لملمة لبنان… الحياد منقذًا

زياد الصائغالاثنين 2026/04/20
Image-1776623642
اتفاقِ الطائفِ مَدخل إلزامي لِأي نَهوضٍ سِياديٍ(Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في اليَومِ التّالي لِحَربٍ استباحَتْ فيها إيرانُ السِّيادَةَ الدَّولتيّةَ، واقتطعَتْ فيها إسرائيلُ أجزاءً مِنَ الجُغرافيا اللُّبنانيّةِ، لا يَعودُ السُّؤالُ عَن حجمِ الخَسائِرِ فحسبُ، بل عَن كيفيّةِ إعادةِ تركيبِ الدَّولَةِ مِن رُكامِ الانتهاكاتِ المُتعدِّدَةِ. إنّها لَحظةٌ تأسيسيّةٌ بامتيازٍ، تُحتِّمُ الانتقالَ مِن مُقارباتِ التَّبريرِ إلى سِياساتِ الاستردادِ، ومِن إدارةِ الضُّعفِ إلى صِياغةِ القُدرةِ. فالسِّيادَةُ الّتي تَعرَّضَتْ للاختراقِ المزدوجِ، لا تُستعادُ بخِطابٍ إنشائيٍّ، بل بِمَسارٍ مُتكامِلٍ يُعيدُ الاعتبارَ لِمَرجعيّةِ الدُّستورِوقرارات الشّرعيّتين العربيّة والدّوليّة، ويُرسِّخُ احتكارَ الدَّولَةِ لِقَرارِ الحَربِ والسِّلمِ.

 

لقد كشَفَتِ الحَربُ الأخيرةُ عُمقَ الخَللِ البنيويِّ في مَفهومِ السِّيادَةِ في لُبنانَ، حيثُ تَداخَلَتِ الأدوارُ بينَ فاعلينَ محلّيّينَ وخارجيّينَ، وتَحوَّلَتِ الأرضُ اللُّبنانيّةُ إلى ساحةِ تَقاطُعٍ لِصِراعاتٍ لا يَملِكُ اللُّبنانيّونَ/ات قرارَها. إنّ هذا الواقعَ لا يُمكنُ مُعالجتُهُ إلّا عبرَ إعادةِ تعريفِ الأمنِ القوميِّ اللُّبنانيِّ على قاعدةِ المصلحةِ الوطنيّةِ العُليا، لا على أساسِ الارتباطاتِ العَابرةِ للحدودِ أو الاصطفافاتِ الأيديولوجيّةِ. فالأمنُ القوميُّ، في مَفهومِهِ الحديثِ، يَقومُ على حِمايةِ الإقليمِ، وصَونِ المؤسّساتِ، وضَمانِ الأمانِ الإنسانيِّ للمُواطنينَ/ات، لا على استدراجِ الحُروبِ أو تَحمُّلِ كُلفِها بالإنابةِ.

في هذا السِّياقِ، يَكتسبُ إطلاقُ المباحثاتِ اللُّبنانيّةِ–الإسرائيليّةِ التّمهيديَّة برعايةٍ أميركيّةٍ بُعدًا تقنيًّا لا يُمكنُ تَجاهُلُهُ. فالتَّفاوضُ، في ذاتهِ، ليسَ خِيارًا مرتجلًا، بل هو أداةٌ من أدواتِ إدارةِ النِّزاعاتِ وضَبطِها. غيرَ أنّ قيمتَهُ الحقيقيّةَ تَكمُنُ في الشُّروطِ الّتي يُدارُ في إطارِها. ومن هنا، فإنّ أيَّ مَسارٍ تفاوضيٍّ جِدّيٍّ يَفترضُ أن يَتوازى مع وَقفِ إطلاقِ نارٍ مُستدامٍ، يُنهي دَوّامةَ التَّصعيدِ، ويُوفِّرُ بيئةً آمِنةً لِبِناءِ الثِّقةِ المتبادلة تدريجيًّا.

 

ليسَ خافيًا أنّ العودةَ إلى اتّفاقيّةِ الهُدنةِ لعامِ 1949 تُشكِّلُ ركيزةً أساسيّةً في هذا الإطارِ. فهذهِ الاتّفاقيّةُ، الّتي أُبرِمَتْ في جوٍّ عربيّ ودوليٍّ مُختلفٍ، تَبقى الإطارَ القانونيَّ النّاظمَ لِحالةِ اللّاحربِ بينَ لُبنانَ وإسرائيلَ. إنّ تَفعيلَها لا يَعني القَبولَ بالأمرِ الواقعِ، بل يَعني إعادةَ إدراجِ الخِلاف ضمنَ قواعدِ القانونِ الدُّوليِّ، والانتقالَ مِن منطقِ الفَوضى إلى مَنطِقِ الضَّبطِ المؤسّساتيِّ. هكذا، تُصبحُ الهُدنةُ أداةً لِحمايةِ ما تَبقّى مِن السِّيادَةِ، تمهيدًا لاستكمالِ استعادَتِها، وافتِتاح مسارِ سلامٍ متكامِل.

غيرَ أنّ الهُدنةَ، على أهمّيّتِها، لا تَكفي لِوحدِها. إذ إنّها تُديرُ الحاضِرَ من دونِ أن تَضمنَ المُستقبَلَ. مِن هنا، يَبرُزُ خِيارُ الحِيادِ الإيجابيِّ كَمَسارٍ استراتيجيٍّ لا بُدَّ مِن مأسستِهِ دستوريًّا وسِياسيًّا. والحِيادُ الإيجابيُّ لا يَعني الانكفاءَ أو الانعزالَ، بل يَعني تَحريرَ القرارِ الوطنيِّ مِن إملاءاتِ المحاورِ، وتَكريسَ لُبنانَ مَساحةً لِلحِوارِ والتَّلاقي لا ساحةً لِتَصفيةِ الحِساباتِ. إنّ مأسسةَ هذا الخِيارِ تَتطلّبُ تَعديلاتٍ قانونيّةً، ومقاربةً وطنيَّة، وضَماناتٍ دوليّةً تُثبِّتُهُ وتَحميهُ.

 

إنّ التَّلازمَ بينَ مَسارِ التَّفاوضِ، ووَقفِ إطلاقِ النّارِ، وتَفعيلِ الهُدنةِ، ومأسسةِ الحِيادِ، يُشكِّلُ مِظلّةً مُتكامِلَةً لِمُقارَبةِ التَّحدّياتِ السِّياديّةِ الّتي يَواجِهُها لُبنانَ. غيرَ أنّ نجاحَ هذهِ المِظلّةِ يَبقى مَرهونًا بِقُدرةِ الدَّولَةِ على إعادةِ بناءِ مؤسّساتِها، وتَوحيدِ مَرجعيّاتِها، واستعادةِ ثِقةِ مُواطنيها، وبسط سيادتها على كامِل أراضيها بقِواها الذَّاتيَّة حصرًا. فالدَّولَةُ الّتي تَفتَقِدُ إلى التَّماسكِ الدّاخليِّ لا يُمكنُها أن تُديرَ مَسارًا تفاوضيًّا مُعقَّدًا، ولا أن تَفرِضَ خِياراتِها السِّياديّةَ.

من هُنا، يَغدو تَطبيقُ مُندرَجاتِ اتّفاقِ الطّائفِ مَدخلًا إلزاميًّا لِأيِّ نَهوضٍ سِياديٍّ. فالاتّفاقُ، بِما يَحمِلُهُ مِن مَبادئَ إصلاحيّةٍ، يُشكِّلُ الإطارَ الدُّستوريَّ القادِرَ على إعادةِ تَوازُنِ السُّلُطاتِ، وتَفعيلِ المؤسّساتِ، وإنهاءِ الازدواجيّاتِ الّتي أضعَفَتِ الدَّولَةَ. إنّ استكمالَ تَطبيقِ اتفاق الطّائفِ لا يَعني العودةَ إلى الماضي، بل تَفعيلَ مَشروعٍ لم يُستكمَلْ، وبِناءَ دَولَةٍ تَستندُ إلى المَواطَنةِ والقانونِ لا إلى المُحاصَصاتِ والولاءاتِ الضَّيِّقة، مع تِلك الهويَّات العابِرة للحُدود.

 

بالإضافة لما سَبَق، تَتجلّى أهمّيّةُ إعدادِ مِلفٍّ تفاوضيٍّ لُبنانيٍّ مُتكامِلٍ، يَجمعُ بينَ الأبعادِ الأمنيّةِ والجغرافيَّة والقانونيّةِ والدِّبلوماسيّةِ والاقتصاديّةِ. إنّ هذا المِلفَّ لا يَجبُ أن يكونَ مُجرّدَ رَدِّ فِعلٍ على ضُغوطٍ خارجيّةٍ، بل تَعبيرًا عن رؤيةٍ وطنيّةٍ شاملةٍ تُحدِّدُ الأهدافَ وتَرسُمُ الخطوطَ الحَمراءَ. كما يَفترضُ إشراكَ الكفاءاتِ الوطنيّةِ في صِياغتِهِ، والاستفادةَ مِن الخِبراتِ المُتراكِمَةِ، بما يَضمنُ حُسنَ التَّمثيلِ وفاعليّتَهُ على طاوِلةِ التَّفاوضِ.

لا يَنفصلُ هذا المَسارُ عن بُعدٍ أوسعَ يَرتبِطُ بِدَورِ لُبنانَ الحَضاريِّ. فالدَّولَةُ الّتي تَستعيدُ سِيادَتَها وتُؤسِّسُ لِحِيادِها، قادِرَةٌ على أن تَعودَ فاعِلَ سلامٍ في مَحيطِها، لا مُجرّدَ مُتلقٍّ لِتَداعياتِ صِراعاتِ الآخرينَ. إنّ هذا الدَّورَ لا يُبنى بالشِّعاراتِ، بل بِسياساتٍ عامّةٍ مُتماسِكَةٍ تُعزِّزُ الثِّقةَ العربيَّة والدُّوليّةَ، وتُعيدُ إدماجَ لُبنانَ في شَبَكاتِ التَّعاونِ الإقليميِّ والدُّوليِّ.

 

لَملَمَةَ لُبنانَ بَعدَ الحَربِ ليست مُهمّةً تَقنيّةً، بل خِيارٌ وُجوديٌّ يَتطلّبُ شَجاعةً سِياسيّةً وإرادةً وطنيّةً صُلبةً. إنّ الحِيادَ، إذا ما أُحسِنَ تَأطيرُهُ ومَأسستُهُ، يَتحوَّلُ إلى أداةِ إنقاذٍ حقيقيّةٍ تُخرِجُ لُبنانَ مِن دَوّاماتِ الصِّراعِ. أمّا التَّردُّدُ أو التَّسويفُ، فَلن يُفضِيا إلّا إلى تَكريسِ الهَشاشَةِ وتَضييعِ الفُرصِ. لبنانُ مرَّة أٌخرى أمامَ فُرصَةٍ استثنائيّةٍ لِإعادةِ بناءِ الدَّولَةِ على أُسُسٍ صَحيحةٍ، فإمّا أن يَلتقِطَها ويُحَوِّلَها إلى مَسارٍ سِياديٍّ مُستدامٍ، وإمّا أن يَبقى رهينةَ صِراعاتٍ لا يَملِكُ قَرارَها. وفي هذا الخِيارِ تَكمُنُ المَسؤوليّةُ التّاريخيّةُ. إمّا سِيادَةٌ ناجِزَةٌ تُعيدُ لِلبُنانِ حُضورَهُ الحَضاريَّ كَفاعِلِ سلامٍ، وإمّا انزِلاقٌ مُتواصِلٌ نحوَ تَفكُّكٍ لا يَرحمُ.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث