بموازاة التصعيد على جبهة إيران، خيّمت أجواء الحذر والخوف على لبنان في اليوم الثالث من اتّفاق وقف إطلاق النار، وسط تصاعد الخروق الإسرائيليّة واتّساع رقعة التهديدات الميدانيّة.
وفي استنساخٍ لنموذج "قضم الأراضي تحت ذرائع أمنيّة" الذي تطبّقه إسرائيل في قطاع غزّة، أعلن الاحتلال إقامة "خطٍّ أصفر" فاصلٍ في جنوب لبنان، ومنع عودة السكّان إلى 55 بلدةً جنوبيّة، مهدّدًا باستهداف من زعم أنّهم "إرهابيّون" بذريعة اقترابهم من شمال هذا الخطّ.
ولم يقتصر الخرق الإسرائيليّ على توسيع نطاق المناطق المحتلّة، بل نفّذت الطائرات الحربيّة الإسرائيليّة طلعاتٍ متتاليةً، وأغارت غاراتٍ وهميّةً في أجواء النبطيّة ومحيطها، فيما سُمعت أصوات القذائف المدفعيّة في القرى الجنوبيّة طوال الليل وحتى ساعات النهار.
هدمٌ منهجيّ وقصفٌ متواصل
وتتواصل الخروقات الإسرائيليّة في جنوب لبنان عبر تنفيذ عمليّات قصفٍ مدفعيّ، فيما يُصعّد الجيش الإسرائيليّ من عمليّات الهدم الممنهجة في القرى الحدوديّة. وأفادت "الوكالة الوطنيّة للإعلام" بأنّ القوّات الإسرائيليّة تواصل تفجير منازل في مدينة بنت جبيل، إلى جانب عمليّاتٍ مماثلةٍ في بلدات الخيام ومركبا والطيبة، بالتزامن مع تحليقٍ مكثّفٍ لطائراتٍ مسيّرة على علوٍّ منخفضٍ في مناطق واسعة من الجنوب، رغم سريان وقف إطلاق النار.
ويواصل الجيش الإسرائيليّ تنفيذ عمليّات هدمٍ واسعةٍ ومنهجيّةٍ لمبانٍ سكنيّةٍ ومنشآتٍ مدنيّة، بحسب ما أوردته صحيفة "هآرتس"، التي نقلت عن قادةٍ في الجيش قولهم إنّ "تدميرًا منهجيًّا" يُنفَّذ في القرى التي تنتشر فيها القوّات، عبر استخدام جرّافاتٍ وآليّاتٍ هندسيّةٍ يُشغّلها مقاولون مدنيّون، ضمن سياسةٍ تهدف إلى إنشاء مناطق خاليةٍ من المباني جنوب ما يُعرف بـ"الخطّ الأصفر"، ومنع عودة السكّان إلى قراهم.
وفي هذا السياق، أفادت "الوكالة الوطنيّة للإعلام" بأنّ الجيش الإسرائيليّ يواصل تدمير ما تبقّى من منازل في مدينة بنت جبيل، في إطار ما وصفه بخطّة "تطهير المنطقة الأمنيّة"، فيما تتجوّل دباباته في المدينة التي تعرّضت لدمارٍ واسع.
في موازاة ذلك، أسهمت الخروق الإسرائيليّة في عرقلة عودة النازحين إلى الجنوب والضاحية، في ظلّ استمرار الاعتداءات واتّساع دائرة الاستهداف، ما أبقى آلاف العائلات في حال ترقّبٍ وقلقٍ من انهيار الهدنة في أيّ لحظة.
انتشارٌ عسكريّ وادّعاءاتٌ إسرائيليّة
ونشر الجيش الإسرائيليّ خريطةً تُظهر نطاق انتشار قوّاته وخطّ الدفاع الأماميّ في جنوب لبنان، في إطار عمليّاته الهادفة إلى منع ما وصفه بـ"تهديدٍ مباشر" على بلدات الشمال.
وقال إنّ خمس فرقٍ عسكريّة تعمل حاليًّا بشكلٍ متزامن، إلى جانب قوّات سلاح البحريّة، جنوب خطّ الدفاع الأماميّ، لتنفيذ عمليّاتٍ تستهدف "تدمير بنى تحتيّة تابعة لحزب الله ومنع أيّ تهديدٍ محتمل" في المنطقة.
كما أعلن الجيش الإسرائيليّ أنّه صعّد هجماته بشكلٍ واسعٍ في الساعات التي سبقت دخول وقف إطلاق النار في لبنان حيّز التنفيذ، مشيرًا إلى تنفيذ ضرباتٍ مكثّفةٍ استهدفت ما وصفها بـ"بنى تحتيّة عسكريّة" وعناصر في "حزب الله" في مناطق متفرّقةٍ من جنوب لبنان.
وأضاف، في بيانٍ له، أنّ الغارات أسفرت، بحسب زعمه، عن مقتل أكثر من 150 عنصرًا خلال يومٍ واحد، إلى جانب استهداف نحو 300 موقعٍ قال إنّها شملت منصّات إطلاقٍ ومقرّاتٍ ومستودعات أسلحة، وذلك في إطار ما وصفه بمحاولة إحباط عمليّاتٍ ضدّ قوّاته.
وتابع أنّ من بين المستهدفين قائد منطقة بنت جبيل، علي رضا عبّاس، مدّعيًا أنّه تولّى قيادة واحدةٍ من أبرز جبهات المواجهة، وأنّه "الرابع" في هذا الموقع الذي يُعلَن اغتياله منذ بدء العمليّات، فيما ذكرت القناة 12 الإسرائيليّة، نقلًا عن مصدرٍ أمنيّ، أنّ الجيش اغتال مسؤول قطاع بنت جبيل في "حزب الله"، علي رضا عبّاس.
غاراتٌ وتفجيراتٌ وتطويقٌ للبلدات
ميدانيًّا، أقدمت قوّات الاحتلال على تفجيراتٍ كبيرةٍ للمنازل في بلدات بنت جبيل، ومركبا، والخيام، والطيبة، كما طوّقت بلدة الخيام بسواتر ترابيّة.
وشنّ الطيران الحربيّ الإسرائيليّ أيضًا غارةً بمسيّرة على بلدة كونين، ما أدّى إلى سقوط شهيد، فيما أطلق الجيش الإسرائيليّ رشقاتٍ ناريّةً على بلدة عيترون، بالتزامن مع تعرّض مدينة الخيام لقصفٍ مدفعيّ.
ويعكس هذا التصعيد تصوّرًا أمنيًّا إسرائيليًّا أوسع، يستند إلى تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، الذي هدّد بأنّ قوّاته ستواصل عمليّاتها في المنطقة الأمنيّة جنوب لبنان، بذريعة إحباط أيّ تهديدات، وذلك وفقًا لاتّفاق وقف إطلاق النار.
وأعلن الجيش الإسرائيليّ مقتل جنديَّين في جنوب لبنان خلال يومَي الجمعة والسبت، جرّاء انفجار عبواتٍ ناسفةٍ خلال نشاطاتٍ ميدانيّة، فيما أُصيب عددٌ من الجنود بجراحٍ متفاوتة. وقدّر الجيش أنّ هذه العبوات زُرعت قبل دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ.
وفي وقتٍ لاحق، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيليّ، اليوم الأحد، مقتل جنديٍّ آخر في المعارك بجنوب لبنان، ليكون ثاني جنديٍّ يُعلَن مقتله خلال أقلّ من 12 ساعة، ما يرفع العدد الإجماليّ للجنود الإسرائيليّين القتلى في لبنان إلى 15، بحسب الإحصاءات الرسميّة.
وقال الجيش الإسرائيليّ إنّ جنديًّا آخر أُصيب بجروحٍ خطيرةٍ في الحادث نفسه، إلى جانب أربعةٍ أُصيبوا بجروحٍ متوسّطة، وأربعةٍ آخرين بإصاباتٍ طفيفة.
استهدافُ "اليونيفيل" وتبادلُ الاتّهامات
وفي سياقٍ متّصل، قُتل جنديٌّ فرنسيٌّ وأُصيب ثلاثةٌ آخرون، السبت، في هجومٍ استهدف قوّةً تابعةً لقوّات الأمم المتّحدة المؤقّتة في لبنان "اليونيفيل" في الجنوب.
وحمّلت باريس المسؤوليّة لـ"حزب الله"، غير أنّ الحزب نفى، في بيانٍ، "علاقته بالحادث الذي حصل مع قوّات اليونيفيل"، داعيًا إلى "توخّي الحذر في إطلاق الأحكام والمسؤوليّات"، بانتظار نتائج التحقيق الذي يُجريه الجيش اللبنانيّ، في وقتٍ تتصاعد فيه التوتّرات الميدانيّة رغم استمرار الهدنة الهشّة في المنطقة.
وفي المقابل، زعم الجيش الإسرائيليّ، استنادًا إلى ما وصفه بـ"تحقيقٍ عمليّاتيٍّ واستخباراتيّ"، أنّ عناصر من "حزب الله" أطلقوا النار على قوّةٍ تابعةٍ لـ"اليونيفيل" أثناء تنفيذها مهمّةً لإزالة ذخائر غير منفجرة في جنوب لبنان خلال سريان وقف إطلاق النار. وبحسب هذه المزاعم، أسفر إطلاق النار عن مقتل أحد عناصر القوّة الدوليّة وإصابة ثلاثةٍ آخرين، اثنان منهم بجروحٍ خطيرة.
اعتراضاتٌ في الشمال الإسرائيليّ
وفي الداخل الإسرائيليّ، بدأ سكّان مدينة كريات شمونة، الواقعة على الحدود الشماليّة مع لبنان، اليوم الأحد، إضرابًا عامًّا احتجاجًا على وقف إطلاق النار، وسط تصاعد الانتقادات في المدينة التي تعرّضت لقصفٍ متكرّرٍ خلال الحرب الأخيرة.
وشمل الإضراب البلديّة والمؤسّسات التعليميّة، فيما نظّم أعضاء البلديّة احتجاجاتٍ أمام المكاتب الحكوميّة والسفارة الأميركيّة في القدس، مطالبين بنزع سلاح "حزب الله" وتعزيز الحماية، ولا سيّما للمدارس.
ونُقل عن رئيس البلديّة قوله إنّ وقف إطلاق النار "ليس نصرًا كاملًا، بل تخلٍّ عن سكّان الشمال"، واصفًا إيّاه بأنّه "اتّفاقٌ خطير" يمسّ أمنهم.
تطوّراتٌ إقليميّة على الخطّ السوريّ
وعلى صعيدٍ متّصل، قال مصدرٌ في وزارة الداخليّة السوريّة، عبر قناة "الإخباريّة" الرسميّة، إنّ قوى الأمن أحبطت "مخطّطًا تخريبيًّا تقف خلفه خليّةٌ مرتبطةٌ بحزب الله"، كانت تعتزم "إطلاق صواريخ خارج الحدود بهدف زعزعة الاستقرار"، وذلك في عمليّةٍ مشتركةٍ بين الأمن الداخليّ وجهاز الاستخبارات العامّة، من دون الكشف عن مزيدٍ من التفاصيل المتعلّقة بتوقيت التنفيذ أو موقعه.
نعيم قاسم: الميدانُ هو صاحبُ الكلمة الفصل
سياسيًّا، أكّد الأمين العامّ لـ"حزب الله" نعيم قاسم أنّ الميدان هو صاحب الكلمة الفصل، مشدّدًا على أنّ السياسة الناجحة هي التي تستفيد من نتائج الميدان لفرض توازنات قوّةٍ تُرغم إسرائيل على الإذعان.
وقال قاسم إنّ ذلك يضمن، بحسب تعبيره، حقوق لبنان وسيادته ضمن إطارٍ وطنيٍّ يحفظ الوحدة، ويمنع الفتنة والتدخّلات الخارجيّة.
وعرض قاسم خمس نقاطٍ قال إنّه يجب تنفيذها بعد وقف إطلاق النار، وهي: أوّلًا، وقفٌ دائمٌ للعدوان على كلّ لبنان جوًّا وبرًّا وبحرًا، ثانيًا، انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة حتى الحدود الدوليّة، ثالثًا، الإفراج عن الأسرى اللبنانيّين لدى إسرائيل، رابعًا، عودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم في المناطق الحدوديّة، خامسًا، إطلاق عمليّة إعادة الإعمار بدعمٍ دوليٍّ وعربيّ، وضمن مسؤوليّةٍ وطنيّة.
تحرّكاتٌ دبلوماسيّة ومفاوضاتٌ مرتقبة
في المقابل، تحدّثت مصادر رسميّة عن جهودٍ تُبذل للمحافظة على وقف إطلاق النار، معتبرةً أنّ تثبيت هذه الهدنة، أو وقف النار، يبقى مرهونًا بعوامل عدّة، في مقدّمتها وقف الخروق الإسرائيليّة، واستمرار التزام "حزب الله" بها.
وعلى صعيد المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، عُلم أنّ التحضير لبدء هذه المفاوضات قائم، وأنّ اجتماعًا ثانيًا قد يُعقد على مستوى السفراء في واشنطن الأسبوع المقبل.




