الجيش جنوباً: مأزق الحفاظ على صورة الدولة في بقعة يعاد رسمها

عبد الله قمحالاثنين 2026/04/20
Image-1764579320
يدرك الجيش حدود دوره. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

ما أفرزته حرب الأيام الـ45 حتى الآن، يؤكد أنها بالنسبة إلى إسرائيل ليست سوى امتداد طبيعي لحرب الأيام الـ66، مع فارق أساسي، أن ما عجزت عن تثبيته آنذاك، تعمل على ترسيخه اليوم معتمدة على منطق القوة. أما لبنان، فخرج من الجولة الحالية بخسارة جغرافية أشد وطأة، في مشهد يكاد يكون نسخة مكررة عمّا سبق، لكن بنتائج أعمق.

 

وقف إطلاق النار دخل حيّز التنفيذ شكلياً منذ 5 أيام تقريباً، فيما الميدان يسير في اتجاه معاكس تماماً. القوات الإسرائيلية لا تزال داخل الأراضي اللبنانية، تنفّذ عمليات عسكرية وتقوم بمهام جرف للقرى وتفجيرات للأحياء السكنية والمنازل بطريقة ممنهجة، وتعيد رسم الجغرافيا بالنار. الجديد هذه المرة ليس في السلوك، بل في الحجم. فما لم تُدمّره إسرائيل في الجولة السابقة، تستكمله اليوم بلا عوائق تُذكر، وعلى مرأى الجميع.

المسؤولية هنا موزعة بوضوح. على الدولة اللبنانية، الولايات المتحدة، وعلى الوسطاء الدوليين، كلهم، وعلى حزب الله نفسه، الذي وافق على وقف إطلاق نار بلا ضمانات فعلية. لا نصّ واضح يفرض تجميداً حقيقياً للعمليات العدائية ولا للقوات المحتلة، ولا آلية تنفيذية ملزمة لانسحاب القوات الإسرائيلية ضمن جدول زمني محدد. عملياً، تُركت إسرائيل تتحرك داخل «هدنة» صُممت بطريقة تتيح لها مواصلة العمل العسكري تحت سقف سياسي ملتبس.

 

هذا الخلل البنيوي ليس تفصيلاً، بل هو جوهر المشكلة. مذكرة وقف إطلاق النار، التي صاغها البيت الأبيض وتبلغها لبنان الرسمي ووقع عليها، أتاحت لإسرائيل هامش حركة واسعاً من دون أن تُقيَّد فعلياً. هكذا، يتحول وجودها داخل الأراضي اللبنانية إلى حالة شبه مشرعنة نوعاً ما، مقبلة على أن تتوسع مع كل حديث عن تمديد محتمل للهدنة، ما يعني عملياً تمديداً لعمليات التدمير والنسف وإعادة تشكيل الأرض.

 

في هذا السياق، لا تتصرف إسرائيل كقوة تنفذ وقف إطلاق نار، بل كقوة تثبّت نتائج حرب. المنطقة التي تحتلها تُدار كأمر واقع مكتسب، بلغته عبر القتال وتسعى إلى قبض ثمنه. ومن هنا، جاء ما يمكن وصفه بـ«الخط الأصفر»، خط رسمته إسرائيل من جانب واحد، من دون إعلان رسمي أو تفاوض، انتقت من خلاله الجغرافيا التي تريدها، على نحو يُعيد إنتاج نموذج «الحزام الأمني» ما قبل عام 2000، لكن بصيغة معدّلة وأكثر اتساعاً.

 

التسمية لا تغيّر في الجوهر: منطقة أمنية، منطقة عازلة، دفاع متقدم… كلها تعابير لواقع واحد، لا يمت بصلة إلى القانون الدولي، ويضع لبنان أمام وقائع احتلال جديدة ونقاش جديد حول شرعية مقاومة الإحتلال. جغرافياً، الحديث يدور عن اقتطاع يتراوح بين 8 و10 في المئة من مساحة لبنان، يمتد من البياضة غرباً إلى السفح الغربي لجبل الشيخ شرقاً، بطول يقارب 140 كلم، وعمق يصل إلى نحو 9 كلم في بعض النقاط. ومع توسع النقاط العسكرية من سبع عام 2024 إلى أكثر من 18، يتكرّس واقع ميداني يصعب قلبه سريعاً.

 

في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية في موقع المتفرج. يقول مطلعون على موقفها أنها اعتراف رسمي بهذه بالمنطقة المقتطعة، لكن لا خطوات فعلية لمواجهتها. الرهان معقود على مسار دبلوماسي لم يتبلور بعد، مع حديث عن تحرك مرتقب، قد يشمل زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن قريباً وسط معلومات عن البدء بإعداد أعضاء الوفد المرافق، في محاولة لفتح باب تفاوض يؤدي إلى انسحاب إسرائيل. حتى ذلك الحين، تُترك الميدان لإسرائيل التي تعلم ماذا يريد لبنان بالطبق وتتصرف متقدمة خطوة إلى الأمام.

 

هنا تحديداً تتكشف المفارقة. فالجيش اللبناني المكلف تنفيذ قرارات حصر السلاح جنوب الليطاني، بات أمام عقدة وجود سلاح "غير شرعي" آخر، هو بمثابة إحتلال تنفذه دولة معادية وفقاً للقوانين اللبنانية، في وقت تُفرض عليه قيود سياسية تمنعه من الاحتكاك مع القوات الإسرائيلية. أي أنه مطالب بتطبيق السيادة من دون أدواتها، وبفرض واقع لا يملك قرار فرضه.

 

رغم ذلك، يتحرك الجيش. وعلمت "المدن" من مصادر أمنية أن قيادة الجيش أبلغت «اليونيفيل» و«الميكانيزم» رفضها القاطع لما يُسمى «الخط الأصفر»، وعدم الاعتراف بأي خطوط أحادية من هذا النوع، مؤكدة أنها ستتعامل ميدانياً على أساس عدم وجودها. هذا الموقف تُرجم جزئياً بانتشار وحدات عسكرية في محيط مدينة الخيام، وتولي أدوار عملاتية على الأرض، في خطوة تحمل دلالة أكثر منها تغييراً في موازين القوى.

 

يدرك الجيش حدود دوره، لكنه يتمسك بالحد الأدنى الممكن. تحت هذا العنوان يقوم بمهمة تثبيت حضور الدولة حيث أمكن، في حين تظهر الدولة كمتخلية عن مسؤولياتها. لذلك، يواكب عودة الأهالي، يفتح الطرق، يردم الجسور ويقوم بتحويلها إلى معابر ترابية تسمح للمواطنين بالعبور إلى قراهم، يساهم في إزالة الركام ويزيل اثار العدوان، بنيوياً وعسكرياً، ويؤمّن حماية المساعدات وتوفيرها، ويشارك في ترميم ما أمكن من البنى التحتية. هي معركة من نوع آخر، معركة الحفاظ على ما تبقى من صورة الدولة، في منطقة يُعاد رسمها بالاعتماد على منطق القوة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث