على الرغم من مجمل التّصريحات السّياسيّة والعسكريّة التي رافقت المواجهة، يرى التّقرير أنّ القتال الدائر في لبنان، الذي بدأ في الثاني من آذار، وانتهى إلى وقفٍ لإطلاق النّار لا يزال قائمًا لحظة إعداد هذه القراءة، لم يكن يستهدف في جوهره تفكيك "حزب الله" أو القضاء عليه بالكامل.
وبحسب التّقدير الوارد، فإنّ هذا الهدف لم يُطرح أصلًا ضمن الأهداف الواقعيّة للعملية العسكريّة. وبدلًا من ذلك، تمحورت الاستراتيجيّة حول هدفَيْن متلازمَيْن، الأوّل يتمثّل في توليد أوراق ضغطٍ فعّالة على الحكومة اللبنانيّة، والثّاني في إضعاف "حزب الله" عسكريًّا وتنظيميًّا بدرجةٍ ملموسة، بما يسمح بفتح مسارٍ سياسيّ، دبلوماسيّ لاحق.
نتائجُ جزئيّة ومسارانِ متوازيان
ويعتبر التّقرير أنّ هذه الأهداف تحقّقت جزئيًّا. فمن جهة، بات "حزب الله" في موقعٍ أكثر عزلةً ضمن سياق المواجهة، ويواجه ضغوطًا متعدّدة المستويات، ناجمةً عن الخسائر البشريّة والماديّة، وفقدان السّيطرة على بعض المناطق، إضافةً إلى مؤشّراتٍ على تراجعٍ نسبيّ في مستوى الثّقة به، حتّى داخل البيئة الشّيعيّة التي تُعَدّ حاضنته الأساسيّة.
ومن جهةٍ أخرى، فإنّ هذه المعطيات نفسها تفتح مسارَيْن متوازيَيْن، الأوّل إيجابيّ يتمثّل في تعزيز فرص التوصّل إلى تسويةٍ دبلوماسيّة، والثّاني يحمل مخاطر كامنة، إذ قد يدفع الضّغط المتزايد الحزبَ إلى اتّخاذ خطواتٍ تصعيديّة قد تصل إلى حدّ إشعال حربٍ أهليّةٍ جديدة داخل لبنان.
المفاوضاتُ المباشرة: فرصةٌ استراتيجيّة لإسرائيل
في هذا السّياق، يُولي التّقرير أهمّيّةً خاصّةً لمسار المفاوضات المباشرة مع لبنان، التي لا تزال، بحسب توصيفه، في مراحلها الأوّليّة. ويرى أنّ هذه المفاوضات تمثّل فرصةً استراتيجيّةً يتعيّن على إسرائيل أن تقودها بشكلٍ مباشر، لا أن تكتفي بدور المتلقّي أو الطّرف المنخرط ضمن رعايةٍ دوليّة.
ويقترح، في هذا الإطار، صيغةً مختلفةً لإدارة التّفاوض، تقوم على إشراك طرفٍ إقليميٍّ فاعل إلى جانب إسرائيل، مع حصر دور الولايات المتّحدة في إطار الرّعاية والإشراف، من دون أن تكون اللاعب المركزيّ.
ويذهب التّقرير أبعد من ذلك، عبر الدّعوة الصّريحة إلى إشراك المملكة العربيّة السّعوديّة كشريكٍ متكافئٍ في إدارة هذه المفاوضات، معتبرًا أنّ هذه الخطوة يمكن أن تؤدّي إلى "إخراج العلاقة إلى العلن" بين الرّياض وتلّ أبيب، أي الانتقال من مستوى التّنسيق غير المعلن إلى مستوى الشّراكة العلنيّة في ملفٍّ إقليميٍّ حسّاس.
ويطرح التّقرير تصوّرًا مفاده أنّ إشراك السّعوديّة قد يمنحها مخرجًا سياسيًّا لإعادة ترتيب أولويّاتها، بحيث تتراجع أولويّة الملفّ الفلسطينيّ بوصفه شرطًا مسبقًا للعلاقة مع إسرائيل، في مقابل التّركيز على ما يعتبره التّقرير مصالح أكثر إلحاحًا، وفي مقدّمتها الاستقرار في لبنان.
رهانٌ على الدّور السّعوديّ في لبنان
ويستند هذا الطّرح إلى قراءةٍ لدور السّعوديّة التّاريخيّ في لبنان، إذ يُذكّر التّقرير بأنّ الرّياض لعبت دورًا محوريًّا خلال العقود الخمسة الماضية، سواء عبر مساهمتها في صياغة "اتّفاق الطّائف" الذي وضع الإطار السّياسيّ لإنهاء الحرب الأهليّة، أو من خلال دعمها المستمرّ لرؤساء الحكومات اللبنانيّين وللبيئة السُّنّيّة في البلاد.
وبناءً على ذلك، يرى التّقرير أنّ للسّعوديّة رصيدًا سياسيًّا يمكن البناء عليه لإعادة الانخراط في الملفّ اللبنانيّ من بوّابة التّسوية.
تقاطعُ المصالح
وعلى مستوى تقاطع المصالح، يشير التّقرير إلى وجود أرضيّةٍ مشتركةٍ بين إسرائيل والسّعوديّة في لبنان وفي الإقليم الأوسع. ففي السّاحة اللبنانيّة، يتمثّل الهدف المشترك، وفق القراءة الواردة، في كبح النّفوذ الإيرانيّ والحدّ من هيمنته، عبر إضعاف "حزب الله" بوصفه الذّراع الرّئيسيّة لهذا النّفوذ، في مقابل تموضعٍ سعوديٍّ بوصفه قوّةً داعمةً للبيئة السُّنّيّة، ومساهمةً في إعادة إعمار لبنان وإنعاش اقتصاده.
أمّا إقليميًّا، فيوسّع التّقرير دائرة المصالح المشتركة لتشمل ملفّاتٍ عدّة، من بينها السّاحة السّوريّة، حيث يُطرح هدف بناء توازنٍ مقابلٍ للنّفوذ التّركيّ، إضافةً إلى تطوير التّعاون مع إسرائيل في مجالات التّكنولوجيا والأمن، بما يشمل الدّفاع، والزّراعة، والمياه، والتّقنيات المتقدّمة.
كما يشير إلى إمكانيّة بلورة تحالفٍ أوسع يضمّ إسرائيل ودول الخليج "السُّنّيّة المعتدلة"، إلى جانب هدفٍ محدّدٍ يتعلّق بمكافحة صناعة الكبتاغون، التي تُعَدّ، بحسب التّقرير، تهديدًا مباشرًا للمجتمع السّعوديّ.
واشنطن راعيةٌ لا قائدة
وفي ما يتعلّق بدور الولايات المتّحدة، يؤكّد التّقرير ضرورة أن تبقى واشنطن حاضرةً في هذا المسار، ولكن بصفتها راعيًا، لا قائدًا مباشرًا للمفاوضات. ويعتبر أنّ أيّ اتّفاقٍ بين لبنان وإسرائيل، قد يتوسّع ليشمل تفاهماتٍ موازيةً أو لاحقةً مع السّعوديّة، يُشكّل مصلحةً استراتيجيّةً عليا للولايات المتّحدة، سواء من زاوية إعادة ترتيب التّوازنات الإقليميّة أو تقليص نفوذ إيران.
ويختتم التّقرير بتقييم موقع إسرائيل التّفاوضيّ، معتبرًا أنّها تدخل هذا المسار من موقع قوّة، مستندةً إلى تفوّقها العسكريّ والتّكنولوجيّ، وإلى امتلاكها أوراق ضغطٍ مباشرةً على "حزب الله" وعلى الدّولة اللبنانيّة.
وبناءً على ذلك، يدعو التّقرير إلى أن تضطلع إسرائيل بدورٍ قياديٍّ في دفع المسار الدّبلوماسيّ، مع الإبقاء على هامشٍ من المرونة يسمح بطرح ترتيباتٍ مرحليّة، مثل "اتّفاق عدم اعتداء" أو صيغٍ انتقاليّةٍ أخرى، بما يسهّل على الطّرف اللبنانيّ استيعاب هذه التّفاهمات داخليًّا والتّعامل معها ضمن توازناته السّياسيّة المعقّدة.
ويُذكر أنّ مُعِدّ هذا التّقرير، جدعون هراري، يقدّم نفسه متحدثًا في الشّؤون الجيوسياسيّة بصفةٍ تطوّعيّة، ويقيم في الجليل الأعلى، حيث يشغل أيضًا موقع رئيس فريق الاستجابة للطّوارئ في بلدته.
وقد شغل سابقًا منصب ضابط استخباراتٍ رفيع، ويعمل حاليًّا شريكًا في شركةٍ متخصّصةٍ في استخبارات الأعمال، وهو ما ينعكس في المقاربة التي يعتمدها التّقرير، والتي تمزج بين القراءة الأمنيّة والتّقدير السّياسيّ لمسار التّطوّرات في لبنان والمنطقة.




