الراعي من الجنوب: كفى حروبًا… السلام خيارُنا ورسالتُنا

المدن - سياسةالجمعة 2026/04/17
Image-1776414063
حجم الخط
مشاركة عبر

أطلق البطريرك المارونيّ بشارة الرّاعي، من بلدة القريّة في أولى محطّات جولته الرّعويّة في قضاء جزّين، موقفًا واضحًا وحاسمًا دعا فيه إلى "تثبيت السّلام ووقف دوّامة العنف"، مؤكّدًا أنّ "لبنان خلق ليكون وطن سلام، لا ساحة حروب".

وأعرب الرّاعي عن فرحه "ببدء فصلٍ جديد"، مشدّدًا على أنّ "وقف إطلاق النّار ضرورةٌ ملحّة، لأنّ الحرب لا تجلب إلّا دمارًا وقتلًا وعداوات"، لافتًا إلى أنّ "مشاهد عودة النّازحين إلى قراهم تعبّر عن توق اللّبنانيّين العميق إلى الاستقرار والطّمأنينة".

وأضاف أنّ "السّلام خير الله للإنسان"، داعيًا إلى "اعتماد لغة التّفاهم والحوار، لأنّ الله أعطانا قلبًا ولسانًا لنتفاهم ونتحاور"، معتبرًا أنّ "هذه هي رغبة جميع اللّبنانيّين في قرارة نفوسهم، وهي الطّريق الوحيد لبناء مستقبلٍ ثابت".

وأبدى أمله في "استمرار الجهود والمفاوضات الدّوليّة الهادفة إلى تثبيت الاستقرار"، مؤكّدًا أنّ "الإنسان في جوهره رجل سلام، وأنّ هذا السّلام عطيّةٌ من الله يجب الحفاظ عليها وتنميتها".

كما حيّا الحضور من وزراء ونوّاب ورؤساء بلديّات ومخاتير وأساقفة، موجّهًا رسالة محبّة مباشرة إلى أبناء المنطقة بالقول: "نحن معكم ونحبّكم"، مشدّدًا على أنّ هذا اليوم هو "يوم المحبّة والسّلام، وأنّ الصّلاة تبقى الأساس لترسيخ هذا النّهج في الحياة اليوميّة".

وختم بالتأكيد أنّ "ما يحمله اللّبنانيّون من إرادةٍ صادقةٍ وقلبٍ حيّ يشكّل رصيدًا حقيقيًّا لتثبيت وقف إطلاق النّار وبناء سلامٍ دائم، يعيد للبنان وجهه الحقيقيّ كأرض لقاء ورسالة".

 

إطلاق مشروع دعم ألف مزارع

ثمّ وصل الرّاعي إلى كفرفالوس عند السّاعة العاشرة والنّصف، في محطّةٍ إنمائيّة ضمن جولته في قضاء جزّين، حيث كان في استقباله رئيس منظّمة مالطا لبنان مروان صحناوي، والسّيّد فادي رومانوس، والأب خليل رحمة، إلى جانب فعّاليّاتٍ روحيّةٍ واجتماعيّة، في أجواءٍ ترحيبيّة عكست أهمّيّة الحدث ودلالاته.

وبعد صلاةٍ قصيرةٍ وتبريك المكان، أطلق، برعايته، مشروع دعم ألف مزارع في منطقة جزّين، في مبادرةٍ تهدف إلى تثبيت الأهالي في أرضهم وتعزيز الإنتاج الزراعيّ المحلّيّ.

وفي كلمته، شدّد البطريرك الرّاعي على أنّ "الأرض هي مصدر هويّتنا وقيمنا وأخلاقيّتنا"، معتبرًا أنّ العودة إليها ليست خيارًا اقتصاديًّا فحسب، بل "مسار خلاصٍ يعيد بناء الإنسان اللّبنانيّ على أسس الصّدق والإخلاص".

وأشاد بدور منظّمة مالطا، مؤكّدًا أنّها "تعيد الإنسان إلى سياسة الأرض"، حيث إنّ العلاقة الصّادقة مع الأرض "تثمر خيرًا وتعيد إحياء القيم".

ولفت إلى أنّ "الزّراعة تشكّل مدرسةً أخلاقيّةً في زمن الفساد"، داعيًا إلى "التّمسّك بها كطريقٍ لاستعادة الأصالة والجذور"، ومشيدًا بالمشاريع الصّحيّة والإنمائيّة التي تنفّذها المنظّمة في المنطقة.

كما جدّد دعوته إلى "تثبيت السّلام"، متمنّيًا أن "يستمرّ وقف إطلاق النّار، وأن تثمر المساعي الدّوليّة حلولًا دائمة"، مؤكّدًا أنّ "السّلام هو عطيّة الله للإنسان"، وأنّ اللّبنانيّين مدعوّون ليكونوا صانعيه.

وتندرج هذه المحطّة في إطار دعم الصّمود في المناطق الرّيفيّة، حيث تلاقت الكلمة الكنسيّة مع المبادرة الإنمائيّة في رسالةٍ واضحةٍ بأنّ البقاء في الأرض هو فعل إيمانٍ ورجاءٍ بمستقبلٍ أفضل.

وأشار بيانٌ للمنظّمة إلى أنّ زيارة الرّاعي جاءت "خلال جولته على القرى الجنوبيّة، في إطار دعم الصّمود في المناطق الرّيفيّة، حيث تلاقت الكلمة الكنسيّة مع المبادرة الإنمائيّة، في رسالةٍ واضحةٍ بأنّ البقاء في الأرض هو فعل إيمانٍ ورجاءٍ بمستقبلٍ أفضل".

ولفت البيان إلى أنّ "هذا اللّقاء يأتي كرسالة أملٍ بغدٍ أفضل، وتأكيدًا على إيمان منظّمة مالطا بلبنان، كلّ لبنان، وتمسّكها بخدمة اللّبنانيّين لتعزيز صمودهم وبقائهم في أرضهم".

 

صحناوي: اخترنا أن نكون إلى جانبكم

من جهته، قال رئيس منظّمة مالطا لبنان: "نحن هنا بقرارنا، اخترنا أن نكون معكم وإلى جانبكم اليوم، وغدًا وبعد غد". وأضاف: "وجودكم معنا اليوم هو ترتيلة صمودٍ وفرحٍ بالحياة وبأرضنا الغالية".

وأكد "استمرار منظّمة مالطا لبنان برسالتها لخدمة كلّ محتاجٍ من دون أيّ تمييز".

بدوره، رحّب رئيس اتّحاد بلديّات قضاء جزّين بسّام رومانوس بالرّاعي والقيادات الدّينيّة وممثّلي المجتمع المدنيّ، مشدّدًا على أنّ "هذه الزّيارة إلى الجنوب تحمل رسالة تضامنٍ ودعمٍ لأهله".

بعدها، وصل البطريرك الرّاعي إلى دير القطّين للآباء الأنطونيّين، حيث تحوّل اللّقاء من زيارةٍ رعويّة إلى موقفٍ وطنيّ جامع، شدّد فيه على "ضرورة إنهاء زمن الحروب والانتقال إلى مشروع سلامٍ حقيقيّ".

واستقبل الرّاعي عند وصوله، قرابة السّاعة الثانية عشرة إلّا ربعًا، من السّفير البابويّ المونسنيور باولو بورجيا، والرّئيس العامّ للرّهبنة الأنطونيّة الأباتي جوزيف أبو رعد، ورئيس الدّير الأب فيليمون سلوان، إلى جانب الآباء والرّهبان، في ديرٍ شكّل خلال الحرب ملاذًا إنسانيًّا استقبل عائلاتٍ نازحةً من مختلف المناطق الحدوديّة، من المسيحيّين والمسلمين، في صورةٍ حيّةٍ للعيش الواحد.

ووضع الرّاعي هذه التّجربة في صلب هويّة لبنان، مؤكّدًا أنّ "ما يجري في هذا الدّير ليس تفصيلًا عابرًا، بل صورةٌ حقيقيّةٌ عن لبنان الذي نريده: عائلةٌ واحدةٌ متنوّعة، تغتني من بعضها البعض".

وقال: "كفى حروبًا، لقد شبعنا قتلًا ودمارًا. نحن بحاجةٍ إلى أن نقلب الصّفحة ونبدأ مشروع السّلام".

وشدّد على أنّ "السّلام ليس خيارًا سياسيًّا فحسب، بل التزامٌ إنسانيّ وروحيّ"، قائلًا: "نحن أبناء السّلام، هكذا علّمنا الرّبّ، وهكذا يذكّرنا قداسة البابا، "طوبى لفاعلي السّلام، لأنّهم أبناء الله يدعون""، داعيًا إلى "ترجمة هذا النّداء في الحياة اليوميّة وبين اللّبنانيّين".

كما عبّر عن "تأثّره العميق بمشهد احتضان الدّير للنّازحين"، معتبرًا أنّ "ما قامت به الرّهبنة الأنطونيّة شهادةٌ حيّةٌ على أنّ الكنيسة بيتٌ لكلّ إنسان"، مشيدًا "بفتح أبواب الدّير أمام عائلاتٍ شيعيّةٍ ومسيحيّةٍ عاشت معًا بروح الأخوّة، متجاوزةً كلّ الانقسامات".

وأضاف: "أنتم أعطيتم صورة لبنان الحقيقيّة، صورة المحبّة التي تتخطّى الخوف، وصورة الإنسان الذي يفتح قلبه لأخيه"، معتبرًا أنّ "هذه المبادرة تختصر رسالة الكنيسة والوطن معًا".

وختم بالدّعوة إلى "تثبيت وقف إطلاق النّار"، متمنّيًا أن "يعود جميع النّازحين إلى بيوتهم بسلام"، مؤكّدًا أنّ "الرّجولة ليست في الحرب بل في السّلام، وأنّ المستقبل لا يبنى إلّا على المصالحة والمحبّة".

وتأتي هذه المحطّة لتؤكّد أنّ الجنوب، رغم جراحه، لا يزال قادرًا على أن يكون مساحة لقاء، وأنّ الكنيسة، من خلال حضورها، تواصل أداء رسالتها جسرًا بين النّاس، وحاملةً لرجاءٍ يتجاوز الألم نحو بناء وطنٍ يسوده السّلام.

 

دير مشموشة

ووصل موكب البطريرك المارونيّ إلى دير مشموشة التّابع للرّهبنة اللّبنانيّة، حيث استقبل الوفد في أجواءٍ كنسيّةٍ جامعة عكست عمق العلاقة بين البطريركيّة والرّهبنة في خدمة الكنيسة والوطن، وحضورها الفاعل إلى جانب النّاس في زمن المحن.

وفي كلمةٍ ترحيبيّة، ألقى الرّئيس العامّ للرّهبنة اللّبنانيّة الأباتي هادي محفوظ كلمةً باسمه وباسم رئيس الدّير الأب مارك سعادة، استهلّها بتوجيه التّحيّة إلى صاحب الغبطة والسّفير البابويّ، مثنيًا على حضورهما ومتابعتهما للأوضاع في المناطق المتضرّرة، ومقدّرًا الجهود المبذولة في مرافقة أبناء الكنيسة وخدمتهم في ظلّ الظّروف الصّعبة.

كما وجّه الأباتي محفوظ شكره إلى "أصحاب السّعادة السّابقين والحاليّين، وإلى القوى الأمنيّة، باسم الرّهبنة اللّبنانيّة، على تعاونهم ودعمهم في مختلف المحطّات، لا سيّما في هذه المرحلة الدّقيقة التي تمرّ بها البلاد"، مؤكّدًا أهمّيّة هذا التّكامل في مواجهة التّحدّيات.

وتوقّف عند انتخاب الأب سمير غاوي، ابن الرّهبنة اللّبنانيّة، رئيسًا لكاريتاس لبنان، موجّهًا له تهنئةً قلبيّة، ومشيدًا بالدّور الذي يقوم به، وبالعمل الإنسانيّ والاجتماعيّ الذي تضطلع به كاريتاس في مواجهة تداعيات الحرب والأزمة، معتبرًا أنّ هذه الرّسالة تعبّر عن وجه الكنيسة الحقيقيّ في خدمة الإنسان.

بدوره، وجّه الرّاعي كلمة شكرٍ إلى الرّئيس العامّ للرّهبنة اللّبنانيّة ورئيس الدّير، مثنيًا على حفاوة الاستقبال، ومميّزًا بين ما تقدّمه الرّهبنة من عطاءٍ روحيٍّ ثابت يشكّل الرّكيزة الأساسيّة لتثبيت الإنسان في إيمانه ورجائه، في مقابل كلّ ما يمرّ به الوطن من تحدّيات.

وجدّد اعتذاره عن التّأخير، عازيًا ذلك إلى الظّروف الميدانيّة ومشاهد عودة النّازحين، كما توجّه بالشّكر إلى الأب جورج، النّائب العامّ ومدبّر المنطقة، وإلى الرّهبان الآتين من مختلف المناطق، مشيدًا بحضورهم وخدمتهم المتواصلة ودورهم في مرافقة النّاس وتثبيتهم في أرضهم.

وطلب الرّاعي زيارة دير المخلّص في حنين، حيث يقيم الأب الحبيس يوحنّا خوند، في إشارةٍ إلى تقديره للحياة النّسكيّة التي تشكّل ركيزةً أساسيّةً في حياة الكنيسة ورسالتها.

كما حيّا الحضور من فعّاليّاتٍ سياسيّةٍ وعسكريّةٍ واجتماعيّة، مؤكّدًا أنّ الأديار يجب أن تبقى واحات سلامٍ وكرم، تحتضن الإنسان وتشكّل مساحة لقاءٍ ووحدةٍ في وجه الانقسامات.

وتوقّف البطريرك الرّاعي عند قدّيسي الرّهبنة اللّبنانيّة، مركّزًا بشكلٍ خاصّ على القدّيس شربل، "قدّيس لبنان"، حاملًا اسم الرّهبنة ورسالتها، مؤكّدًا أنّ الصّلاة له وللقدّيسين تعبّر عن إيمانٍ راسخٍ بأنّ لبنان محفوظٌ بشفاعتهم.

وأشار إلى أنّ اللّبنانيّين، رغم الأزمات المتلاحقة، لا يتركون وطنهم، بل ينهضون في كلّ مرّة، "وكأنّ يدًا خفيّةً ترفعهم"، معتبرًا أنّ هذه القوّة تنبع من الإيمان والجذور الرّوحيّة العميقة.

وختم بالصّلاة إلى القدّيس شربل وجميع قدّيسي لبنان، طالبًا أن تتوقّف "هذه الجلجلة" التي يعيشها الوطن، وأن تكون القيامة قريبة، في تعبيرٍ لاهوتيّ يربط بين الألم والرّجاء، ويؤكّد أنّ لبنان، رغم جراحه، يسير نحو فجرٍ جديد.

واختتم البطريرك الرّاعي زيارته إلى قرى جزّين بمحطّةٍ روحيّةٍ مؤثّرة في دير المخلّص، حنين، حيث التقى الحبيس يوحنّا خوند في وقفةٍ مباركةٍ جمعت الوفد المرافق.

وشكّلت الزّيارة لحظة صلاةٍ وتأمّل، عكست عمق الرّسالة الرّوحيّة، وختمت الجولة ببركةٍ ورجاءٍ لأبناء المنطقة.

 

انطلاق الجولة من بكركي 

وكان موكب البطريرك الرّاعي قد انطلق عند السّاعة السّابعة صباحًا من الصّرح البطريركيّ في بكركي، في زيارةٍ رعويّة إلى قرى قضاء جزّين، بمشاركة عددٍ من الأساقفة والكهنة وشخصيّاتٍ كنسيّةٍ ومدنيّةٍ وممثّلين عن مؤسّساتٍ إنسانيّةٍ واجتماعيّة.

وضمّ الوفد الأساقفة: راعي أبرشيّة صيدا المطران مارون عمّار، وراعي أبرشيّة أنطلياس المطران أنطوان أبو نجم، إلى جانب لفيفٍ من الكهنة، وأمين السّرّ العامّ في البطريركيّة المارونيّة الأب فادي تابت، ورئيس كاريتاس لبنان الأب سمير غاوي، ومدير مكتب الإعلام الرّقميّ في البطريركيّة المارونيّة الأب فريد صعب، وأمين السّرّ الخاصّ في البطريركيّة المارونيّة الأب كميليو مخايل، ومنسّق جهاز الأقاليم في كاريتاس الأب بسّام سعد، ومدير المعهد الفنّيّ الأنطونيّ ومرشد كاريتاس المتن الثّالث الأب شربل أبو عبود الأنطونيّ، ومرشد لجنة راعويّة الشّبيبة في البطريركيّة المارونيّة الأب جورج يرق.

كما شارك في الوفد رئيس الرّابطة المارونيّة مارون حلو مع أعضاءٍ من الرّابطة، ورئيسة المؤسّسة المارونيّة للانتشار روز الشويري مع أعضاءٍ من المؤسّسة، إلى جانب ممثّلين عن كاريتاس لبنان، ورئيس "الأوفر دوريون" في لبنان وسوريا فنسان جيلو مع أعضاءٍ من المؤسّسة، وممثّلة مؤسّسة "شورش إن نيد" شارلوت هاليه، وريتا سليمان من مؤسّسة "كنيوا" مع أعضاءٍ من المؤسّسة، وممثّلة المؤسّسة المارونيّة العالميّة للإنماء الشّامل باتريسيا صفير، وسيلين يزبك مع أعضاءٍ من مؤسّسة "هنا لبنان"، بالإضافة إلى نقيب المحامين عماد مارتينوس.

وشمل الوفد أيضًا ممثّلين عن الأجهزة الأمنيّة ووسائل الإعلام، وقد توجّه الموكب في محطّته الأولى نحو بلدة القريّة، في إطار برنامجٍ رعويّ وإنمائيّ يتضمّن لقاءاتٍ مع الأهالي والفعّاليّات المحلّيّة، والاطّلاع على أوضاع المنطقة واحتياجاتها، تأكيدًا لحضور الكنيسة إلى جانب أبنائها وتعزيز صمودهم في أرضهم.

كما انضمّ السّفير البابويّ باولو بورجيا إلى البطريرك الرّاعي في دير القطّين للرّهبنة الأنطونيّة في قضاء جزّين.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث