يعيش لبنان حالياً معادلة غريبة وفريدة تتلخص بما يلي: طرف يقاتل، ودولة تفاوض. هذه المعادلة لا تشكل مجرد تفصيل دستوري أو نقاش نظري حول الصلاحيات، بل هي تناقض بنيوي مفتوح على الكثير من الاشكاليات، وهي معادلة ترسّخت مع الوقت وأصبحت جزءاً من إدارة النزاع مع إسرائيل بكل ما تحمله من التباسات قانونية ومخاطر سياسية وإشكاليات واقعية.
في الظاهر، الأمور واضحة، اذ إن الدستور اللبناني، وتحديداً المادة 52 منه، يحسم مسألة التفاوض ويضعها حصراً في يد السلطة التنفيذية. فرئيس الجمهورية يفاوض بالتنسيق مع رئيس الحكومة، وينبغي عرض الاتفاقية على مجلس الوزراء لإقرارها، ومن ثم يأتي دور المجلس النيابي. هذا التنسيق بين السلطات ليس مسألة إجرائية، بل هو تعبير عن مبدأ سيادي أساسي متعارف عليه: الدولة وحدها تمثل نفسها في الخارج، وهي وحدها تُلزم نفسها وتُحاسَب.
لكن في الواقع، هذه القاعدة تصطدم بحقيقة ميدانية معقدة لا يمكن تجاهلها. فالقرار العسكري في المواجهة مع إسرائيل لا يُدار حصراً من داخل مؤسسات الدولة. وهنا تحديداً تتفجّر الإشكالية:
إذ كيف يمكن لسلطة لا تحتكر قرار الحرب أن تدير قرار السلام؟
والأصعب أن القانون الدولي بدوره لا يقدّم حلاً سحرياً. فهو من ناحية يعترف بالدول كوحدات تفاوضية، لكنه في الوقت نفسه يتعامل ببراغماتية مع الوقائع، خصوصاً في النزاعات التي تضم أفرقاء غير حكوميين. بمعنىً آخر، القانون الدولي يكرّس دور الدولة، لكنه لا يستطيع تجاهل من يملك القوة على الأرض.
في الحالة اللبنانية، هذه البراغماتية تُترجم عملياً عبر مسارين: مفاوضات رسمية تقودها الدولة، وتأثير فعلي يمارسه حزب الله على مسار هذه المفاوضات، من خارج طاولة المفاوضات.
يطرح هذا النموذج الفريد سؤالاً حساساً:
هل نحن أمام ازدواجية سلطة، أم تقاسم أدوار غير معلن؟
القول إن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار التفاوضي صحيح قانوناً، لكنه غير مكتمل سياسياً.
والقول إن حزب الله يملك تأثيراً حاسماً صحيح واقعياً، لكنه غير قابل للترجمة القانونية.
هذه الازدواجية تنتج نوعاً من الشرعية الناقصة من الجهتين:
الدولة تفاوض من دون أن تمسك بكل عناصر القوة. والفريق المسلح يؤثر من دون أن يتحمل كامل المسؤولية القانونية.
والنتيجة صراحة يمكن أن تؤدي الى اتفاقات محتملة قد تولد ضعيفة، أو تبقى رهينة التوازنات بدلاً من أن تكون نهائية.
ولعل أخطر ما في هذه المعادلة ليس فقط التعقيد القانوني والدستوري، بل انفصال القرار عن المسؤولية.
بالعادة، ووفقاً للتجارب الدولية المتعاقبة، من يقرر الحرب هو من يفاوض، وبالتالي من يوقّع هو من يلتزم. أما في لبنان، فان قرار الحرب أو التصعيد يُتخذ خارج المؤسسات، بينما تتحمل الدولة تبعاته دبلوماسياً واقتصادياً وأمنياً واجتماعياً. وهذا يضعف موقع لبنان التفاوضي، لأن أي فريق دولي يدرك أن الضمانة القانونية موجودة، لكن الضمانة التنفيذية ليست مضمونة بالكامل.
من هنا، فان الواقعية السياسية تفرض الاعتراف بأن هذه المعادلة لن تُحسم بسهولة. فلا الدولة قادرة حالياً على احتكار القرار العسكري بالكامل، ولا يمكن تجاوزها في التفاوض. لذلك، وللخروج من هذا الواقع، يقتضي على حزب الله الذي يشارك في السلطة من دون أن يعترف بسلطتها على إنها من تملك قرار الحرب، أن يقوم بإعادة تنظيم العلاقة بينه وبين هذه الدولة عبر نقل التأثير الميداني تدريجياً إلى إطار مؤسساتي، بحيث تصبح قرارات الحرب والسلم جزءاً من آلية وطنية واضحة. هذا المسار صعب، لكنه الأكثر انسجاماً مع منطق الدولة، كي لا نبقى أمام تنظيم غير معلن بين الدولة وحزب الله. لكن هذا الحل هش بطبيعته وأمامه الكثير من المطبات، أو تثبيت الازدواجية القائمة اليوم كأمر واقع، أي القبول الضمني بأن هناك دولة تفاوض، وقوة تقاتل مع إدارة هذا التناقض عبر الوسطاء والتفاهمات المرحلية. لكن هذا الخيار يحمل خطراً طويل الأمد، لأنه يكرّس ضعف الدولة بدل معالجته. اذ لا يكفي أن تكون الدولة حاضرة على طاولة التفاوض، بل يجب أن تكون أيضاً حاضرة في قرار الحرب نفسه، وإلا سيبقى أي تعهد تبرمه الدولة مؤقتاً.
بالخلاصة، فان لبنان لا يواجه فقط تحدي الصراع مع إسرائيل، بل يواجه أيضاً سؤالاً داخلياً أكثر حساسية: من يملك القرار النهائي؟ وما دام بقي هذا السؤال معلقاً، سيبقى أي تفاوض عرضة للاهتزاز وربما للسقوط، لأن قوته لا تُقاس فقط بما يُكتب في الاتفاقات، بل بمن يملك القدرة على تنفيذها.




