سباق الهدنة: لبنان يستعجل "تسوية الضرورة" لمنع الأسوأ جنوباً

مانشيت - المدنالاثنين 2026/04/20
Image-1776696126
يحاول لبنان الرسمي اليوم السير على حبلٍ مشدود. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

يكاد لبنان يبلغ منتصف هدنة العشرة أيام التي تترنح على الأرض. والبارز اليوم هو الحركة الدبلوماسية المكثفة التي قادها السفير الأميركي ميشال عيسى بين قصر بعبدا وعين التينة. وفيما تبدو السلطة التنفيذية عازمة على التقاط اللحظة التاريخية عبر "انفتاح تفاوضي" مباشر يكسر العزلة، تصطدم هذه الرغبة بحائط التحفظات التي يرفعها الرئيس نبيه بري، وبـ "اليد على الزناد" وعمليات مسح القرى التي تمارسها إسرائيل ميدانيًا، وبـ"ربط النزاع" الذي تفرضه طهران بين جبهة الجنوب ومسار مواجهتها الكبرى مع واشنطن.

تتصرّف إسرائيل مع وقف إطلاق النار بوصفه هدنةً وظيفيّةً لا تسويةً ملزمةً، وتتعامل مع الأيّام العشرة باعتبارها نافذةً ميدانيّةً لإعادة تشكيل الشريط الحدوديّ بالنّار والجرافات. لذلك، لا تبدو الهدنة، في الحسابات العسكريّة، أكثر من "استراحةٍ تقنيّة" تتيح لتل أبيب تثبيت وقائع جديدة على الأرض، فيما يبقى لبنان الرسميّ أسير سباقٍ بين الدبلوماسيّة والزحف الميدانيّ.

وفي هذا السِّياق، تواصلت الخروقات الإسرائيليّة لاتّفاق وقف إطلاق النار، في تطوّرٍ يُنذِر بهشاشة الهدنة ويعزّز المخاوف من اتّجاه إسرائيل إلى تجديد عدوانها في أيّ لحظة. وقد حلّقت مسيّرةٌ إسرائيليّةٌ على علوٍّ منخفض فوق بيروت، في رسالةٍ أمنيّةٍ مباشرةٍ تقول إنّ الضغط لم يعد محصورًا بجبهة الجنوب، بل بات يطال المجال الوطنيّ كلّه.

ونقلت القناة 12 الإسرائيليّة عن مصدرٍ أنّ الجيش الإسرائيليّ يعتزم إقامة 20 موقعًا عسكريًّا في جنوب لبنان، مشيرًا إلى أنّ العمليّات متواصلة حتّى في ظلّ وقف إطلاق النار. وهذا المعطى، إن صحّ، يكشف بوضوح أنّ إسرائيل لا تتعامل مع المرحلة بوصفها زمن تهدئة، بل بوصفها فرصةً لإقامة بنية احتلالٍ ميدانيٍّ جديد، ولو تحت عناوين أمنيّةٍ مؤقّتة.

في ترجمةٍ سياسيّةٍ وميدانيّةٍ لهذا التوجّه، وجّهت إسرائيل رسالةً عاجلةً إلى سكّان جنوب لبنان، وحدّدت، عبر المتحدّث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي، لائحةً طويلةً من القرى والمناطق التي يُمنَع التّحرّك جنوبها أو العودة إليها. هذه ليست مجرّد تحذيراتٍ أمنيّة، بل محاولةٌ صريحةٌ لرسم خرائط نفوذٍ جديدة بالقوّة، وفرض "حدودٍ عملياتيّة" تتجاوز ما هو معترفٌ به دوليًّا.

الأخطر أنّ هذا السلوك يكشف مسعىً إسرائيليًّا لفرض "الخطّ الأصفر" كأمرٍ واقع، وجعله مرجعيّةً ميدانيّةً بديلةً من أيّ تفاهماتٍ سابقة. وعليه، يصبح هدف إسرائيل الفعليّ ليس فقط منع عودة الأهالي، بل خلق فراغٍ بشريٍّ واسعٍ يسمح لها باستكمال هندسة الجغرافيا الأمنيّة للجنوب بما يتناسب مع تصوّرها لمرحلة ما بعد الحرب.

 

بنت جبيل والخيام... التّدمير بوصفه سياسة

على الأرض، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيليّ أنّ قوّاته تواصل عمليّاتها في جنوب لبنان، جنوب "خطّ الدّفاع الأماميّ"، بذريعة إزالة التّهديد عن بلدات الشمال. لكنّ الوقائع الميدانيّة تُظهر أنّ ما يجري يتجاوز "إزالة تهديدات" إلى عمليّات تدميرٍ منهجيٍّ لما تبقّى من البنية العمرانيّة في القرى والبلدات الحدوديّة، ولا سيّما في بنت جبيل والخيام.

وقد أفادت المعطيات بأنّ الجيش الإسرائيليّ يواصل تدمير ما تبقّى من منازل في بنت جبيل، فيما تتجوّل دباباته في مدينةٍ تحوّلت إلى مشهد خرابٍ مفتوح. وتكشف صور الأقمار الصناعيّة الحديثة عن تحوّلاتٍ جذريّةٍ في بنت جبيل والخيام، إذ تُظهر المقارنات الزمنيّة أنّ أحياءً كاملةً مُسحت من المشهد العمرانيّ خلال أسابيع قليلة. هنا، لا يعود التّدمير مجرّد نتيجةٍ للحرب، بل يصبح جزءًا من استراتيجيّةٍ مقصودةٍ لإنتاج واقعٍ جديدٍ يصعب التراجع عنه في أيّ مفاوضاتٍ لاحقة.

 

غاراتٌ تحت سقف الهدنة

ميدانيًّا أيضًا، يواصل الجيش الإسرائيليّ خروقاته لوقف إطلاق النار عبر القصف المدفعيّ والجويّ، والاستهدافات، ونسف المنازل، بعدما أبقى قوّاته في المناطق التي توغّل إليها. وهو بات يسيطر على بلداتٍ تقع ضمن ما يُسمّى "الخطّ الأصفر"، ويعمل على تدميرها بصورةٍ ممنهجة.

في المقابل، أعلن حزب الله تدمير أربع دبابات "ميركافا" على دفعتين مساء الأحد، وقال إنّه شوهدت النيران تندلع فيها قبل أن يسحبها الاحتلال من مكان الحدث، وذلك أثناء ما وصفه الحزب بخرقٍ إسرائيليٍّ جديدٍ ومتكرّرٍ لوقف إطلاق النار. كما أفادت الوكالة الوطنيّة للإعلام بأنّ الطيران الحربيّ الإسرائيليّ أغار على بلدة الطيري في قضاء بنت جبيل، فيما شنّ الطيران المسيّر، فجرًا، غارةً على منزلٍ في بلدة برج قلاويه، مع رصد تحليقٍ منخفضٍ للمسيّرات فوق بعلبك وقرى المنطقة.

وفي قضاء صور، فجّر الجيش الإسرائيليّ عددًا من المباني السكنيّة في بلدات شمع، والناقورة، والبيّاضة، فيما استمرّ تحليق الطائرات الاستطلاعيّة والمسيّرة فوق صور وقراها. وبهذا المعنى، تبدو الهدنة قائمةً في البيانات، ساقطةً في الميدان.

 

بعبدا تختار التفاوض.. وبرّي يُمسك بفرامل المسار

سياسيًّا، يتبلور في بعبدا توجّهٌ واضحٌ نحو استثمار اللحظة الإقليميّة والدوليّة للدفع باتّجاه مسارٍ تفاوضيٍّ مباشرٍ يتولّاه لبنان بوفدٍ رسميٍّ يترأّسه السفير سيمون كرم. وقد أكّد رئيس الجمهوريّة جوزاف عون أنّ "المفاوضات الثنائيّة سيتولّاها لبنان من خلال وفدٍ يترأّسه السفير سيمون كرم، ولن يشارك أحدٌ لبنان في هذه المهمّة أو يحلّ مكانه".

هذا الموقف لا يحمل فقط بُعدًا تفاوضيًّا، بل يعكس خيارًا سياسيًّا أوسع: استعادة الدولة زمام المبادرة، ووضع الملفّ الجنوبيّ تحت سقف القرار الرسميّ المباشر. وقد أوضح عون أنّ هدف التفاوض هو وقف الأعمال العدائيّة، وإنهاء الاحتلال الإسرائيليّ لمناطق جنوبيّة، ونشر الجيش اللبنانيّ حتّى الحدود الجنوبيّة المعترف بها دوليًّا.

وفي موقفٍ بالغ الدلالة، قال رئيس الجمهوريّة: "أنا اخترتُ التفاوض". هذه العبارة تختصر انتقال الرئاسة الأولى من موقع إدارة الأزمة إلى موقع إنتاج الخيار. لكنّ هذا المسار لا يسير بلا اعتراضات، إذ يتمسّك الرئيس نبيه برّي بخيار التفاوض غير المباشر عبر القناة الأميركيّة، تجنّبًا، على ما يبدو، لأيّ أثمانٍ سياسيّةٍ كبرى، وحرصًا على إبقاء الخيط الواصل مع طهران من دون قطع.

هنا يتكشّف الانقسام الفعليّ داخل السلطة: بعبدا والسراي تميلان إلى "الواقعيّة التفاوضيّة"، فيما يفضّل برّي إدارة الملفّ بحذرٍ شديد، انطلاقًا من موازين القوى الإقليميّة، لا من إيقاع الاندفاعة الداخليّة وحدها.

 

أميركا تدير الخيط الواصل

في موازاة هذا التباين الداخليّ، نشط السفير الأميركيّ في لبنان ميشال عيسى على خطَّي بعبدا وعين التينة، في حركةٍ دبلوماسيّةٍ تعكس بوضوح أنّ واشنطن تمسك اليوم بالخيط الأثقل في إدارة لحظة التهدئة. فقد استقبل الرئيس عون السفير الأميركيّ، وعرض معه الأوضاع العامّة في ضوء التطوّرات الأخيرة، والاتّصالات بينه وبين الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ووزير خارجيّته ماركو روبيو.

كذلك، استقبل رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي السفير الأميركيّ في عين التينة، حيث جرى عرض تطوّرات الأوضاع في لبنان والمنطقة. ومن الواضح أنّ واشنطن تتحرّك على خطَّي الرئاسة الأولى والثانية في محاولةٍ لمنع التباين الداخليّ من التحوّل إلى تعطيلٍ للمسار كلّه.

بالنسبة إلى بعبدا والسراي، تبدو المظلّة الأميركيّة ضروريّةً لتمديد زمن التهدئة، وحماية لبنان من صدمة اندفاعة بنيامين نتنياهو، وفتح نافذة مناورةٍ سياسيّةٍ تتيح انتزاع مكاسب ميدانيّةٍ ودبلوماسيّةٍ في آنٍ واحد. أمّا بالنسبة إلى عين التينة، فالأولوية تبقى منع انزلاق التفاوض إلى تنازلاتٍ تتجاوز ملفّ الجنوب إلى مسائل أكثر حساسيّةً في ميزان الداخل والإقليم.

 

تدويل المظلّة لا تدويلُ القرار

على خطّ الرئاسة الثالثة، غادر رئيس الحكومة نوّاف سلام بيروت متوجّهًا إلى لوكسمبورغ للقاء وزراء خارجيّة الاتّحاد الأوروبيّ، بدعوةٍ من كايا كالاس، لوضعهم في صورة الوضع اللبنانيّ بعد هدنة الأيّام العشرة، وحاجات لبنان في مواجهة تداعيات الحرب وأزمة النّازحين.

ثمّ ينتقل سلام إلى باريس، حيث يستقبله الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه. وقد أكّد بيان الرئاسة الفرنسيّة أنّ الزيارة ستشكّل فرصةً لتجديد التزام فرنسا بالاحترام الكامل والشامل لوقف إطلاق النار في لبنان، ودعم وحدة أراضيه، ودعم إجراءات الدولة اللبنانيّة لضمان سيادتها الكاملة وحصريّة السلاح.

التحرّك الخارجيّ لسلام يكمّل، ولا يناقض، اندفاعة بعبدا. فالرجل يحاول توسيع المظلّة السياسيّة والدبلوماسيّة التي تحيط بلبنان، وتحصيل دعمٍ أوروبيٍّ وفرنسيٍّ للتهدئة، ولملفّ النّازحين، ولإعادة الإعمار، وللإصلاحات الاقتصاديّة والماليّة. غير أنّ هذا الحراك، على أهمّيّته، يبقى عاجزًا وحده عن تغيير المعادلة ما لم يقترن بقرارٍ أميركيٍّ ضاغطٍ على إسرائيل، وبفكّ الارتباط الإيرانيّ بين الجنوب اللبنانيّ ومسرح الاشتباك الأوسع مع واشنطن.

 

القرار ليس في بيروت

هذا هو جوهر المأزق اللبنانيّ: القرار الفعليّ بإسكات المدافع لا يُصنع في بيروت. فإيران، التي تراقب تصاعد الضغوط الأميركيّة عليها، تربط استقرار الجبهة اللبنانيّة بهدوء العاصفة على نظامها ونفوذها الإقليميّ. وإسرائيل، من جهتها، تتقدّم في الجنوب باعتبار أنّ الوقت المتاح الآن هو أفضل ما يمكن استثماره قبل تثبيت أيّ ترتيباتٍ سياسيّةٍ أو أمنيّةٍ جديدة.

وهكذا، يجد لبنان نفسه أمام تحدٍّ مزدوج: إقناع إسرائيل بالانسحاب من مناطق توغّلها ومن "خطّها الأصفر"، وإقناع إيران بأنّ الجنوب اللبنانيّ ليس ورقةً دائمةً على طاولة مفاوضاتها المفتوحة مع الولايات المتّحدة. وهذه مهمّةٌ شديدة التعقيد، لأنّها تتجاوز قدرة الدولة اللبنانيّة وحدها، وتحتاج إلى توازناتٍ دوليّةٍ وإقليميّةٍ لم تنضج بعد بصورةٍ كاملة.

 

قبل أن تُقفل نافذةُ الضرورة

يحاول لبنان الرسميّ اليوم السير على حبلٍ مشدود: من جهةٍ، يريد استثمار تطمينات ترامب لتمديد زمن التهدئة؛ ومن جهةٍ ثانيةٍ، يسعى إلى ترميم التوافق الداخليّ حول شكل التفاوض وحدوده وأهدافه. لكنّ الوقت ليس محايدًا. فكلّ يومٍ إضافيٍّ من هذه "الهدنة الهشّة" يمنح إسرائيل فرصةً أكبر لتثبيت وقائعها بالنّار، ويُضَيِّق في المقابل هامش المناورة أمام الدولة اللبنانيّة.

لهذا، تبدو أولويّة لبنان الفعليّة اليوم هي تمديد الهدنة، لا لأنّها سلامٌ مكتمل، بل لأنّها تؤجّل الانفجار الشامل وتمنع السقوط الفوريّ في الأسوأ. غير أنّ تمديد الهدنة، بحدّ ذاته، لا يكفي. المطلوب هو تحويل الوقت المستعار إلى مسارٍ سياسيٍّ واضح، يوقف التدهور ويمنع تحويل الجنوب إلى منطقةٍ معلّقةٍ بين احتلالٍ مقنّعٍ وتهدئةٍ معلّبة.

وفي هذا الإطار، يكتسب الاجتماع الثاني المرتقب في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، على مستوى السفيرين، أهمّيّةً خاصّة، لأنّه قد يشكّل اختبارًا فعليًّا لاتّجاه المسار: هل نحن أمام بداية "تسوية الضرورة"، أم أمام شراء وقتٍ جديدٍ لإسرائيل كي تُنهي رسم واقعها الجغرافيّ بالبارود والجرافات؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث