"بيروت آمنة وخالية من السّلاح" هي جملةٌ انبثقت في الآونة الأخيرة، بعد الاعتداءات الإسرائيليّة الّتي أودت إلى مجازر مروّعة في العاصمة بيروت، الّتي دخلت حينها إلى دائرة الاستهداف الإسرائيليّ المباشر. "بيروت آمنة وخالية من السّلاح" كان موقفًا سياسيًّا مكتمل العناصر، واختير أنّ يكون عنوان المؤتمر الذي عقده مجموعة من نواب بيروت (غالبية النواب باستثناء نواب الثنائيّ حزب الله وحركة أمل) العنوان أمنيّ، لكن المضمون سياسيّ بامتياز. الحضور النيابيّ المتنوّع، من قوى متخاصمة في ملفات أخرى، أعطى المؤتمر معنىً إضافيًّا: هناك قرارٌ بتجميع أكثرية نيابيّة بيروتيّة حول أولويّة واحدة، هي إعادة العاصمة إلى كنف الدّولة، وسحبها من أيّ استخدام عسكريّ أو أمنيّ خارج الشّرعيّة.
المشهد بحدّ ذاته كان لافتًا. نوّاب من خلفيّات متباعدة اجتمعوا تحت سقف واحد. أمّا الغياب الوحيد البارز، أي غياب نواب الثنائيّ، فكان بدوره رسالة معاكسة. فالمؤتمر، عمليًّا، رسم خطًّا سياسيًّا واضحًا داخل التمثيل البيروتيّ: أكثرية نيابيّة تقول إنّ العاصمة يجب أن تكون تحت سلطة الدّولة وحدها، في مقابل موقع سياسيّ واحد بقي خارج هذا الاصطفاف.
أكثرية بيروت تعيد تعريف الموقف
أهمّ ما في المؤتمر أنّه لم يقدّم مطلب "نزع السّلاح من بيروت" بوصفه مطلبًا فئويًّا أو استفزازيًّا. بل قدّم على أنّه مطلب سياديّ، دستوريّ، ومدنيّ في آن. وهذا فارق أساسيّ. الكلمات التي ألقيت، على اختلاف لهجاتها السياسيّة، اجتمعت على ثلاث ثوابت: إدانة الاعتداءات الإسرائيليّة، رفض زجّ لبنان في حرب لا قرار للدّولة فيها، والتّشديد على أنّ أمن بيروت لا يصان إلّا عبر الجيش والقوى الشّرعيّة.
هذه الصّياغة ليست تفصيلًا. هي محاولة واعية لسحب الملف من منطق الانقسام الأهليّ، ووضعه في إطار وطنيّ جامع. لم يذهب المجتمعون إلى خطاب ثأريّ، ولم يسقطوا في لغة الاصطفاف المذهبيّ. على العكس، حرصوا على تثبيت معادلة دقيقة: لا تساهل مع السّلاح خارج الشّرعيّة، لكن لا استهداف لطائفة، ولا تحميل لجمهور بأكمله مسؤوليّة خيار سياسيّ أو عسكريّ.
من هنا، بدا المؤتمر وكأنّه يردّ على احتمالين دفعة واحدة: احتمال الفوضى الأمنيّة، واحتمال الفتنة الداخليّة. ولذلك لم يكن تفصيلًا أن يتكرّر في الكلمات التّشديد على احتضان النازحين، وخصوصًا من البيئة الشّيعيّة، وعلى رفض التّحريض والشّغب وخطاب الكراهية.
دعمٌ واضح لنواف سلام
الرسالة السّياسيّة الأوضح في المؤتمر كانت الدّعم الصّريح لرئيس الحكومة نواف سلام. هنا لم يعد الكلام في العموميّات. عدد من النواب قالها مباشرة: المطلوب تحصين الحكومة، ورفض استهداف رئيسها، ودعمها في تنفيذ قراراتها. وهذا يعني أنّ المؤتمر لم يكن فقط دفاعًا عن بيروت، بل كان أيضًا توفير غطاء سياسيّ سنّيّ، ومسيحيّ، وعابر للاصطفافات، لرئيس حكومة يخوض معركة حسّاسة عنوانها بسط سلطة الدّولة.
في هذا الجانب، اكتسب المؤتمر وزنًا إضافيًّا. فحين يتلاقى نوّاب من "القوّات اللبنانيّة" و"الكتائب" و"التيّار الوطنيّ الحرّ" و"اللقاء الدّيمقراطيّ" ونوّاب تغييريّون ومستقلّون وشخصيّات من مشارب مختلفة على دعم رئيس الحكومة في ملف السّلاح، فهذا يعني أنّ نواف سلام لم يعد يتحرّك فقط بصفته رئيسًا لمجلس الوزراء، بل بصفته رأس خيار سياسيّ يجد من يحميه ويسنده داخل العاصمة.
هذا مهمّ لأنّ أيّ قرار من هذا النوع يحتاج إلى أكثر من مشروعيّة دستوريّة. يحتاج إلى حزام سياسيّ. والمؤتمر حاول أن يوفّر هذا الحزام. لذلك يمكن القول إنّ المجتمعين لم يكتفوا بتبنّي القرار، بل ذهبوا أبعد، إلى تبنّي رئيس الحكومة نفسه بوصفه المعبّر عن هذا القرار. وهذا ما ظهر بوضوح في البيان الختاميّ، وفي رفض "أيّ استهداف" للحكومة أو لرئيسها.
رسالة مزدوجة إلى "حزب الله"
الرسائل هنا كانت مدروسة. من جهة، المؤتمر قال بوضوح إنّ بيروت ليست ساحة مفتوحة لأيّ نشاط عسكريّ خارج الشّرعيّة. ومن جهة ثانية، تجنّب الذهاب إلى خطاب إقصائيّ ضدّ الشّيعة كطائفة أو ضدّ النّازحين إليها. هذه الازدواجيّة مقصودة. فهي تفصل بين الاعتراض على مشروع السّلاح، وبين العلاقات الأهليّة داخل المدينة.
بمعنى آخر، المؤتمر وجّه إلى "حزب الله" رسالة سياسيّة حادّة، لكنّه حرص على ألّا تتحوّل إلى رسالة عدائيّة ضدّ البيئة الشّيعيّة. وهذا ما يجعل الحدث مهمًّا. فبيروت تعرف خطورة أيّ انزلاق مذهبيّ. والنوّاب المجتمعون كانوا يدركون أنّ أيّ لغة غير محسوبة قد تطيح أصلًا بهدف المؤتمر.
لهذا السبب، بدا واضحًا أنّ هناك محاولة لتكريس معادلة جديدة: يمكن مواجهة السّلاح سياسيًّا، بلا تحويل الشّيعة إلى خصم داخليّ. ويمكن المطالبة بانتشار الجيش، مع فتح المدينة أمام النازحين لا في وجههم. ويمكن دعم الحكومة في مواجهة نفوذ "حزب الله"، من دون إنتاج مناخ حرب أهليّة.
هذه نقطة القوّة الفعليّة في المؤتمر. فكلّما نجح الخطاب السّياسيّ في الفصل بين "السّلاح" و"الطّائفة"، ارتفعت فعاليّته وازدادت شرعيّته.
بيروت كعاصمة لا كساحة
المؤتمر أعاد طرح سؤال العاصمة. ما هي بيروت اليوم؟ هل هي مجرّد مدينة مكتظّة ومنهكة؟ أم أنّها ما زالت مركز القرار وصورته؟ الكلمات أعادت تثبيت المعنى الثّاني. بيروت، بحسب المجتمعين، ليست حيّزًا جغرافيًّا فقط، بل عنوان فكرة لبنان نفسها: التّنوّع، الحرّيّة، الاقتصاد، والانفتاح. لذلك، فإنّ أمنها ليس شأنًا محليًّا، بل شأنًا وطنيًّا.
هذه المقاربة تحمل خلفيّة سياسيّة عميقة. فحين يقال إنّ "بيروت خالية من السّلاح"، فالمقصود ليس فقط إزالة مظاهر مسلّحة. المقصود استعادة المدينة إلى وظيفتها الأصليّة: عاصمة للدّولة لا صندوق بريد للمحاور، ولا نقطة تماسّ بين الإقليم والداخل. وهذا ما يفسّر الإلحاح على الجيش، وعلى حواجز شرعيّة، وعلى تدابير استثنائيّة، وعلى إمكان الذهاب إلى التعبئة العامّة ضمن المحافظة إذا لزم الأمر.
إنّه انتقال من الشّعار إلى مطالبة بتنفيذ. وهذا ما يمنح المؤتمر قيمة عمليّة. فالبيان الختاميّ لم يكتف بالتّشخيص، بل اقترح آليّات متابعة وضغط وتنسيق مع الحكومة. أي أنّ النوّاب أرادوا القول إنّهم لا يطلقون موقفًا إعلاميًّا ثم ينسحبون، بل يفتحون مسارًا سياسيًّا قابلًا للمواكبة.
في الحسابات الأعمق، نجح المؤتمر في تحقيق هدفين متلازمين. الأوّل، منح قرار حصر السّلاح غطاءً وطنيًّا عريضًا داخل بيروت. والثّاني، عزل الرّافضين لهذا المسار سياسيًّا داخل العاصمة. غياب أمين شرّي لا يقرأ هنا كتفصيل بروتوكوليّ. إنّه يثبت أنّ "حزب الله" خارج هذا التّوافق، وأنّ أكثرية التّمثيل البيروتيّ اختارت التموضع في الجهة المقابلة.
لكنّ الأهمّ أنّ هذا العزل لم يقدّم بصيغة كسرٍ داخليّ. بل بصيغة دعوة إلى الالتحاق بالدّولة. وهذا فارق بالغ الحساسيّة. فالمؤتمر لم يرفع شعار الغالب والمغلوب. حتّى النقاط الأكثر حدّة، كما في كلام نديم الجميّل أو إبراهيم منيمنة، بقيت ضمن سقف الدّولة والحكومة والجيش. أمّا الكلمات الأكثر هدوءًا، كما عند نقولا الصّحناوي أو إدغار طرابلسي أو بولا يعقوبيان، فقد أدّت وظيفة التّوازن ومنعت انزلاق الخطاب إلى التّوتير.
إعلان اصطفاف جديد في العاصمة
في المحصّلة، لم يكن مؤتمر "بيروت آمنة وخالية من السّلاح" مجرّد وقفة تضامنيّة مع العاصمة. كان إعلان اصطفاف سياسيّ جديد فيها. اصطفاف يقول إنّ بيروت تريد الدّولة، وتريد الجيش، وتريد حكومة قويّة، وتريد نواف سلام محصّنًا في معركته. ويقول أيضًا إنّ حماية النازحين، وخصوصًا من الطّائفة الشّيعيّة، جزء من حماية المدينة نفسها، لا تناقضًا معها.
هذا هو جوهر الرسالة. لا أمن بلا دولة. لا دولة مع سلاحٍ موازٍ. ولا استقرار مع فتنة. لذلك حاول المؤتمر أن يجمع بين الحزم والاحتواء، بين السيادة والسّلم الأهليّ، وبين دعم الحكومة وحماية النّسيج البيروتيّ.
مقرّرات المؤتمر
وبعد التداول في المستجدات الأمنية والسياسية، صدر عن المجتمعين البيان الآتي:
أولًا، يدين المجتمعون الاعتداءات الإسرائيلية التي طالت الأراضي اللبنانية، وصولًا إلى العاصمة بيروت، والتي أوقعت مئات الضحايا من المدنيين. ويؤكدون رفضهم زجّ لبنان في حرب لا علاقة له بها، مطالبين ببسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وفقًا لأحكام الدستور اللبناني والقرارات الدولية.
ثانيًا، في ظل الضغوط المتزايدة التي تواجهها العاصمة نتيجة موجات النزوح القسري، يشدد المجتمعون على ضرورة التمسك بالدور التاريخي لأهالي بيروت في احتضان الوافدين إليها، بما يحفظ كرامة الجميع وأمنهم، ويصون النسيج الاجتماعي. كما يؤكدون رفضهم لأعمال التحريض والشغب والتخريب، وتمسكهم المطلق بالوحدة الوطنية ونبذ الفتنة وخطاب الكراهية.
ثالثًا، يؤكد المجتمعون دعمهم الكامل لقرارات الحكومة الرامية إلى بسط سيادة الدولة، وتعزيز حصرية قراري الحرب والسلم بيد السلطة اللبنانية، وسائر القرارات المرتبطة بحصر السلاح بيد القوى الشرعية وحدها دون سواها. كما يشددون على رفض أي استهداف، في هذا السياق، للحكومة أو لرئيسها الدكتور نواف سلام، الذي يعبّر عن قرارات مجلس الوزراء مجتمعًا.
رابعًا، يؤيد المجتمعون قرار السلطة الإجرائية، المتمثلة برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومجلس الوزراء مجتمعًا، إعلان بيروت مدينة خالية من السلاح، ويدعون إلى تنفيذ انتشار أمني فعّال وشامل للجيش اللبناني والقوى الأمنية، بما يضمن حماية المواطنين، ويمنع وجود أي سلاح خارج الشرعية أو أي إخلال بالاستقرار.
وانطلاقًا من ذلك، يطالب المجتمعون الحكومة باتخاذ خطوات عملية تعزز الاستقرار وتطمئن أهالي العاصمة والنازحين إليها، ولا سيما ما يأتي:
- الشروع في تنفيذ القرارات التي سبق للحكومة أن اتخذتها، بما قد يصل إلى إعلان حال التعبئة العامة ضمن محافظة بيروت، وذلك وفقًا لأحكام الدستور وقانون الدفاع الوطني.
- تبعًا لذلك، اعتماد تدابير استثنائية، وإن كانت محددة زمانًا ومكانًا، تهدف إلى ضبط الأمن، وتنظيم الانتشار العسكري، ومنع المظاهر المسلحة خارج إطار الشرعية، وفق الآليات القانونية النافذة.
- تشديد التدابير الرامية إلى حماية المرافق الحيوية وسائر المرافق الرسمية الأساسية، وضمان استمرارية عملها، وتجنيبها أي تعطيل.
- التشدد في تنفيذ التدابير القانونية الكفيلة بضمان الأمن والاستقرار والسلامة العامة، بما يحفظ طمأنينة أهالي العاصمة وسكانها وكل من يقيم فيها أو نزح إليها.
- العمل على الحد من أي مخاطر محتملة تمس أمن العاصمة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لاستباق أي تهديد قد يطال سكانها نتيجة وجود عناصر مستهدفة بين المدنيين، ومنع أي تجمعات استفزازية أو مخالفة للقانون، وأي عمل آخر مخلّ بالأمن، بما يعزز سلطة الدولة وهيبة القانون.
- دعوة الحكومة إلى الإسراع في وضع خطة تنفيذية واضحة لهذه المقررات، والمباشرة بتطبيقها في أقصر مهلة زمنية ممكنة، بما ينسجم مع مقتضيات الوضع الأمني وحاجات العاصمة.
- تشكيل إطار متابعة من بين المجتمعين للتنسيق مع الحكومة، بهدف مواكبة تنفيذ هذه المقررات وضمان حسن تطبيقها.
- دعوة الهيئات الاقتصادية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني إلى مؤازرة هذه الجهود، من خلال وضع إمكاناتها بتصرف الحكومة، بما يعزز الشراكة الوطنية ويحصّن الوحدة الوطنية في حماية العاصمة.
وفي الختام، يؤكد المجتمعون أن حماية بيروت، من خلال العمل الجاد على تثبيت الأمن والاستقرار فيها، هي مسؤولية وطنية جامعة تستوجب تضافر الجهود الرسمية والشعبية، صونًا لكرامة أبناء المدينة وسكانها وأمنهم، وكل من نزح إليها على حد سواء.




