّل التفاوض نفسه إلى غطاء لإعادة صياغة لبنان على قياس الأمن الإسرائيلي.




