نصر وهزيمة واختلاط عام

أحمد جابرالسبت 2026/04/18
Image-1776436598
يتغذى الافتراق الداخلي الآن، من إصرار المقاومة على سياساتها (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

طالت الإقامة اللبنانية في الحرب، ومع طول الإقامة ترسَّخ خطاب المقاربة، وتناسلت تناقضات المخاطبة، لكن الآن، وبعد أن لامست الحرب حدود المصير، بات مطلوباً من اللبنانيين إجراء مكاشفة صريحة، هذا كي يكون ممكنّا ترميم جسور التواصل، بعد أن طالتها أيدي تقطيع الأوصال.

 

نقطة بدء

لأن يوم اللبنانيين يوم حرب، وجب البدء من حيثيّات اندلاعها. وَجَدَ اللبنانيون أنفسهم في ميدان قتالٍ كان متاحاً تفاديه. هذه نقطة خلاف صريح، يجب البدء منها، لأن للبدء تتماته. بصراحة مسؤولة، سيظلّ افتراضيّاً قول إنها حرب استباقية، تفادياً لمفاجأة العدو، الذي كان بصدد فرض الحرب على لبنان. الافتراضية سمة خطاب المقاومة الإسلامية، والجدال في الفرضيّة وعدم التسليم بها، لُغةُ أكثريةٍ وازنة من اللبنانيين. إذن لا يمكن اعتماد "توقّع" حدث ما، ووفقاً لتقدير جهة واحدة، حتى يكتسب التوقّع يقينيّته العمومية. هل كان من الواجب مفاتحة الشركاء في البلد، بحقيقة الهواجس؟ نعم، وهل كان البحث عن بدائل وقائية لاحتمال الحرب، ممرّاً إجباريّاً إلى هدف صيانة السلامة الوطنية؟ نعم أيضاً، إذن سيكون لزاماً على من يرفع لواء المكاشفة، أن ينطلق من رفض الفرضيّة، مدعوماً بما ترتَّب عليها من خسائر هائلة، نزلت بكافة أصعدة البنية الداخلية.

 

واقع اشتباك

العدو الذي كان ينتظر "ذريعة" لتنفيذ عدوانه، توفّرت له الحجّة بعد إطلاق الصواريخ من لبنان. عدّدُ الصواريخ لم يكن هو الحاسم، بل ما ترتّب على العدد من حالة هجومية، وفَّرت بدورها ذريعة دفاعية لعدوٍّ تشكّل الهجومية عقيدة جيشه الحربية.

بعد لحظة انفجار الحرب، وُضِعَ اللبنانيون أمام "زمنين"، هما في الوقت  نفسه حالتان وخطابان وسياستان... أي هما باختصار، افتراقان جديدان، أضافا إلى بنية الافتراق العام الذي تراكمت أسبابه، منذ سنة 2000 وحتى الراهن من الأيام اللبنانية.

حمل زمن "المقاومة" ومن آزرها، كلّ تعليل وشرح وتفسير، ممّا رافق نقطة البدء. هذا كان "عناداً" سياسيّاً، التحف غطاء التصدّي لقوات الاحتلال الذي عاد إلى الأرض اللبنانية.

وحمل زمن الاعتراض على المقاومة، لدى فريق منه نفض اليد من المسؤولية عن الحرب، والحفاظ على مسافة سياسية شاسعة من الحزب، واعتماد لغة هجوم تحمّل المقاومة ما آلت إليه أحوال البلاد والعباد... لنقل وباختصار، إن هذا الخطاب كان "عارياً" من تحفّظاته، وكان واضحاً في "الآمال" التي يعلّقها على هزيمة "المقاومة" في الحرب التي كانت سبباً في استدعائها.

في موازاة فريق نفض اليد، ميّز فريق ثانٍ بين توقيت الاعتراض في الحالة العادية، وبين الإدلاء به في حالة الاشتباك مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، وعليه، فقد احتفظت لغة التمييز بأسباب اعتراضها الأصلي على انفراد المقاومة وعلى مجموع سياساتها الداخلية والخارجية، لكنها لم تنضمّ إلى لغة استفراد هذه المقاومة، لأنّ الصراع يدور مع العدو الإسرائيلي ذي البرامج التوسعيّة المعلنة والمستترة. إذن، وعملاً بمضمون معادلة "الثانوي والرئيسي" السائدة، قدّم فريق الاعتراض شؤون المصالح الفئوية الداخلية، الخاصة، وهو إذ أقدم على ذلك، فلأنه رأى في تنحية الخلاف مع المقاومة، عامل تهدئة داخلية، و"دفعة على حساب" الحوار الوطني المأمول، الذي سيفرض نفسه على رأس جدول الأعمال، في اليوم الأول الذي يلي وقف الأعمال الحربية.

 

فشل ونجاح

نصرٌ أم هزيمة، اسمان لمعطيات مختلفة، فالحرب على لبنان لا تدور بين جيشين نظاميين، وليست حرباً بين دولتين، بحيث ينتهي الأمر بالمنتصر إلى أن يفرض الشروط على عدوّه المهزوم. الأدقّ أنّنا في إزاء نجاحٍ وفشل متداخلين، هذا على صعيد العدو الإسرائيلي، وعلى صعيد المقاومة الإسلامية.

معادلة التداخل، لها عناصرها المرتبطة بأهداف قوى المواجهة، وعليه فإن واقع الفشل أو النجاح، يقرّره واقع ما تحقق من أهداف في الميدان وفي السياسة، وما تعذَّر الوصول إليه من أهداف.

إذن، وفي سياق: أين نجحت قوات الاحتلال؟ وأين فشلت؟

يسعى الإسرائيلي القول إنه نجح في إنشاء منطقة عازلة تقي مستوطناته قذائف الرمي المباشر، مثلما يسعه القول إنه نجح في تفكيك شبكة حزب الله الدفاعية، وتدمير منشآته وأسلحته. لقد لجأ الإسرائيلي في تحقيق نجاحه إلى خطط التقدم التمهيدي، أو لنقل تقدم "الخطوة خطوة"، وذلك بعيداً من خطط الخرق العميق، أو التطويق الواسع. لماذا نذكُر ذلك؟ ليكون في الأمر نقاش حول الخطط التي اعتمدتها المقاومة، وللقول بصريح العبارة، إن خطوط تمركز العدو الثابتة الآن، جاءت نتيجة خطة مسبقة، وأنها قد تعود فتتحرك، إذا ما دعت الحاجة العدو إلى ذلك. هل تنفي الخلاصة هذه حقيقة القتال الضاري الذي خاضته المقاومة؟ نجيب بالنفي، ونضيف، أنّ المقاومة قد نجحت في إدارة دفاع ناجع وفعّال، وقد ثبتت في الميدان، وألحقت بقوات الاحتلال خسائر ملموسة... لكنّ كل ذلك لا يمنع القول بفشل المقاومة في إفشال خطة العدو التوسعية، وفي منعه من حريّة الحركة فوق كل المساحة اللبنانية. هل كانت قوّة المنع والإفشال، متوفّرة لدى المقاومة؟ كلا بالتأكيد. هذا يعيدنا إلى المربع الأول؛ أي إلى نقطة البدء، فهناك كانت كل الحسابات تدعو إلى عدم الانزلاق إلى العمليات العسكرية.

في الخلاصة، وحتى إشعار آخر، نجحت المقاومة في إدامة الاشتباك، بعد أن صار في مجمله تراشقاً صاروخياً يديم حضور المقاومين، من دون أن يكون هذا الحضور عامل تعديل نوعيّ في حصيلة المواجهة القتالية. وحتى إشعار آخر، نجحت إسرائيل، في تعزيز وجودها العسكري في شريط أمني واسع، من دون أن يكون هذا الوجود نقلة نوعية في توفير الأمن للمستوطنات، فهذا سيظل مطلباً عزيز المنال.

 

نحن والمأزق

المأزق اللبناني ذو وجوه متعدِّدة، الوجه "الأخطر" من بينها وجه الافتراق الداخلي الذي زادت تصدعاته. يتغذى الافتراق الآن، من إصرار المقاومة على سياساتها، ومن إنكارها الواقع الذي وصلت إليه هذه السياسات. تتصرف المقاومة على خلفية انتصار تحقق، ويناقش المعترضون على خلفية أنها مسؤولة عن الخسائر الجسيمة التي حلّت في كل الديار. تؤكد المقاومة ارتباطها الخارجي بمركزها الإيراني، هذا في الوقت الذي تعلن فيه أنها تحمي لبنان، ويؤكد المعترضون على "برّانيّة" هذه المقاومة التي طال أمد "ضررها"، منذ عام 2000، عام التحرير، وحتى تاريخ معركة "الثأر" الحالية. تطلب المقاومة الإجماع الوطني في مناسبة انزياح "الدولة" صوب العملية التفاوضية، ويطلب المعترضون انصياع المقاومة للإجماع الوطني في مسألة قرار الحرب والسلم، وفي انسحابها من ميدان "الأذرع" الخارجية... موجز القول، إن الداخل اللبناني صار خطين متوازيين، ربما حتى حوار آخر، وربما حتى كارثة أوسع، تضع كل الفئات اللبنانية أمام سؤال: إلى أين وكيف وأي مصير كياني معقول؟

 

تحديد الخسائر

لقد خسرت المقاومة، وخسر معها لبنان، هذا بعيداً من جملة النصر والهزيمة، ومن جملة النجاح والفشل. الخسارة ماثلة في كل مكان، لذلك لا بديل من وضع نقطة وقف على جدول الخسارة. هذا الأمر يتطلب إدارة سياسية وطنية مختلفة، تجمع ما لديها من أوراق مساعدة في عملية التفاوض، وتبني مطالبها وتدير سياستها بالتناسب مع هذه الأوراق. لنقل إن لدى لبنان أوراق انتسابه العربي، وأوراق علاقاته الدولية، ولديه واقع التهديد بأن العدو لا يستطيع أن ينجو بسلامه المنفرد، إذا ظلّ السلام بعيداً من لبنان.

منع السلام، ورقة من أوراق القوّة التي يملكها لبنان، هذا ما تؤكده خلاصة تجارب الاشتباك المديدة مع العدو التي تلح على ضرورة تحقيق الهدنة على جانبي الحدود، فالأمن يكون مشتركاً أو لا يكونُ. 

هذا ممرّه التفاوض؟ نعم، هل ينزلق ذلك إلى التطبيع؟ كلاّ. هل يجب انخراط الجميع في هكذا عملية؟ أيضاً نعم، إذن، هذا يستدعي التسليم بمرجعية المؤسسات الرسمية الوطنية، التنفيذية والتشريعية، أي التسليم "بالدولة" التي طال وقوفها أمام حواجز المنع الأهلية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث