حزب الله في مواجهة قدر لبنان

مروان حربالاثنين 2026/04/20
Image-1776622939
لم يعد حزب الله قادرًا على إدارة الداخل بفائض القوة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يعد بالإمكان التخفيف من وطأة اللحظة أو تجميلها. ما يواجهه حزب الله اليوم ليس مجرد انتكاسة عسكرية، ولا مجرد تبدّل في المزاج الدولي والإقليميوالداخلي. إنه انهيار تدريجي للمعادلة التي سمحت له، طوال عقود، بأن يكون داخل لبنان ويتجاوزه في آن. كأن الحزب، للمرة الأولى، يُدفع إلى المكان الذي تجنّب الوقوف فيه دائمًا: مواجهة لبنان نفسه، لا استخدامه.

 

فالهزيمة العسكرية، بما هي تآكل في القدرة على الردع، لا تُقاس فقط بما خسرته الجبهة، بل بما تكشفه في الداخل. ومع تسارع مسارات دولية وإقليمية نحو إعادة ضبط الصراع مع إسرائيل، يجد حزب الله نفسه منزوعًا من وظيفته المزدوجة: لم يعد قادرًا على إدارة الداخل بفائض القوة، ولا على تعليق هذا الداخل على أفق صراع مفتوح يبرر هذا الفائض. 

لبنان، الذي تعامل معه الحزب طويلًا كساحة، يعود ليظهر بوصفه مشكلة. لأنه، ببساطة، لا يُحكم كما تُحكم الساحات. هذا بلد لا يُختصر، ولا يُخضع، ولا يُعاد تشكيله وفق إرادة واحدة. ليس لأن فيه توازنًا مستقرًا، بل لأن فيه اختلالًا دائمًا يمنع أي توازن من التحول إلى سيطرة. لبنان ليس دولة قوية، لكنه أيضًا ليس فراغًا قابلًا للملء. إنه شيء ثالث: كيان لا يعيش إلا بتوزيع عجزه.

 

هنا، أزمة حزب الله ليست أزمة سلاح فقط. السلاح كان دائمًا تعبيرًا عن مشكلة أعمق: فالحزب لم يكن يومًا مجرد طرف في تعددية، بل كان مشروع تفوق داخلها. لم يرفض الشراكة، لكنه لم يقبل حدودها. شارك في المؤسسات، لكنه احتفظ بحق غير معلن في تخطيها. عاش داخل الدولة، من دون أن يعترف بها كمرجعية نهائية.

هذه هي صيغة "الاستثناء" التي حكمت صعوده. لكنها، في الوقت نفسه، كانت قيدًا مؤجلًا. فالاستثناء، في نظام مثل لبنان، لا يمكن أن يتحول إلى قاعدة مستقرة. لأن هذا النظام لا يقوم على مراكمة القوة، بل على كبحها. لا يسمح بتحويل التفوق إلى سيادة، بل يحوّله إلى قلق لدى الآخرين. لهذا، لم تكن هيمنة حزب الله يومًا مكتملة. كانت دائمًا معلّقة، تحتاج إلى تجديد نفسها، إلى تذكير الآخرين بها، إلى إدارة دائمة للتوتر الذي تنتجه. سيطرة بلا إجماع، ونفوذ بلا قبول، ومعادلة لا تستقر إلا بقدر ما تُخيف. وهذا بالضبط ما يجعلها، في لحظة ضعف، أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

 

اليوم، مع تراجع القدرة على الفرض، ينكشف كل ما كان مؤجّلًا. لم يعد بالإمكان إدارة الداخل اللبناني بالمنطق نفسه. ولم يعد ممكنًا التوفيق بين موقعين متناقضين: أن تكون جزءًا من نظام تعددي، وأن تحتفظ، في الوقت نفسه، بحق الهيمنة عليه. يقف حزب الله أمام لحظته الأكثر قسوة: إما أن يصبح جزءًا من لبنان، أو أن يبقى خارج منطقه. أن يصبح جزءًا من لبنان يعني أن يتخلى عن فكرة التفوق الدائم. أن يقبل بأن قوته، مهما كانت، يجب أن تُحدّ لكي تصبح قابلة للعيش مع الآخرين. أن يتحول من مرجعية ضمنية إلى طرف صريح. أن يعترف، عمليًا، بأن لا أحد في هذا البلد يملك الحق في اختصاره.

هذا ليس تحولًا سياسيًا فقط. إنه تحوّل في معنى الذات. لأن الحزب لم يُبنَ على فكرة "الجزء"، بل على فكرة "الدور". لم يُصغ نفسه كفاعل محلي محدود، بل كامتداد لمعنى أكبر. ولذلك، فإن النزول إلى مستوى التعددية اللبنانية ليس تنازلًا تكتيكيًا، بل كسرًا لصورة كاملة عن النفس. أما الخيار الآخر، أي الاستمرار في منطق الهيمنة بعد تآكل شروطها، فلن يعني سوى تعميق القطيعة مع لبنان. لا مع خصومه فقط، بل مع الكيان نفسه. لأن الهيمنة، حين تفقد قدرتها على الحسم، تتحول إلى عبء. تصبح قوة بلا أفق، ونفوذًا بلا شرعية، وحضورًا يُثقل المكان بدل أن ينظمه.

 

والأخطر أن لبنان، في لحظته الراهنة، لم يعد يحتمل هذا النوع من الأعباء. مجتمع متعب، اقتصاد منهار، مؤسسات شبه غائبة. كل فائض صراع فيه يتحول مباشرة إلى تفكك. وكل اختلال إضافي يدفعه خطوة نحو الفراغ. في مثل هذا السياق، لا تعود المشكلة أن حزب الله قوي أكثر مما ينبغي، بل أنه قد يبقى قويًا في بلد لم يعد قادرًا على تحمّل هذه القوة.

هنا، تتضح المفارقة القاسية: أن الحزب الذي بنى قوته على تجاوز الدولة، يجد نفسه اليوم مهددًا بانهيار الإطار الذي سمح له أصلًا بالتمدد. وأنه، في اللحظة التي يفقد فيها القدرة على فرض معادلاته، يكتشف أن لا بديل عن القاعدة التي تهرّب منها طويلًا: أن الجماعة التي ترفض أن تكون جزءًا من التوازن، محكوم عليها بمأزق وجودي يرتدّ عليها.

 

في المحصلة، اليوم، لا يواجه حزب الله خصومه بقدر ما يواجه قدر لبنان نفسه. ولبنان، خلافًا لما يوحي به ضعفه الظاهر، ليس سهل الكسر. فهو لا ينكسر دفعة واحدة، بل يتآكل ببطء، مستنزفًا معه كل من يحاول إخضاع تعدديته بمنطق الغلبة. من هنا، لا يكمن السؤال الحقيقي في قدرة الحزب على حسم هذه المواجهة، بل في استعداده للاعتراف بطبيعتها: أي بأنها مواجهة لا يمكن كسبها أصلًا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث