إدارة عربية حذرة للعلاقة مع الشيعة.. وبرّي لاعب ثابت

محمود وهبةالسبت 2026/04/18
50221633007_0473eb970f_o.jpg
يبقى بري، حتى اللحظة، "محور الحديث". (مجلس النواب)
حجم الخط
مشاركة عبر

في خضمّ الحرب، لطالما كان السؤال حول موقع الطائفة الشيعية في المعادلة اللبنانية العربية يتقدّم إلى الواجهة. يرتفع الصوت هذا مع زيارة مفاجئة للمعاون السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري إلى السعوديّة. زيارة خاطفة لا يمكنُ النظر إليها بمعزل عن سلسلة إشارات سياسية وميدانية متقاطعة.

لا يمكن فصل هذه الزيارة عن مسار طويل من التواصل غير المعلن بين نبيه بري وعدد من العواصم العربية، خصوصاً الخليجية منها. فالرجل الذي حافظ، رغم التحولات الإقليمية الحادة، على حدّ أدنى من قنوات الاتصال، يُنظر إليه كطرف قادر على الجمع بين خطابين. خطاب الانتماء إلى "محور المقاومة"، وخطاب الدولة الذي يُطمئن الخارج. هذه الازدواجية، وإن بدت إشكالية في بعض الأحيان، إلا أنها شكّلت أحد أبرز أسباب استمراريته كمرجعية معترف بها خارجياً.

 

"لا تهميش" شيعي

في هذا السياق، تبرز فرضية يجري تداولها بقوة. لا تهميش عربياً للوضع الشيعي بقدر ما هناك تمسّك بقنوات تقليدية في التعاطي معه، تتمثّل أساساً برئيس مجلس النواب نبيه بري بوصفه نقطة الارتكاز "الشرعية" في نظر عدد من دوائر القرار العربية.

وعليه، فإن الحديث عن "تهميش" يبدو تبسيطاً لمقاربة أكثر تعقيداً. فدوائر القرار العربية تختار التعامل مع الواقع الشيعي عبر قنوات محدّدة تضمن، من وجهة نظرها، الحد الأدنى من الاستقرار. هذا الخيار لا يعكس بالضرورة رضىً كاملاً، بقدر ما يعكس براغماتية سياسية تفضّل الواضح والمجرَّب على المجهول والمتقلّب.

قراءة هذه المقاربة هي امتداد لمسار طويل منذ اتفاق اتفاق الطائف الذي أعاد توزيع السلطة في لبنان ورسّخ دور رئاسة المجلس النيابي كأحد أعمدة النظام. منذ ذلك الحين، استطاع بري أن يكرّس نفسه لاعباً ثابتاً في شبكة العلاقات العربية، مستفيداً من موقعه المؤسساتي ومن خطابه الذي يجمع بين الانخراط في محور المقاومة والقدرة على مخاطبة الدولة ومنطقها.

 

أولويات ثلاث

قراءة المشهد الشيعي اليوم لا يمكن اختزالها بهذه الزاوية وحدها. الأولويات داخل هذه البيئة باتت أكثر تشعّباً وتعقيداً، ويمكن اختصارها بثلاثة مستويات متداخلة.

الأولوية الأمنية. تعود هذه الأولويّة إلى الواجهة مع تصاعد المواجهات في الجنوب، لا سيما في بنت جبيل التي تتعرّض لقصف متكرر. بنت جبيل المدينة، التي تحمل رمزية خاصة منذ حرب تموز 2006، تعود اليوم لتكون مؤشراً إلى طبيعة الاشتباك وحدوده. استهداف المدينة يعيد طرح سؤال: هل نحن أمام إعادة تثبيت لقواعد الاشتباك التي كرّسها القرار قرار مجلس الأمن 1701، أم أمام انزلاق تدريجي نحو معادلة مختلفة؟

من ناحية ثانية، تبرز أمامنا الأولوية الوطنية. تلك المرتبطة بمطلب انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف أي شكل من أشكال الاحتلال أو الانتهاك. هذا المطلب يجد جذوره في قرار مجلس الأمن 425 الذي نصّ منذ العام 1978 على انسحاب إسرائيل، وهو ما لم يُستكمل عملياً في ظل استمرار التوترات والخروقات.  وهنا يُرى أنّ أي خطاب شيعي، سواء كان رسمياً أو شعبياً، ما يزال يتمحور حول هذه النقطة كأولوية جامعة.

النقطة الثالثة هي الأولوية المعيشية الاجتماعية. وهي ربما الأكثر إلحاحاً اليوم. فالأزمة الاقتصادية التي تضرب لبنان منذ العام 2019 لم تستثنِ البيئة الشيعية، إنما عمّقت فيها مستويات الفقر والهشاشة. وهذا ما يفرض على القوى السياسية، بما فيها حركة أمل وسواها، إعادة التوازن بين الخطاب السياسي ومتطلبات الحياة اليومية للناس.

في موازاة ذلك، يبرز سؤال دقيق يتعلّق بالتوقيت والسياق: هل كانت المعادلة مختلفة قبل الثاني من آذار؟ وهل كانت مناطق الجنوب، ومنها بنت جبيل، تعيش نوعاً من "الاستقرار النسبي" قبل أن تعود إلى دائرة الاستهداف المكثّف؟ هذا السؤال لا ينفصل عن تطورات إقليمية أوسع، من الحرب في غزة إلى إعادة رسم خطوط الاشتباك على امتداد الجبهة اللبنانية الفلسطينية، وهذا ما يجعل الجنوب ساحة تفاعل مباشر مع هذه التحولات.

 

بري والقناة الشيعيّة

على المستوى السياسي. يرى الناظر ملاحظة لافتة تتعلّق بطبيعة الانخراط العربي، حيث لم تُظهر المؤشرات حتى الآن توجهاً لاستدعاء شخصيات شيعية معارضة أو موازية للدور الذي يلعبه نبيه بري. كل هذا ربما يعكس إما قناعة بجدوى القناة الحالية، أو حذراً من تفكيك التوازنات الداخلية الدقيقة. وفي الحالتين، يبقى بري، حتى اللحظة، "محور الحديث" عندما يتعلق الأمر بأي مقاربة عربية للملف الشيعي اللبناني.

في المقابل، لا يمكن إغفال أنَّ القطب الشيعي الآخر، بثقله السياسي والعسكري، ما يزال حاضراً بقوة في المعادلة، حتى إن لم يكن موضع انخراط مباشر في بعض القنوات العربية. هذا التباين في مقاربة الطرفين يعكس، إلى حدّ بعيد، طبيعة الانقسام في النظرة الإقليمية إلى لبنان. مَنْ يُركّز على منطق الدولة، ومن يتعامل مع منطق الصراع المفتوح.

كخلاصة، لا يبدو أن المسألة تتعلق بتهميش للشيعة من قبل دوائر القرار العربية، بقدر ما تتعلق بإدارة حذرة لهذا المكوّن ضمن شبكة توازنات إقليمية معقّدة. في الوقت الذي تستمر المرجعيات التقليدية في لعب دورها، تتقدّم تحديات جديدة لتفرض نفسها. حماية الجنوب، إعادة بناء الدولة، وصولاً إلى استيعاب التحولات داخل المجتمع الشيعي نفسه. وربما في هذا التداخل، يتحدَّد شكلُ المرحلة المقبلة، شيعياً ولبنانياً. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث