ليست المشكلة في حروب الشرق الأوسط أنها لا تنتهي، بل أنها، حين تضع أوزارها، لا تُنتج سلامًا، بل تُعيد تعريف الصراع في شكلٍ جديد. لذلك، فإن "اليوم التالي" ليس انتقالًا من الحرب إلى الاستقرار، بل من فوضى مكشوفة إلى فوضى مُدارة.
دخل وقف النار حيّز التنفيذ، رغم خروقات وضغوط هنا وهناك، لكن ما توقّف هو إطلاق النار، لا الصراع نفسه. فالحروب في الشرق الأوسط لا تنتهي حين تصمت الجبهات، بل حين تتبدّل قواعدها. وهذا ما لم يحدث.
في الحروب التقليدية، يُقاس الانتصار بخرائط السيطرة أو بحجم الخسائر. أما في هذه الحرب الممتدة، التي بدأت بزلزال "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتحوّلت إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، فإن السؤال لم يعد من ربح، بل من يملك القدرة على تعريف ما سيأتي بعدها. وهنا تبدأ المعضلة.
تعدد المشاريع… وغياب النظام
في الظاهر، تبدو المنطقة كأنها تتجه نحو "نظام جديد". لكن التدقيق يكشف واقعًا مختلفًا: ليس هناك نظام واحد قيد التشكل، بل ثلاثة مشاريع متزامنة لا تلتقي، وقد أثبت وقف النار أنها قادرة على التعايش من دون أن تتقاطع.
تحاول الولايات المتحدة إعادة هندسة الإقليم عبر مزيج من الردع العسكري، وضبط التصعيد، وفتح مسارات سياسية واقتصادية، من التفاوض المباشر والسلام مع إسرائيل إلى الطاقة والممرات التجارية. هدفها ليس إنهاء الصراع بقدر ما هو إدارته ضمن حدود قابلة للسيطرة، تمهيدًا لترتيب دولي أوسع، سواء عبر التفاهم مع الصين أو عبر إدارة التنافس معها، بما يتيح لها الحفاظ على موقعها في إدارة ممرات الطاقة وسلاسل الإمداد عالميًا.
في المقابل، تتحرك الدول العربية، ولا سيما الخليجية، لحماية استقرارها وتفادي الانخراط في صراعات مفتوحة، مع السعي للاستفادة من الفرص الاقتصادية. وقد اتضح لها، كما لأوروبا قبلها، أن القوة الاقتصادية وحدها لا تكفي، وأن الرهان على الحماية الأميركية لم يعد مضمونًا، وأن الاستقرار أصبح شرطًا للإنتاج لا نتيجة له.
أما إيران، فلا تسعى إلى بناء نظام بديل بقدر ما تعمل على تثبيت نفوذها ومنع إقصائها. يكفيها أن تبقى لاعبًا لا يمكن تجاوزه، حتى لو كان الثمن استنزافًا طويل الأمد. وقد خاضت هذه الحرب بوصفها معركة وجودية، وتمكنت من تثبيت موقعها كطرف لا يمكن تجاوزه.
النتيجة: ثلاث مسارات متوازية، من دون نقطة تقاطع.
إسرائيل: قوة تُعطّل النظام
في قلب هذه المشاريع، تبرز إسرائيل كحالة خاصة: قوة عسكرية متفوقة، لكنها تفتقر إلى الشرعية والقدرة السياسية لتحويل هذه القوة إلى استقرار إقليمي.
لم تقدّم إسرائيل أي تصور سياسي قابل للحياة لليوم التالي، بل اعتمدت توسيع استخدام القوة وفرض وقائع ميدانية من دون أفق تسوية. وحتى حين قبلت بوقف النار، لم يكن ذلك انتقالًا إلى حلّ، بل تثبيتًا لمرحلة جديدة من إدارة الصراع بشروطها الأمنية.
هذا السلوك لا يعكس غياب الحل فحسب، بل يكرّس منطق إدارة الإقليم بالقوة بدل تنظيمه.
فهي لا تكتفي بإدارة المواجهة ضمن نطاقها المباشر، بل تعمل على توسيع ساحة الاشتباك، ما يجعل الإقليم عرضة لدورات تصعيد متتالية. وفي غياب قواعد اشتباك مستقرة، يصبح كل احتكاك قابلًا للتحول إلى مواجهة أوسع.
بهذا المعنى، لا تمثّل إسرائيل عنصر توازن، بل أحد أبرز أسباب تعطّل النظام الإقليمي. فهي تملك القدرة على فرض الوقائع، لكنها لا تسعى إلى إنتاج تسوية، ويتحوّل تفوقها العسكري إلى عامل يُعيد إنتاج عدم الاستقرار.
الأخطر أن هذا النمط من استخدام القوة لا يهدد خصومها فقط، بل يفرض على الدول المحيطة بها إعادة حساباتها الأمنية، لا على أساس استقرار، بل على أساس احتمال دائم لانفلات الصراع.
لاعبون وسطيون: محاولة ملء الفراغ
في ظل غياب مركز قيادي واضح للنظام الإقليمي، تبرز مجموعة من الدول التي يمكن وصفها بـ"اللاعبين الوسطيين"، لا تملك القدرة على فرض نظام، لكنها تخشى كلفة غيابه. وقد أظهر وقف النار أن دور هذه الدول لم يكن إنهاء الصراع، بل منع انفجاره.
في مقدمة هؤلاء تبرز تركيا، ومصر، وباكستان، كلٌ منها يتحرك بدوافع مختلفة، لكن ضمن سؤال واحد: كيف يمكن احتواء الانفجار من دون الوقوع في تبعية كاملة لأي من المحاور الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة والصين؟
تسعى هذه الدول، وخصوصًا باكستان في تقاطعها مع السعودية، إلى الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الدولية، يميل استراتيجيًا نحو الولايات المتحدة، من دون القطيعة مع الصين وروسيا. أما تركيا، فترى في سلوك إسرائيل عاملًا مباشرًا في تحديد هامش حركتها، ما يدفعها إلى تعزيز موقعها كقوة توازن، تجمع بين الوساطة وإعادة التموضع الاستراتيجي، من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
أما مصر، فتتحرك انطلاقًا من هواجس أمنية داخلية عميقة، مرتبطة مباشرة بتداعيات الحرب على غزة والاستقرار في سيناء، وتسعى إلى استعادة دورها كضابط إيقاع سياسي، يحدّ من الانفلات من دون الانخراط في الصراع.
في المقابل، تبدو باكستان لاعبًا غير تقليدي، لكن حضوره يعكس قلقًا مركبًا: من هشاشة وضعه الاقتصادي، إلى التخوف من تشكّل محور هندي–إسرائيلي، إلى الحاجة للحفاظ على توازن دقيق في علاقاته مع الخليج وإيران. لذلك، فإن سعيه للعب دور ليس طموحًا توسعيًا، بل محاولة استباقية لمنع انتقال التوتر إلى ساحته.
هذه الدول لا تبني نظامًا جديدًا، بل تحاول منع انهيار ما تبقى منه. هي لا تملأ الفراغ… بل تمنع السقوط الحر.
قوة بلا نظام… واقتصاد بلا غطاء سياسي
تكشف هذه الحرب عن خلل بنيوي: انفصال بين من يملك القوة ومن يملك الشرعية.
هناك من يملك التفوق العسكري، لكنه عاجز عن إنتاج الاستقرار. وهناك من يملك الموارد، لكنه متردد في تحويلها إلى نفوذ.
في هذا التوزع، لا ينجح أي طرف في جمع عناصر القوة والمال والشرعية، وهو شرط قيام أي نظام.
يُكتب "اليوم التالي" اقتصاديًا بقدر ما يُكتب عسكريًا، لكن هذا الاقتصاد يفتقد إلى غطاء سياسي.فالممرات تحتاج إلى أمن، والاستثمارات إلى وضوح، وإعادة الإعمار إلى سلطات قادرة على الحكم. وفي غياب ذلك، يتحول الاقتصاد إلى ساحة تنافس إضافية.
السعودية: إدارة الاستقرار لا صناعته
في قلب هذا المشهد، تبرز السعودية كحالة مختلفة نسبيًا. ليست لأنها الأقوى عسكريًا، بل لأنها الدولة الوحيدة تقريبًا التي تملك أدوات تحويل الاقتصاد إلى عنصر استقرار إقليمي.
تستند المملكة إلى مزيج نادر من الجغرافيا والتاريخ والموارد والقرار السياسي، وإلى قدرة مالية مقرونة بإرادة سياسية تسعى إلى توظيف هذا الفائض في مشاريع داخلية وإقليمية.
لكن أهمية الدور السعودي لا تكمن فقط في هذه الأدوات، بل في كيفية استخدامها. فالمملكة لا تسعى إلى فرض نظام بالقوة، بل إلى تقليل المخاطر وشراء الاستقرار عبر مزيج من التهدئة وتنويع العلاقات. ويبدو أن لحظة وقف النار تعزز هذا الدور: إدارة الاستقرار لا إنتاجه.
غير أن هذه المقاربة تكشف حدودها: فالاقتصاد يحتاج إلى بيئة مستقرة، والممرات إلى أمن، وفي غياب إطار سياسي إقليمي واضح، يبقى الاقتصاد أداة ضرورية، لكنه غير كافٍ لبناء نظام.
لبنان: المرآة لا الاستثناء
في هذا المشهد، لا يبدو لبنان حالة خاصة، بل نموذجًا مكثفًا لما يعيشه الإقليم.دولة ضعيفة، قوة مقاتلة لا تخضع لها، توازنات معلّقة، واستقرار يقوم على إدارة التناقضات لا حلّها.
ما يُسمّى "تعليق الدولة" في لبنان ليس إلا انعكاسًا لتعليق التسوية الإقليمية. ومع دخول وقف النار، لا يبدو أن هذا التعليق يقترب من نهايته، بل قد يتحوّل إلى نمط أكثر رسوخًا إذا استُخدم كإطار لإدارة التوازنات بدل حلّها.
وقف النار وحده لا يعيد الدولة إلى موقعها، بل قد يكرّس خروجها من المعادلة، ويُبقي لبنان ورقة تفاوض تُدار خارجيًا، إلا إذا أحسنت السلطة السياسية استيعاب المرحلة، والتعاطي مع الوقائع كما هي، لا كما يرغب رعاة النزاع وأطرافه.
لم تحقق إسرائيل أهدافها، وهذا صحيح. لكنها أثبتت، في المقابل، قدرتها على إحداث مستوى من الأذى والإجرام يتجاوز كل التقديرات.
وصمد الحزب في بنت جبيل، لكنه في الوقت نفسه عمّق شرخًا داخليًا سيحتاج وقتًا طويلًا لترميمه.
في هذا السياق، فإن خوض المفاوضات وفق الشروط الأميركية- الإسرائيلية يضع البلاد في مهبّ الشرذمة والصدامات، وهو مسار تدرك القوى الإقليمية الأساسية -باستثناء إسرائيل- كلفته وتسعى إلى تفاديه.
التوازن الجوهري المطلوب هنا دقيق: احتساب سلوك إسرائيل القائم على تعظيم الضغط وخلخلة الاستقرار، ليس في لبنان فحسب، بل في الإقليم ككل.
مرحلة بلا حسم
هذا ليس "نهاية الحرب".هذا هو اليوم الأول لمرحلة أطول، تُدار فيها الفوضى بدل أن تُحسم، وتُوزَّع فيها القوة بدل أن تُنظَّم، ويُعاد فيها إنتاج الصراع بدل أن يُحل.
في الشرق الأوسط، لا تنتهي الحروب حين تتوقف النار، بل حين يولد نظامٌ قادر على ضبطها. وهذا لم يحدث.
فالمنطقة لا تعاني من نقص في القوة، بل من فائض غير مُدار منها.
في هذا الفراغ، لا أحد ينتصر بما يكفي ليحكم، ولا أحد يُهزم بما يكفي ليقبل.
وقف النار ليس نهاية هذه الحرب، بل اختبار لقدرة الإقليم على العيش داخلها من دون أن ينفجر مرة اخرى، ولقدرة لبنان، إن أراد، على ألا يبقى مجرد ساحة لها.




