اليوم الأوّل لوقف النّار كان بامتياز يوم البهجة العارمة بالعودة إلى العديد من قرى الجنوب الّتي نزح منها أهلها تحت وطأة النّار والتهديد. وقد ساهم الجيش اللّبنانيّ في تسهيل هذه العودة، بما أمكن من وسائل وتوجيهات لضمان سلامة المدنيّين. وبحماسةٍ شديدةٍ، جرى ردم جانبٍ من جسر القاسميّة المُدمَّر، ما أتاح عبوره وإعادة ربط جنوب اللّيطانيّ بشماله. وقال رئيس الجمهوريّة جوزاف عون إنّ الاتّفاق هو الخطوة الأولى الضّروريّة للوصول إلى المفاوضات. وكان لافتًا قول ترامب اليوم: "إسرائيل لن تقصف لبنان بعد الآن. وستحظر على إسرائيل أن تفعل. كفى يعني كفى".
لكنّ صورة الابتهاج اللّبنانيّ لم تكن كافيةً لحجب حقيقة المشهد المقابل. ففيما كان الجنوبيّون يشقّون طريقهم إلى قراهم المهدَّمة، كانت إسرائيل تُطلق رسائلها السّياسيّة والعسكريّة بوضوحٍ لا لبس فيه، هدنةٌ لا تعني انسحابًا، ووقفُ نارٍ لا يُسقط من حساباتها مشروع إعادة تشكيل الجنوب أمنيًّا وميدانيًّا. هكذا بدا اليوم الأوّل، يومَ عودةٍ من جهة، ويومَ تثبيت وقائع بالقوّة من جهةٍ أخرى.
بين بشارة ترامب وتهديد نتنياهو
في الموقف الأميركيّ، حاول دونالد ترامب أن يُقدّم صورة الحاسم الّذي أوقف القصف، فأعلن في سلسلة تصريحاتٍ أنّ "إسرائيل لن تقصف لبنان بعد الآن"، مضيفًا أنّ "الولايات المتّحدة ستعمل بشكلٍ منفصلٍ مع لبنان، وستتعامل مع وضع حزب الله بالطّريقة المناسبة"، ومؤكّدًا أنّ "الولايات المتّحدة تحظر على إسرائيل قصف لبنان، ويكفي تعني يكفي". ثمّ أشار إلى أنّ "الاتّفاق مع إيران ليس مرتبطًا بأيّ شكلٍ بلبنان، لكنّنا سنجعل لبنان عظيمًا من جديد".
غير أنّ هذا الخطاب الأميركيّ، على ما فيه من إيحاءٍ بالرّغبة في التهدئة، اصطدم سريعًا بخطابٍ إسرائيليّ أكثر صراحةً وخشونةً. فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو أنّه، وبناءً على طلب الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب، "سيُعطي فرصةً لحلٍّ سياسيٍّ وعسكريٍّ متكاملٍ مع لبنان"، لكنّه لم يلبث أن كشف جوهر الموقف الإسرائيليّ حين شدّد على أنّ إسرائيل "لم تُنهِ مهمّتها بعد في لبنان"، وأنّ "تفكيك حزب الله لن يتحقّق غدًا"، وأنّ هناك "أمورًا نُخطّط للقيام بها".
هنا بالتّحديد، يسقط القناع عن حقيقة المقاربة الإسرائيليّة، فتل أبيب لا تنظر إلى وقف إطلاق النّار بوصفه نهايةً للعمليّات، بل كمرحلةٍ انتقاليةٍ تُدار بالنّار حينًا، وبالضّغط السّياسيّ حينًا آخر، تمهيدًا لفرض وقائع جديدة على الأرض وعلى طاولة التّفاوض معًا.
"خطّ الفصل"، اسمٌ تقنيّ لمشروع عزلٍ ميدانيّ
ما أورده موقع "واللاه" العبريّ نقلًا عن مصدرٍ أمنيٍّ إسرائيليّ، حول تثبيت "خطّ فصل" في جنوب لبنان خلال 24 ساعة، ليس تفصيلًا عابرًا، بل مؤشّرٌ بالغ الدّلالة إلى ملامح التوجّه الإسرائيليّ الفعليّ. فالمقصود بهذا "الخطّ" هو الحدود الّتي بلغتْها الدبّابات الإسرائيليّة وتوقّفت عندها لحظة دخول وقف النّار حيّز التنفيذ، أي شريطٌ ميدانيّ بعمقٍ يتراوح بين خمسةٍ وثمانية كيلومترات، وفق نقاط التقدّم.
بهذا المعنى، لا يكون "خطّ الفصل" مجرّد توصيفٍ عسكريّ، بل ترجمةً عمليّةً لفكرة "المنطقة العازلة بحكم الأمر الواقع". أمّا الأخطر، فهو استخدام عبارة "تطهير المنطقة"، وهي عبارةٌ تكشف أنّ إسرائيل لا تعتبر نفسها مقيَّدةً بوقفٍ كاملٍ للعمليّات، بل بوقف "الاشتباك المباشر" فقط، بينما تُبقي لنفسها هامش العمل الهندسيّ والأمنيّ والتدميريّ، من تفتيش الأنفاق إلى ملاحقة المخازن المُحصَّنة ومنصّات الإطلاق الّتي لم تُدمَّر خلال الحرب.
إنّه فارقٌ بالغ الأهمّيّة. فحين تُعلن إسرائيل وقف النّار، ثمّ تُلحقه بحقّ "التّطهير"، فهي عمليًّا تقول إنّ الحرب بصيغتها القديمة قد تتوقّف، لكنّ مشروع إعادة هندسة الجنوب أمنيًّا لم يتوقّف، بل بدأ يأخذ شكلًا أكثر تنظيمًا وأقلّ كلفةً بالنّسبة إليها.
عودة الأهالي تحت سقف التّرهيب
توقيت هذا التّسريب الإسرائيليّ ليس بريئًا. فالإعلان عن "خطّ الفصل" تزامن مع بدء عودة الأهالي إلى قراهم، ما يوحي بوضوحٍ أنّ إسرائيل تريد أن تُرفق الهدنة برسالة ردعٍ ميدانيّة، هدفها منع أيّ اختلاطٍ بين العودة المدنيّة واحتمال عودة عناصر من "حزب الله" مع الأهالي أو عبرهم. وعليه، فإنّ "خطّ الفصل" الموعود لا يعمل فقط كحدٍّ عسكريّ، بل كنقطة فرزٍ وتفتيشٍ وسيطرة، يمنح الجيش الإسرائيليّ، من وجهة نظره، حقّ منع الدّخول إلى مناطق بعينها بحجّة أنّها "مناطق عسكريّة مغلقة".
من هنا، تصبح العودة الجنوبيّة، على رمزيتها الوطنيّة والوجدانيّة، عودةً ناقصة السّيادة. الأهالي يعبرون إلى قراهم، نعم، لكن فوق أرضٍ لا تزال إسرائيل تسعى إلى تعريفها أمنيًّا، وإلى ضبط الحركة فيها بالنّار مرّةً، وبالمنع مرّةً أخرى.
هدنةٌ لا تُعيد ما قبل الحرب
بعد الحرب الطّاحنة الّتي عاشها لبنان على مدى شهرٍ ونيّف، لا يصحّ توصيف ما جرى على أنّه عودةٌ إلى ما قبل الحرب. الأدقّ أنّنا أمام هدنةٍ فُصِّلت فوق وقائع ميدانيّة فرضتها إسرائيل بالنّار والتوغّل. فالنّصّ الّذي نُشر بصياغةٍ أميركيّة ينصّ على "وقف الأعمال العدائيّة" لعشرة أيّام بدءًا من 16 نيسان، وعلى امتناع إسرائيل عن "العمليّات الهجوميّة" داخل لبنان، لكنّه في المقابل يُبقي لها "حقّ اتّخاذ كلّ الإجراءات اللّازمة دفاعًا عن النّفس" في أيّ وقتٍ ضدّ هجماتٍ "مُخطَّطة أو وشيكة أو جارية".
هذا البند وحده يكفي لفهم جوهر الإشكاليّة. فهو يمنح إسرائيل حقًّا واسعًا وفضفاضًا في تفسير التهديد وفي اتّخاذ ما تراه مناسبًا من إجراءات، من دون أن يمنح لبنان حقًّا مماثلًا، ومن دون أن يُلزمها أصلًا بانسحابٍ فوريّ من الأراضي الّتي احتلّتها في الجنوب. وبذلك، لا تكون الهدنة إطارًا لإنهاء الاحتلال، بل إطارًا لإدارته مؤقّتًا تحت عنوانٍ سياسيّ جديد.
خريطة السَّيطرة، من جيوب التوغّل إلى المنطقة العازلة
حتّى لحظة وقف إطلاق النّار، لم تكن خريطة السَّيطرة الإسرائيليّة خريطة احتلالٍ كاملٍ ومتّصلٍ لكلّ ما هو جنوب اللّيطانيّ، بل خريطة جيوبٍ وممرّاتٍ ومحاور نارٍ وتدميرٍ وتمركزاتٍ متقدّمة. غير أنّ إسرائيل تعمل على ربط هذه الجيوب ضمن "منطقة أمنيّة عازلة" أوسع من النِّقاط الخمس الّتي أبقتها بعد ترتيبات 2024.
وهنا يكمن الفارق الجوهريّ. فتل أبيب لا تتعامل مع الهدنة كمرحلة انسحاب، بل كإطارٍ سياسيّ يمنحها شرعيّة تثبيت ما أنجزته برّيًّا، ويُبقي لها، وفق الصّياغة الأميركيّة والإسرائيليّة معًا، هامش البقاء والمراقبة والضّرب تحت عنوان "الدّفاع عن النّفس". وعليه، فإنّ الحديث عن "خريطة سيطرة" لا يعني فقط انتشارًا عسكريًّا في نقاطٍ محدَّدة، بل هيمنةً ناريّةً، وتموضعًا برّيًّا، وتطويقًا هندسيًّا للمكان، يجعل مساحاتٍ واسعةً جنوب اللّيطانيّ غير صالحةٍ للعودة المدنيّة الطّبيعيّة حتّى مع انخفاض مستوى القتال المباشر.
“اتّفاقيّة الهدنة"، مفاوضاتٌ تحت ظلال القوّة
النّصّ الأميركيّ، كما جرى تداوله، يقوم على أربع ركائز عمليّة: وقف الأعمال العدائيّة لعشرة أيّام قابلةٍ للتمديد، التزام الحكومة اللّبنانيّة اتّخاذ "خطوات ذات معنى" لمنع "حزب الله" وسواه من تنفيذ هجماتٍ ضدّ إسرائيل، تكريس القوّات الأمنيّة الرّسميّة بوصفها الجهة الحصريّة المسؤولة عن سيادة لبنان ودفاعه، وفتح الباب أمام مفاوضاتٍ مباشرةٍ بوساطةٍ أميركيّة لبلوغ "سلامٍ وأمنٍ دائمَين".
لكنّ ما لا يقوله النّصّ لا يقلّ خطورةً عمّا يقوله. فهو لا يفرض انسحابًا إسرائيليًّا فوريًّا، ولا يُحدّد مصير سكّان القرى المُدمَّرة جنوب اللّيطانيّ، ولا يمنح لبنان حقًّا مكافئًا لحقّ إسرائيل في استخدام بند "الدّفاع عن النّفس". ومن هنا، تكمن المفارقة السّياسيّة الكبرى، الهدنة بصيغتها الحاليّة لا تُنهي مسألة السَّيطرة الإسرائيليّة، بل تُعيد تعريفها، من احتلالٍ يجري تحت وقع المعركة، إلى احتلالٍ مؤقّتٍ يُربط بمسارٍ تفاوضيّ وبمطلبٍ إسرائيليّ مركزيّ هو نزع سلاح "حزب الله".
لهذا قرأت إسرائيل النّصّ بوصفه فرصةً لفرض "هندسة أمنيّة" جديدة على الجنوب، فيما قرأه لبنان الرّسميّ بوصفه بوّابةً لوقف الحرب ثمّ التّفاوض على الانسحاب. وبين القراءتَين، بقي الميدان مفتوحًا على الخروقات وعلى صراع تفسير الاتّفاق أكثر من صراع تطبيقه.
نتنياهو: سلامٌ بيدٍ وسلاحٌ بالأخرى
في واحدٍ من أبرز مضامين كلامه، قال نتنياهو إنّه "لأوّل مرّةٍ منذ 43 عامًا، تحدّث ممثّلو إسرائيل مباشرةً مع ممثّلي لبنان". أراد من هذه العبارة أن يُسجّل اختراقًا سياسيًّا، وأن يقدّمه بوصفه جزءًا من تحوّلٍ في شكل التّعاطي بين الجانبين. لكنّ هذا "الاختراق" نفسه جاء محكومًا بسقفٍ إسرائيليّ واضح، لا مفاوضات من دون بقاء القوّة، ولا مسار سياسيّ من دون إبقاء اليد العسكريّة جاهزةً وممدودةً فوق الطّاولة.
ولذلك لم يكن تفصيلًا أن يختم نتنياهو بقوله: "إحدى يدَينا تمسك بالسّلاح، والأخرى ممدودةٌ للسّلام". هذه ليست عبارةً إنشائيّة، بل تلخيصٌ مكثّف للعقيدة الإسرائيليّة في المرحلة المقبلة، سلامٌ مشروطٌ بالتّفكيك، وتفاوضٌ يجري تحت التهديد، وهدنةٌ تُدار من موقع الغلبة لا من موقع التّسوية المتكافئة.
ورغم دخول الهدنة حيّز التنفيذ، سُجِّلت خروقاتٌ ميدانيّة منذ ساعاتها الأولى. فقد سجّل الجيش اللّبنانيّ قصفًا متقطّعًا لعددٍ من القرى الجنوبيّة، فيما أُفيد صباح اليوم بأنّ المدفعيّة الإسرائيليّة وإطلاق النّار الآليّ استهدفا كونين في قضاء بنت جبيل، ما أدّى إلى إصابة مسعفين من "الهيئة الصّحّيّة الإسلاميّة"، كما فجّرت القوّات الإسرائيليّة منازل في الخيام.
هذا يعني، ببساطةٍ شديدة، أنّ إسرائيل لا تتعامل مع وقف إطلاق النّار بوصفه التزامًا صارمًا بتجميد العمليّات، بل بوصفه مساحةً مرنةً تُبقي فيها لنفسها حقّ الاستنساب، وتستخدم فيها القوّة كلّما رأت أنّ ذلك يخدم تثبيت معادلتها الجديدة في الجنوب.
وفي تصعيدٍ سياسيٍّ لافت، رأت كتلة "الوفاء للمقاومة" أنّ السّلطة اللّبنانيّة أدخلت لبنان في مرحلةٍ جديدةٍ شديدة الخطورة على وجوده كوطنٍ سيّدٍ حرٍّ مستقلّ، وعلى وحدة أراضيه وسلامة شعبه وتماسكه الدّاخليّ ووحدته الوطنيّة، متّهمةً إيّاها بالخضوع للإملاءات الأميركيّة والذّهاب إلى خيار التّفاوض المباشر مع "العدوّ الصّهيونيّ"، خلافًا للإرادة الوطنيّة وتجاوزًا للميثاق الوطنيّ ومرتكزات القوّة في البلد.
واعتبرت الكتلة أنّ السّلطة "أوقعت البلد في شرٍّ عظيمٍ ومأزقٍ كبير"، من خلال امتثالها لإدارة واشنطن وخضوعها للإملاءات الإسرائيليّة، مشيرةً إلى أنّها تنكّرت لكلّ الالتزامات الّتي كانت قد أعلنتها شروطًا مسبقةً للدّخول في أيّ عمليّةٍ تفاوضيّة، وفي مقدّمتها وقف إطلاق النّار وانسحاب العدوّ من الأراضي المحتلّة. وأضافت أنّ السّلطة ذهبت إلى التّفاوض المباشر من دون تحقّق أيٍّ من هذين الشّرطين، معتبرةً أنّ العدوّ قابل هذا المسار بمزيدٍ من الاعتداءات والمجازر.
التزامٌ حذرٌ بالهدنة وتمسّكٌ بخيار المقاومة
في مقاربتها لوقف إطلاق النّار، أكّدت الكتلة الالتزام به "بحذر"، شرط أن يكون شاملًا لكلّ المناطق اللّبنانيّة، بما فيها المنطقة الحدوديّة، وأن يتضمّن إيقافًا للأعمال العدوانيّة وتقييدًا لحرّيّة حركة العدوّ، وأن يكون مقدّمةً للانسحاب الإسرائيليّ. واعتبرت أنّ الوصول إلى وقف إطلاق النّار تحقّق "بالدّرجة الأولى على خلفيّة الضّغوطات والاتّصالات الإيرانيّة"، مضيفةً أنّ حصر الهدنة بمهلة عشرة أيّام يهدف إلى "ابتزاز الحكومة اللّبنانيّة وتسريع مسار التّفاوضات المباشرة".
ولم يغب البعد التّعبويّ عن بيان الكتلة، إذ جدّدت تمسّكها بخيار "المقاومة" لمواجهة ما سمّته "التّغوّل والفجور الصّهيونيّ"، معتبرةً أنّ صمود الميدان، ولا سيّما في بنت جبيل، حال دون تمكّن إسرائيل من تثبيت صورة انتصارٍ حاسمٍ تُعوّض بها حجم إخفاقاتها. وفي هذا السّياق، قدّمت معركة بنت جبيل على أنّها نموذجٌ لصمودٍ أفشل محاولة تحقيق "إنجازٍ وهميّ"، ودفع إسرائيل، مرّةً جديدةً، إلى اللّجوء إلى التّدمير وسياسة الأرض المحروقة.
حديث عن مفاوضاتٍ مباشرةٍ بعد 43 عامًا لا يمكن فصله عن سياق الحرب والضّغط الميدانيّ. فحين يجري الانتقال إلى التّفاوض تحت وطأة الاحتلال النّاريّ، وداخل ظلّ منطقةٍ عازلةٍ قيد التثبيت، وعبر نصٍّ أميركيّ يمنح إسرائيل هامشًا واسعًا للمناورة، فإنّ المسألة لا تبدو تقدّمًا تفاوضيًّا بقدر ما تبدو انتقالًا من جبهة الحرب المفتوحة إلى جبهة فرض الشّروط.
وهنا تحديدًا تتكشّف العقدة الأساسيّة في المشهد كلّه، لبنان الرّسميّ يتعامل مع الهدنة بوصفها مدخلًا لوقف الحرب ثمّ انتزاع الانسحاب، أمّا إسرائيل فتتعامل معها بوصفها تثبيتًا لوقائعها العسكريّة وفتحًا لمسارٍ سياسيّ هدفه النّهائيّ نزع سلاح "حزب الله" وإعادة تشكيل البيئة الحدوديّة على قياس مصالحها الأمنيّة.
خلاصة المشهد أنّ إسرائيل، بعد وقف إطلاق النّار، لم تتراجع إلى ما وراء الحدود، بل ثبّتت معادلةً جديدة، "هدنةٌ فوق احتلالٍ عازل". فهي تحتفظ اليوم، برعاية النّصّ الأميركيّ أو على الأقلّ في ظلّ غموضه، بقدرة بقاءٍ عسكريّ داخل الجنوب، وبحقّ تفسير "الدّفاع عن النّفس" على نحوٍ فضفاض، وبمشروع ربط المحاور الغربيّ والأوسط والشّرقيّ ضمن نطاقٍ أمنيٍّ منزوع السكّان نسبيًّا ومفتوحٍ أمام النّيران والتوغّل.
أمّا لبنان، فيدخل الهدنة من موقع السّاعي إلى تثبيت وقف الحرب وانتزاع الانسحاب لاحقًا، لا من موقع من استعاد أرضه لحظة إعلانها. وبين مشهد الأهالي العائدين بلهفةٍ إلى بيوتهم، ومشهد الدبّابات الّتي ترسم "خطّ الفصل" بالنّار والتهديد، يتجلّى المعنى الحقيقيّ لليوم الأوّل، فرحٌ شعبيّ مشروع، لكن تحت سقف هدنةٍ هشّة، ومفاوضاتٍ تُدار على حافّة الإكراه، وجنوبٌ لم يخرج بعد من قبضة الحرب، بل دخل مرحلةً جديدةً من صراعٍ أشدّ تعقيدًا.




