عاش لبنان ساعات صعبة بداية الأسبوع الماضي عند الإعلان عن توقع حصول اتصال هاتفي بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس جوزف عون. أعقبه تسريبات تتحدث عن إمكانية حصول اتصال بين رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتانياهو والرئيس اللبناني أو من خلال اتصال ثلاثي: ترامب. نتانياهو. عون. في ظل الجواب الرسمي، لا علم لنا بذلك. مما طرح علامات استفهام كثيرة. كان قلق وغضب في مكان وفرح في مكان آخر. هذه هي صورة مشهد الانقسام الكبير في لبنان. انخفض مستوى الصعوبة مع الإعلان عن اتصال جرى بين وزير الخارجية الأميركية مارك روبيو والرئيس جوزف عون. ثم عاد الجو يميل إلى شيئ من التوتر عندما أجري اتصال بين الرئيس ترامب والرئيس عون وإعلان الأول أنه سيدعو رئيس جمهوريتنا إلى لقاء في البيت الأبيض يحضره نتانياهو، بعد إشادته بقرار التفاوض مع اسرائيل، ثم إعلانه "الحرص على لبنان ومستقبله والاستعداد لتقديم الدعم لإعادة إعماره وازدهاره من خلال شركاء جيدين..".
حتى الآن ليس ثمة توافق وطني لبناني حول مبدأ التفاوض المباشر. فكيف سيكون حول فكرة لقاء الرئيس عون بنتانياهو في ظل الواقع القائم على الأرض والمجازر التي ارتكبتها اسرائيل مع التأكيد على أن نية رئيس الجمهورية هي السعي لإخراج لبنان من دائرة الخطر الكبير؟ لكن إدارة الأمر تتطلب دقة متناهية في ظل التوتر الكبير في البلاد والانقسام الخطير كما أشرنا وهذا ما يجب معالجته قبل الانطلاق بأي خطوة عملية، مع التأكيد على أن اللقاء على المستوى الأعلى يكون نتيجة للمفاوضات إذا حصل توافق كما جرت العادة في كل التجارب السابقة مع قادة اسرائيل!
ولنفترض أن هذا الأمر عولج، وكان توافق وقرار بالتفاوض مما يعطي لبنان قوة في خطوته الدقيقة والخطيرة فماذا عن المسار؟
إذا جاء التفاوض نتاج توافق رسمي وطني، فإن السؤال المركزي الأساسي الذي يطرح نفسه ماذا نريد من هذه الخطوة؟
هل سنذهب للتفاوض على تثبيت وقف إطلاق النار؟
وهل سيتبع ذلك اتفاق أمني يتعلق بترسيم الحدود البرية وتطوير اتفاقية الهدنة؟
لكل جواب على هذه الأسئلة خطة، وآليات، وخيارات تتعلق بالمفاوضين. التفاوض من أجل هذين البندين لا خلاف حولهما، ولو اعترض بعضهم، وبمعزل عن الآليات التي يمكن اعتمادها بعدما أسقطت اسرائيل وأميركا لجنة الميكانيزم وفرض الاحتلال واقعاً على الأرض تجاوز فيه كل الحدود. لكن في مثل هذه الحالة لا ضرورة لعقد " لقاء قمة "، وإذا كان الهدف " اتفاق سلام " فهذا أمر آخر. هل ثمة توجّه لتفاوض حول اتفاق سلام وتطبيع وفتح سفارات؟ هل يحصل هذا الأمر في لبنان رغم تمنيات البعض ومعارضة آخرين؟ وهل يمكن أن يكون توافق حول هذه الخطوة؟ المسألة في غاية الدقة والمسؤولية والأمانة. لا تحتمل خطأ بكلمة أو تعبير ونحن نقترب من العتبة. وكل احتمال من الاحتمالات المذكورة يستوجب: اختيار الشخصيات الأمنية والقانونية والسياسية القادرة على إدارة هذه العملية الحساسة الدقيقة. وأن تكون على دراية وإطلاع على كل التجارب السابقة، والمواقف والسياسات والممارسات والطموحات والأهداف الاسرائيلية الحالية التي لم يتردّد عدد كبير من المسؤولين الاسرائيليين في طرحها بما فيها تأكيد الأهداف التوسعية " والأحلام " " والمهام الإلهية " الملقاة على عاتق نتانياهو وفريقه لتحقيق حلم " اسرائيل الكبرى ". وفي السياق: من لا يعرف تاريخ نتانياهو وسجله وأسلوبه وشخصيته ومكره وخبثه ومعرفته العميقة بالتعامل مع العقل الأميركي، وعناده وتسلّطه وتكبّره وأحلامه الكبيرة تبدأ بأن يكون في أول مرحلة " بن غوريون الثاني " المكرّس لدولة اسرئيل بعد " بن غوريون الأول " المؤسس وصولاً إلى " الملك "، " ملك اسرائيل الكبرى ". من لا يعرف ذلك بدقة وعمق إضافة إلى أسلوب المسؤولين الاسرائيليين بالتشدّد والمزايدة بين بعضهم على من يقتل أكثر، ويحتل أكثر، ويؤذي أكثر، لا يستطيع أن يخوض غمار مثل هذه المغامرة والمخاطرة اليوم.
الحمل ثقيل والمسؤولية كبيرة والمفاوض يجب أن يدرك أيضاً فن التفاوض والمناورة وأن يتمتع بذاكرة ومعرفة وخبرة وصلابة وشجاعة وأن يحظى بالرعاية والحماية والاطلاع على ما يجري حول المفاوضات من نقاشات في بازارات السياسة الدولية والإقليمية والداخلية، وهناك "المغاور" "والكمائن" و"المكائد" والرغبة بالانتقام أيضاً من لبنان. إضافة إلى ضرورة معرفة كيفية التفاوض السياسي والإعلامي والدبلوماسي والاستفادة من أصدقاء صادقين يريدون مواكبة حركة لبنان ومساعدته ولو كانوا قلة.
القرار صعب. استثنائي. والمسار خطير ودقيق. ولو كانت الإرادة إنقاذ البلاد وعلى هذا الأساس اتخذ القرار، فإن إدارة التفاوض مسؤولية كبرى في السعي لتثبيت الإرادة والنجاح. أقول هذا الكلام ونحن مختلفون على الصغيرة والكبيرة للأسف في الداخل اللبناني وكثيرون هم أسرى الصغائر والحسابات الضيقة. بعضهم كان يعتبر أن رئيس الجمهورية قد انتهى وقائد الجيش على طريق الإحالة، فجأة لمع الرئيس وارتفعت أسهمه وقائد الجيش يقوم بدور كبير. فكانت خيبة. بعض آخر ترك الرئيس يحمل المسؤولية "وليحرق أصابعه" وحده. عندما "لمعت" أصيبوا بخيبة أيضاً. فريق ثالث رافض المبدأ. فريق آخر مع المبدأ ولكنه يتوجّس الاندفاعات غير المحسوبة والتسرّع ويتحدث عن "هواة" "وولدنات" "وشياطين" هنا وهناك يدخلون بالتفاصيل، يبسّطون الأمور، يعتبرونها شبه منتهية وهذا يسيئ إلى الإدارة التي أشرت اليها ولا تحمي مسار التفاوض وجديته!
نتانياهو الذي غضب وفريقه الوزاري من قرار وقف إطلاق النار وطلب استفسارات زاد غضبه عندما أعلن الرئيس ترامب : "أن لبنان لن يتعرض للقصف مجدداً. لقد منعت اسرائيل من ذلك. لقد طفح الكيل". وجاء هذا الموقف بعد تلقيه رسالة من أحد الرؤساء الأوروبيين وملفاً متكاملاً مليئاً بالصور والمعلومات الموثقة عن المجازر التي ارتكبت في الأيام الأخيرة التي سبقت قرار وقف إطلاق النار، وقيل هنا ان ترامب اعترف أنه أعطى نتانياهو مهلة 72 ساعة لتحقيق أهداف معينة لكنه فوجئ بـ"هول" ما ارتكبه الجيش الاسرائيلي. في كل الحالات عاد ترامب للتغزّل باسرائيل وموقعها كحليف موثوق ودور قيادتها وقوة جيشها.
وأعلن نتانياهو: "لدينا مطلبان: تجريد حزب الله من السلاح. واتفاق سلام مع لبنان".
فيما يخص المطلب الأول: قرار الحكومة حصر السلاح بيد الدولة، ومسار لبناني. الثاني هو الأخطر. وهو السؤال الذي طرح هنا. ينبغي تحديد الموقف اللبناني بوضوح قبل الإقدام على أي خطوة. عندما تحدّد الهدف، تضع الضوابط، تختار المفاوض القادر الكفوء، تعرف إلى أين ستذهب. أي تسرّع أو تبسيط للأمور قد يصيب إرادة إنقاذ لبنان.




