مأزق التفاوض: لبنان يحدِّد شكل الوفد.. وإسرائيل تفرض إيقاعها

بتول يزبكالاثنين 2026/04/20
Image-1776698151
تبدو أولوية لبنان الفعلية اليوم هي تمديد الهدنة. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

يحاول لبنان الرسميّ اليوم السير على حبلٍ مشدودٍ بدقّةٍ بالغة: من جهةٍ، يريد استثمار التطمينات الأميركيّة لتمديد زمن التهدئة ومنع الانفجار الكبير، ومن جهةٍ ثانيةٍ، يسعى إلى ترميم التوافق الداخليّ حول شكل التفاوض وحدوده وأهدافه. لكنّ المشكلة أنّ الوقت ليس عنصرًا محايدًا في هذه المرحلة. فكلّ يومٍ إضافيٍّ من "الهدنة الهشّة" يمنح إسرائيل فرصةً أوسع لتثبيت وقائعها الميدانيّة بالنّار والجرافات، ويُضيّق في المقابل هامش المناورة أمام الدولة اللّبنانيّة، الّتي تجد نفسها في سباقٍ مفتوحٍ بين الدبلوماسيّة والزحف الإسرائيليّ على الأرض.

لهذا، تبدو أولويّة لبنان الفعليّة اليوم هي تمديد الهدنة، لا لأنّها تعني سلامًا مكتملًا، بل لأنّها تؤجّل السقوط الفوريّ في الأسوأ. غير أنّ التمديد، بحدّ ذاته، لا يكفي. المطلوب هو تحويل هذا الوقت المستعار إلى مسارٍ سياسيٍّ واضح، يوقف التدهور ويمنع تحويل الجنوب إلى منطقةٍ معلّقةٍ بين احتلالٍ مقنّعٍ وتهدئةٍ معلّبة، تُدار أزماتها بالاتّصالات وتُترك وقائعها لإسرائيل كي ترسمها وحدها.

في هذا السياق، يكتسب الاجتماع الثاني المرتقب بين لبنان وإسرائيل أهمّيّةً خاصّة، لأنّه ينسحب من كونه مجرّد لقاءٍ تقنيٍّ أو بروتوكوليٍّ، إلى كونه المُحدّد الفعليّ لاتّجاه المرحلة المقبلة: فهل نحن أمام بداية مسارٍ تفاوضيٍّ يهدف إلى تثبيت وقف الأعمال العدائيّة، أم أمام جولةٍ جديدةٍ من شراء الوقت لإسرائيل، ريثما تُكمل إعادة تشكيل الشريط الحدوديّ وفق مصالحها الأمنيّة والعسكريّة؟

 

واشنطن على خطّ بعبدا وعين التينة

وضمن هذه المشهديّة، برزت الحركة الدبلوماسيّة الّتي قادها السفير الأميركيّ في لبنان ميشال عيسى بين بعبدا وعين التينة، في ما يشبه إدارةً أميركيّةً مباشرةً للحظة التهدئة. فقد استقبل رئيس الجمهوريّة جوزاف عون السفير الأميركيّ، وعرض معه الأوضاع العامّة في ضوء التطوّرات الأخيرة، والاتّصالات التي جرت بينه وبين الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ووزير خارجيّته ماركو روبيو. كذلك، استقبل رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي السفير الأميركيّ في عين التينة، حيث جرى البحث في تطوّرات الوضع في لبنان والمنطقة.

هذه الحركة لا تعكس فقط اهتمامًا أميركيًّا بملفّ التهدئة، بل تؤكّد أيضًا أنّ واشنطن تمسك بالخيط الأثقل في إدارة هذه المرحلة، وتحاول منع التباين الداخليّ اللبنانيّ من التحوّل إلى عامل تعطيلٍ للمسار كلّه. بالنسبة إلى بعبدا والسراي، تبدو المظلّة الأميركيّة ضروريّةً لتمديد الهدنة، واحتواء اندفاعة بنيامين نتنياهو، وفتح نافذة مناورةٍ سياسيّةٍ تسمح للبنان بتحصيل مكاسب ميدانيّةٍ ودبلوماسيّةٍ في آنٍ معًا. أمّا بالنسبة إلى عين التينة، فالأولويّة تبقى في منع انزلاق التفاوض إلى ما يتجاوز ملفّ الجنوب نحو مسائل أكثر حساسيّةً وتعقيدًا في ميزان الداخل والإقليم.

وبحسب معلومات "المدن" من مصادر مطّلعةٍ في بعبدا وعين التينة، ركّز السفير الأميركيّ، في لقاءاته على مستوى الرؤساء، على نقطتين أساسيتين. الأولى تتعلّق بشكل الوفد اللبنانيّ المفاوض، ولا سيّما احتمال توسيعه وطبيعة التمثيل الشيعيّ فيه، إضافةً إلى موقف "الثنائيّ الشيعيّ" من هذا التشكيل. أمّا الثانية، فتتّصل بمسار الاجتماعات المرتقبة، إذ يجري البحث في أن يكون الاجتماع الأوّل على مستوى السفيرين، على أن يترأّس الوفد اللبنانيّ، مبدئيًّا، السفير سيمون كرم.

 

وفدٌ قيد النقاش ومفاوضاتٌ بلا حسم

وتضيف معلومات "المدن" أنّ نقاشًا يدور حول إمكانيّة توسيع الوفد، وقد طُرحت أسماءٌ عدّة، لكن من دون أيّ حسمٍ نهائيٍّ بعد. كما تشير المعطيات إلى احتمال ألّا يضمّ الوفد ممثّلين عن الجيش، أي أن يقتصر على شخصيّاتٍ مدنيّةٍ، في ظلّ ما يُطلب من لبنان لجهة رفع مستوى التمثيل في المفاوضات. ومع ذلك، لا يزال القرار اللبنانيّ النهائيّ غير محسوم، وما زال الأمر موضع بحثٍ من دون تفاهمٍ كامل.

ووفق ما تسرّب إلى "المدن" من بعبدا، لم يُبلَّغ الجانب اللبنانيّ بعد بموعدٍ نهائيٍّ للاجتماع، رغم أنّ الإعلام الإسرائيليّ تحدّث عن يوم الخميس 23 نيسان موعدًا مرجّحًا. وعلى هذا الأساس، يُتوقّع أن يكون الاجتماع الأوّل على مستوى السفيرين جلسةً تحضيريّةً لبحث جدول أعمال الاجتماع الموسَّع المرتقب، إلى جانب مسألة تمديد مهلة وقف إطلاق النار.

وتفيد معلومات "المدن" أيضًا بأنّ البحث سيتناول الشروط اللبنانيّة التي كان رئيس الجمهوريّة قد تحدّث عنها، وهي: تحرير الأراضي، وإطلاق الأسرى، ووقف العدوان، وإنجاز الترسيم. وهذه النقاط ليست تفصيليّةً بالنسبة إلى لبنان، بل تشكّل الحدّ الأدنى الذي يسمح له بتبرير الذهاب إلى التفاوض أمام جمهوره الداخليّ، وأمام القوى السياسيّة التي لا تنظر بعينٍ واحدةٍ إلى هذا الخيار.

 

عون: "أنا اخترتُ التفاوض"

في هذا المناخ، جاء موقف رئيس الجمهوريّة جوزاف عون ليضع المسألة في إطارها السياسيّ المباشر. فقد أكّد أنّ "المفاوضات الثنائيّة سيتولّاها لبنان من خلال وفدٍ يترأّسه السفير سيمون كرم، ولن يشارك أحدٌ لبنان في هذه المهمّة أو يحلّ مكانه". كما شدّد على أنّ خيار التفاوض هدفه وقف الأعمال العدائيّة، وإنهاء الاحتلال الإسرائيليّ لمناطق جنوبيّة، ونشر الجيش حتّى الحدود الجنوبيّة المعترف بها دوليًّا.

لكنّ العبارة الأشدّ وضوحًا كانت قوله: "أنا اخترتُ التفاوض". هذه ليست جملةً عابرةً، بل إعلان خيارٍ سياسيٍّ كامل. فلبنان، وفق هذا المنطق، يقف أمام احتمالَيْن: إمّا استمرار الحرب بما تحمله من تداعياتٍ إنسانيّةٍ واجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ وسياديّة، وإمّا التفاوض لوضع حدٍّ للحرب وفتح الباب أمام استقرارٍ مستدام. وهذا يعني أنّ التفاوض هنا ليس ترفًا، بل خيار ضرورة.

غير أنّ المشكلة تكمن في أنّ إسرائيل لا تتعامل مع وقف إطلاق النار بوصفه مدخلًا إلى تسويةٍ ملزمة، بل باعتباره هدنةً وظيفيّةً تسمح لها بإعادة تشكيل الواقع الحدوديّ. فهي تواصل خرق وقف إطلاق النار يوميًّا عبر القصف الجوّيّ والمدفعيّ، والاستهدافات، ونسف المنازل، بعدما أبقت قوّاتها في المناطق التي توغّلت إليها، وباتت تسيطر على بلداتٍ ضمن ما يُسمّى "الخطّ الأصفر"، وتعمل على تدميرها ومنع عودة السكّان إليها.

هنا تحديدًا، تظهر خطورة ما تفكّر فيه تل أبيب في هذه المرحلة. فالمسألة لم تعد تقتصر على الضغط العسكريّ أو التفاوض من موقع القوّة، بل تتّصل بمحاولة إنتاج نموذجٍ جديدٍ في الجنوب اللبنانيّ، بعد اقتناع إسرائيل بأنّ تجاربها السابقة لم تنجح، لا الاحتلال المباشر بين العامين 1978 و2000، ولا تجربة الشريط الحدوديّ والفصيل اللبنانيّ الحليف لها. لذلك، تبدو اليوم في طور البحث عن صيغةٍ مختلفةٍ، أقرب إلى نماذج السيطرة التي اعتمدتها في مناطق أخرى، تقوم على الإمساك بالأرض، ومنع العودة، ثمّ فرض نقاشٍ لاحقٍ حول كيفيّة إدارتها. (راجع "المدن")

 

من يقرّر المصير؟

في هذا الإطار، تتكاثر الطروحات حول مصير هذه المناطق: قوّةٌ متعدّدة الجنسيّات، إشرافٌ أميركيّ، منطقةٌ اقتصاديّة، أو حتّى إدارةٌ مشتركةٌ بصيغةٍ مدنيّةٍ وعسكريّةٍ وأمنيّة. وبحسب ما يتداوله دبلوماسيّون، فإنّ إسرائيل ستبقى، في المدى المنظور، متمسّكةً بسيطرتها على قرى "الخطّ الأصفر"، وستواصل الضغط على الدولة اللبنانيّة تحت عنوان سحب سلاح "حزب الله" وتفكيك بنيته العسكريّة والأمنيّة، قبل الانتقال إلى البحث في النقاط الأخرى، ولا سيّما كيفيّة إدارة القرى الجنوبيّة.

وتتزايد، في المقابل، المخاوف من ألّا تكتفي إسرائيل بفرض وقائعٍ أمنيّةٍ وميدانيّة، بل أن تسعى أيضًا إلى دورٍ مباشرٍ في التأثير في الوقائع السياسيّة اللبنانيّة. فهي ترفض وجود "اليونيفيل" بصيغتها الحاليّة، ورفضت مشاركة فرنسا في أيّ مفاوضاتٍ لبنانيّةٍ إسرائيليّة، وحصرتها بالأميركيّين، بما يوحي بأنّها تريد احتكار التأثير في الملفّ اللبنانيّ، لا أمنيًّا فقط، بل سياسيًّا أيضًا.

في الخلاصة، لا يملك لبنان ترف رفض التفاوض، لكنّه لا يملك أيضًا القدرة على الذهاب إليه من دون بوصلةٍ واضحة. فالمعركة اليوم ليست فقط على موعد الاجتماع المقبل، ولا على شكل الوفد وحجم التمثيل فيه، بل على معنى التفاوض نفسه: هل سيكون مدخلًا إلى تثبيت السيادة اللبنانيّة واستعادة الأرض، أم مجرّد إطارٍ لإدارة خسارةٍ تُفرض بالنّار ويُطلب من لبنان أن يوقّع عليها لاحقًا؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث