حتى الآن، لم تُكسر إرادة القتال عند نتنياهو بالمطلق. زادت شهيته مع ارتحال قلق الصواريخ الإيرانية عن سماء وأرض إسرائيل. الرجل الذي شبّه دولته بإسبارطة من حيث طبيعتها العسكرية الدائمة، يحتاج إلى الحرب أكثر من أيَّة رغبة له في السلم، وهو الذي يعرف كيف يدخل الحروب ولا يعرف كيف ينهيها، كما يُقال عنه دائماً. سيحتاج إلى من يفرض نهايتها عليه فرضاً إذن.
على هذه القاعدة، لا يزال المشهد ملغوماً، وإن كان وقف إطلاق النار في قد حل، ذلكَ أنه حتى هذه اللحظة يبدو في العمق أنه هو، لا ترامب، المِحراك الأساس للمشهد. والمفاوضات الدائرة ليست سوى شكل آخر من أشكال الصراع، في لبنان أو في إيران، حتى وإن وصلت إلى نتيجة إيجابية كما تبدو عليه الأمور، رغم الظواهر الصوتية الصراعية الطابع التي يتناطح ترامب بها، منذ صرّح بأن الإيرانيين يستميتون من أجل الاتفاق، على عكس ما تخفيه الكواليس، وصولاً إلى سخريته وغضبه من البابا لاوون الرابع عشر، ومضيه قدماً في كسر كل المحرمات الدولية واللغة الأخلاقية أو الدبلوماسية.
لا شيء تغير في عقل الرّجل. هو المسيح المخلّص وإن أشعل العالم حروباً. يذكّرنا عالمه بعالم جورج أوريل في روايته ١٩٨٤، حيث تتوزع بنية السلطة على وزارات أربع، من بينها وزارة السلام المسؤولة عن إدارة الحروب المستمرة، ووزارة الحقيقة المسؤولة عن تزوير التاريخ. لا يفعل ترامب باضطراد سوى ذلك، ولهذا تقول نحال توسي في مجلة بوليتيكو أنه بات يواجه عالماً أكثر تحدياً له لأنه يتصرف ومساعديه وكأن معظم سكان الأرض مجرد "شخصيات غير لاعبة" في لعبة فيديو، لكن السياسة الخارجية وفقاً لقولها لها قوانين تماماً مثل قوانين نيوتن في الفيزياء، وكل فعل له ردة فعل. ومع ذلك فإن الإدارة الأميركية لا تظهر علامات تكيف أمام واقع أن هناك العديد من القوى في العالم باتت مستعدة لمعارضتها.
لكن وإن لم تكن علامات التكيف بادية في الأقوال والهرج والمرج الترامبي، فإن الأفعال بدأت تجري في مسار متراجع. يستخدم الرئيس الأميركي التصريحات كبدائل عن الحقائق، ويذهب إلى خياراتٍ شبه استعراضية يوحي بها بالنصر والتمكّن وأنه صاحب اليد العليا، من قبيل حصار هرمز، ويطلق جرس إنذار متجدد حول فشل المفاوضات بين الحين والآخر، فيما يعمل تحت الطاولة عكس ذلك. سيربط فرسه قريباً مع إيران ليترك الفرس الإسرائيلية كوكيل لا يملّ المشاغبة، وإن أظهر تعقّلاً مؤقتاً في الأيام العشرة القادمة. هو تفاؤلٌ في أن تفضي الهدنة إلى نتيجة، بغض النظر عن الضجيج الإعلامي حولها الواصل حدّ سيلٍ من الإغراق المُنهك للمتابع. أما أصحاب القرار، فهم يسيرون بخطى مدروسة وبصوت خافت. ولعلّ مردّ هذا التفاؤل على مستوى أميركا وإيران يعود منذ البداية إلى جملة من الأسباب والمؤشرات. من ضمنها ما يتعلق بشخص جي دي فانس الذي أصرّ الإيرانيون على اسمه. ووفق ما ورد في مقال للكاتب الصحفي جيمس بول في صحيفة "ذا نيو وورلد"، والذي عنونه بـ"العالم يحتاج إلى جي دي فانس الآن"، فإن من نقاط قوة فانس التزامه بمبدأ "الانعزالية الأمريكية" التي تتبنى مبدأ عدم التدخل في الصراعات الخارجية، فهو يمثل الجناح الذي يرى أن التورط في نزاعات الشرق الأوسط يشكل استنزافا لا طائل منه لموارد الولايات المتحدة. ويرى الكاتب أن الدافع الأقوى لفانس ليس إحلال السلام فقط بل حماية مستقبله السياسي لأنه بوصفه نائباً للرئيس الأمريكي يدرك أن طموحه للترشح للانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام ٢٠٢٨ بات على المحك بسبب الحرب. وقد وصف السيناتور الأميركي ليندسي غراهام جي دي فانس بأنه مهندس التنازلات لإيران.. أما دي فانس فكانت آخر تصريحاته أنّ ترامب لا يسعى إلى "اتفاق صغير" مع طهران بل إلى "صفقة كبرى"، وقال أن المحادثات أحرزت تقدما كبيراً.
هي محادثات استثنائية تعكس طريقاً غير مسبوق في التفاوض في تاريخ البلدين، إذ كانت تجري سابقاً بشكل غير مباشر، فيما جلس الطرفان وجهاً لوجه حتى الآن، وإن لم تجمعهما صورةٌ تتناقلها وسائل الإعلام. يبدو هذا وكأنه مطلب إيراني مقصود، فمنذ نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام ١٩٧٩ لا يوجد علاقات دبلوماسية بين البلدين، وأقصى ما وصلت إليه الحال هو اتصال هاتفي بين أوباما وروحاني إبان التفاوض على الاتفاق السابق، ثم لقاءات بين محمد جواد ظريف ووزير الخارجية الأميركي لاستكماله.
هذا الشكل لا يشي بمشهدٍ عادي وعابر. سيكون ثمة اتفاق في نهاية المطاف، إن لم يكن الآن فغداً، إذ أن العالم برمته ما عاد قادراً على تحمّل التكلفة، خصوصاً مع الكلام الصيني عن أن الصين ستتوقف عن تصدير حامض الكبريت في أيار/مايو القادم، وهو ما يعرف بدم الصناعة العالمية، لتنقل المشهد من حاجة الجميع إلى الطاقة إلى حاجة الجميع إلى المواد الأساسية. وكانت سبقت هذا الإجراء بتوقيف استيراد الفول السوداني من أميركا، ما أحدث أزمة حقيقية حينها. هذا يعني أن الصين تدخل كلاعب يزيد من الضغوطات العالمية علها تُسهم في حلحة ما، لا العكس. وهذا فضلاً عن ترقب العالم لحدث كأس العالم كما فريضة الحج اللذين أصبحا على الأبواب.
إسرائيل أمام هذا المشهد في مأزق. فإن تباعدت عن ترامب وتصرفت عكس التيار ستتحول عبئاً، وإن ربطت كل حركيتها السياسية بشخص ترامب ستتقمص صورته وتلبسها، وقد بات العالم لا يراها إلا على صورته. كيانٌ غارق في النرجسية وكسر كل القواعد والحُرمات. حتى داخل أميركا نفسها، بحسب آخر الإحصاءات، فإن ما يقارب الستين في المئة ينظرون إلى إسرائيل بسلبية تامة. صورتها تبدّلت. هي هكذا الحال أيضاً في أوروبا. مشهد سيتبدّى أكثر وأكثر مع الأيام، وسوف لن يثني نتنياهو ربما عن محاولات إفلاته من أجواء السلم، إذ كلّما تحسس أن العالم بات بيئة غير آمنة، وأن الإقليم صار إلى حريق، مضى قُدُماً وأغرق العالم معه بشكل مباشر أو غير مباشر، لا سيما وأن هناك اعتقادات اسرائيلية بأن الشرق الأوسط الجديد الذي استولد بعد الطوفان عاد قديماً بعد الحرب على إيران، حتى قال بعض المحللين الإسرائيليين إن إيران ستعود إلى سوريا لتدعم حزب الله وتهدد إسرائيل عن طريق الأراضي السورية التي تسيطر عليها تركيا شمال سوريا، مع تركيز على الشيطنة المستجدة الإسرائيلية لتركيا، وعلى رصد تقارب تركي إيراني تبدى أخيراً في إحدى أوجهه في مساعدات إغاثية من تركيا إلى إيران.
ومع أن ترامب أعلن عن وقف إطلاق نار بين لبنان واسرائيل لمدة عشرة أيام، لكن لا يزال المشهد غير حاسم. وبحسب مقال في صحيفة لوفيغارو الفرنسية فإن أي موعد تهدئة سيفتح المسؤوليات فوراً عن أحداث السابع من أكتوبر، وسيعيد إحياء محاكمة الفساد، وبالتالي فإن الخروج من الحرب سيبدو أكثر خطورة من الاستمرار بها. ولذلك فإن نتنياهو لا يزال حتى اللحظة يقدم نفسه حاميا للتهديدات الوجودية التي لم ولن تنتهي، وسيسعى لتجنب الانتخابات المزمع إجراؤها في أكتوبر القادم. ولهذا هو لم يدخل في مفاوضات مع الجانب اللبناني إلا تحت النار. وقد كتب تسفي برئيل في هآرتس أن "مقولة كارل فون كلاوزفيتش حول أن الحرب استمرار للسياسة تُقلب رأساً على عقب في سياق العلاقات بين إسرائيل ولبنان.. إسرائيل تصمم على إجراء المفاوضات تحت النار لضمان استمرار الحرب بينما تعتبر المكاسب السياسية والاستراتيجية هامشية.. وهي تنظر إلى حكومة لبنان كذراع تنفيذية هدفها الوحيد نزع سلاح حزب الله ومن ثم ضمان السلام في بلدات الشمال".
في سياقٍ كهذا، لا يبدو الحديث عن وقف إطلاق نار مؤقت في لبنان تفصيلاً تقنياً، بقدر ما يوحي بكونه جزءاً من إخراج مرحلي للمشهد. إذ يسمح هذا التوقف القصير لكل طرف بأن يثبت روايته: إيران بوصفها لم تتخلّ عن حزب الله، بغض النظر عن كيفية لعب ورقة الحزب في المفاوضات الإيرانية الأميركية، والسلطة اللبنانية بوصفها نجحت في تثبيت منطق التفاوض مع إسرائيل لوقف إطلاق النار، ورئيس مجلس النواب نبيه بري بوصفه قائداً للحل بعد أن أرسل موفده إلى السعودية (وهذا ما حاول عضو المجلس السياسي في حزب الله محمود قماطي الإيحاء به عندما طلب من الناس عدم العودة إلى قراهم إلا بعد صدور بيان رسمي من بري). فيما تسوّق الولايات المتحدة لذلك كإنجاز دبلوماسي يندرج في سياق تهدئة إقليمية أوسع. بل هي أيضاً مخرج لنتنياهو أمام كثر من شعبه ممن لا يرون في هذه الهدنة إلا تثبيتاً للإخفاق في تحقيق الأهداف الإسرائيلية. غير أن هذه التهدئة المؤقتة لبنانيا تعكس بالضرورة تحولاً في جوهر الصراع بقدر ما تمهّد لإعادة إنتاجه بأدوات مختلفة. فإسرائيل بقيادة نتنياهو هي على الأرجح غير معنية بإنهاء حالة الاشتباك بقدر ما تسعى إلى إدارتها، عبر نقل الضغط من مستوى الحرب المفتوحة إلى مزيج من الاستثمار السياسي في شروط سلام مقبول، والضغط العسكري المتدرّج الذي يبقي الساحة اللبنانية تحت استنزاف دائم، بهدف الوصول إلى النتيجة نفسها: نزع سلاح حزب الله، ولكن دون كلفة حرب شاملة. أي المشهد الذي كان سائداً ما بين الحربين. وهو ما أكد أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم على استحالة تكراره، ما يعني أن التعقيد اللبناني سيبقى مفتوحاً على ألغامٍ لا تضر بالمشهد العالمي والإقليمي، لكنها تجعل لبنان جاهزاً لإعادة الانفجار ما لم تصل كل مكوناته إلى حل داخلي شامل للأزمة البنيوية العاصفة به منذ زمن. ففي حين تتقاطع حسابات ترامب مع براغماتية التفاوض مع رغبة نتنياهو على إبقاء الجبهات مشتعلة بدرجات متفاوتة، سيبقى لبنان كما دائماً الحلقة الأضعف في معادلة أكبر منه، ما لم يتمكن داخلياً من إنتاج توازن جديد يخرجه من كونه ساحةً لتصفية الحسابات إلى كونه طرفاً فاعلاً في رسمها.




