ما كتبه دونالد ترامب عبر "تروث سوشيال"، صباح اليوم، كان محاولة أميركيّة حقيقيّة لإحداث زلزالٍ يحطّم قواعد الاشتباك السّياسيّ التّقليديّة في لبنان. لكنّ محاولة واشنطن ترتيب اتّصالٍ ثلاثيٍّ يجمع الرّئيس جوزاف عون وبنيامين نتنياهو برعاية ماركو روبيو، وضعت قصر بعبدا في عين العاصفة، وكشفت عن عمق الاختلاف حول سبل النّجاة بين السّلطة التّنفيذيّة، ممثّلةً بعون والرّئيس نواف سلام من جهة، والثّنائيّ الشّيعيّ في المقابل. لكن ترامب اتصل بعد ظهر اليوم بعون. وخلال الاتصال، جرى تشديد من جانب ترامب على التزامه تلبية الطلب اللبناني وقف النار، ودعم عون. لكن المصادر اللبنانية لم تشر إلى أن الرئيسين ناقشا مسألة الاتصال الثلاثي.
الاستنفار الذي شهده قصر بعبدا اليوم، وإلغاء المواعيد الرّئاسيّة، يؤكّدان أنّ العرض الأميركيّ كان جدّيًّا. ففيما يرى عون وسلام أنّ الواقعيّة السّياسيّة تفرض التّقاط أيّ طوق نجاة لوقف تدمير ما تبقّى من البلد، جاء "الفيتو" الحاسم من الرّئيس نبيه برّي، الذي اتّصل به اليوم نظيره الإيرانيّ محمّد باقر قاليباف، ليذكّر بأنّ مفاتيح التّفاوض لا تزال مرتبطةً عضويًّا بالميدان وبالمحور الإقليميّ، أي إيران. وواضحٌ أنّ نفي بعبدا لإمكان حصول محادثةٍ مباشرة شكّل "تراجعًا اضطراريًّا" أمام خطر انفجارٍ داخليٍّ قد يسبق أيّ اتّفاقٍ مع الخارج.
ردّ إسرائيل جاء قاسيًا وفوريًّا، وتجلّى بنوعٍ من "السّاديّة العسكريّة" جنوبًا. فرفعت وتيرة الضّربات وجعلتها أكثر إيلامًا وتدميرًا للبنى التّحتيّة. وهذه رسالةٌ بالبارود إلى السّلطة التّنفيذيّة اللّبنانيّة: إمّا الرّضوخ للمطالب القاسية، أي المنطقة العازلة ونزع السّلاح، وإمّا تحمّل المسؤوليّة عن تحوّل لبنان إلى "غزّة ثانية" جغرافيًّا وديموغرافيًّا. وفي الأساس، قرّرت إسرائيل أن تفاوض الدّولة اللّبنانيّة، مستخدمةً أشلاء القرى والبلدات أوراق ضغطٍ على طاولة التّفاوض. وجرى اليوم تسريب معلوماتٍ جديدةٍ في إسرائيل عن احتمال البدء بوقف نارٍ هذه اللّيلة، لكنّ التّجارب السّابقة تشير إلى أنّ إسرائيل تستخدم عنوان وقف النّار للمناورة سياسيًّا، لا أكثر.
فالإشكاليّة الكبرى في لبنان تكمن في أنّ طرفي النّزاع، إسرائيل وإيران، ليسا في وارد التّراجع. تلّ أبيب تريد "شرقًا أوسط جديدًا" يبدأ من حدودها الشّماليّة، وطهران ترى في السّاحة اللّبنانيّة خطّ الدّفاع الأخير عن نفوذها الإقليميّ على طاولة الصّفقات الكبرى مع ترامب. وبين هذين الإصرارين، يجد لبنان نفسه "أرجوحةً" في مهبّ الرّيح، حيث تراهن الدّولة اللّبنانيّة على معجزة: انتزاع وقف نارٍ من إسرائيل التي لا تشبع من النّار، ومن إيران التي لا ترى في وقف القتال الآن إلّا انكسارًا استراتيجيًّا.
وهكذا، يقف لبنان عاجزًا عن الاختيار. وسلطته التّنفيذيّة محاصرةٌ فعلًا: رفض التّفاوض يعني منح إسرائيل التّفويض المفتوح لاستكمال تدمير البلد واحتلال المزيد من الأرض، فيما القبول بالشّروط الإسرائيليّة يعني الوقوع في الفخّ وخلق مبرّراتٍ للتّصادم في الدّاخل.
اتّصال روبيو ولا خطّ مع نتنياهو
في الوقائع المباشرة، انتهى اتّصال وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو بالرّئيس جوزاف عون إلى تثبيت موقفٍ لبنانيّ واضح: لا تواصل مع نتنياهو، ولا غطاء رسميًّا لأيّ صورةٍ من صور التّطبيع السّياسيّ المباشر تحت النّار. بعبدا حاولت أن تمسك العصا من الوسط، فشكرت واشنطن على جهودها لوقف إطلاق النّار، لكنّها في الوقت نفسه رسمت خطًّا أحمر أمام الانتقال من الوساطة إلى الاتّصال المباشر مع رئيس حكومة الاحتلال.
البيان الصّادر عن القصر الجمهوريّ تعمّد لغةً دبلوماسيّةً هادئة، تشكر المساعي الأميركيّة وتثمّن الدّعم، من دون أن يمرّر أيّ اعترافٍ ضمنيّ بما روّج له ترامب أو بما سرّبته وسائل إعلام أميركيّة وإسرائيليّة عن اتّصالٍ مرتقب بين عون ونتنياهو. وبعد البيان، جاءت التّسريبات اللّبنانيّة إلى "رويترز" وغيرها لتقفل الباب نهائيًّا، وتؤكّد أنّه "لا توجد أيّ مكالمةٍ مقرّرة بين عون ونتنياهو في المستقبل القريب".
هذا النّفي لم يكن مجرّد توضيح، بل كان عمليّة امتصاصٍ داخليّ للأزمة. فالمشكلة لم تكن فقط في شكل الاتّصال، بل في رمزيّته وتوقيته ومعناه: هل يدخل لبنان، تحت وطأة الحرب، إلى مفاوضةٍ مباشرةٍ مع إسرائيل، أم يبقي باب التّفاوض محصورًا بالوسطاء؟
بعبدا بين الواقعيّة الرّئاسيّة و"الفيتو" الدّاخليّ
المشهد في بعبدا عكس بوضوح أنّ الرّئاسة الأولى ليست في موقع الممانعة المبدئيّة لأيّ جهدٍ يفضي إلى وقف الحرب، بل في موقع من يعرف أنّ استمرار النّزف قد يسقط ما تبقّى من هيبة الدّولة وبنيتها. من هنا، بدا جوزاف عون، ومعه نواف سلام، أكثر ميلاً إلى البراغماتيّة السّياسيّة، لا من باب القبول بإملاءات إسرائيل، بل من باب البحث عن نافذةٍ تمنع الانهيار الكامل.
لكنّ هذه الواقعيّة اصطدمت سريعًا بالسّقف الّذي رفعه نبيه برّي. فالرّجل لا ينظر إلى الملفّ بوصفه تفصيلًا لبنانيًّا داخليًّا، بل بوصفه عقدةً إقليميّةً تتشابك فيها إيران، وحزب الله، وموازين الميدان، ومفاوضات واشنطن الأوسع. واتّصال محمّد باقر قاليباف ببرّي لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًّا، بل إشارةً سياسيّةً مكثّفة: القرار لم ينفصل بعد عن المحور، ومفتاح الحرب كما مفتاح التّهدئة لا يزالان موزّعين بين الضّاحية، وعين التّينة، وطهران.
هنا تحديدًا ظهر التّباين اللّبنانيّ في أكثر صوره حرجًا. رئيس الجمهوريّة يريد حماية الدّولة من الانهيار، ورئيس الحكومة يسعى إلى تثبيت موقع السّلطة التّنفيذيّة كمرجعيّةٍ للقرار، فيما الثّنائيّ الشّيعيّ يرفض أن يتحوّل وقف النّار إلى مدخلٍ لشطب موازين القوى التي أنتجتها الحرب أو لإخراج لبنان من معادلة الاشتباك الإقليميّ بشروطٍ أميركيّة وإسرائيليّة.
ترامب يعلن: ولبنان يرتبك
إعلان ترامب عن اتّصالاتٍ مرتقبة بين لبنان وإسرائيل لم يخلق اختراقًا بقدر ما فجّر ارتباكًا. فالرّجل تصرّف بعقلية "الضّربة الإعلاميّة" التي تسبق الوقائع، كأنّه أراد أن يفرض حدثًا قبل أن يكتمل، وأن يدفع جميع الأطراف إلى التّعامل معه كأمرٍ واقع. لكنّ لبنان ليس ساحةً يمكن إدارتها بمنشورٍ على "تروث سوشيال"، لأنّ أيّ خطوةٍ من هذا النّوع تمرّ فورًا عبر حقول ألغام داخليّة وطائفيّة وإقليميّة.
ما جرى فعليًّا أنّ واشنطن حاولت اختبار إمكان فتح خطٍّ ثلاثيّ، يضمّ روبيو وعون ونتنياهو، على غرار أسلوب الرّعاية الأميركيّة للمفاوضات غير المباشرة. لكنّ التّسرّع الأميركيّ في التّسويق، والتّهويل الإسرائيليّ في الإعلام، دفعا بعبدا إلى الانكفاء، ليس فقط رفضًا للاتّصال، بل خوفًا من أن يتحوّل القصر الجمهوريّ إلى ساحة اشتباكٍ داخليّ قبل أن يصبح منصّة تفاهمٍ خارجيّ.
ولذلك، فإنّ نفي بعبدا لم يكن نفيًا تقنيًّا فحسب، بل تصحيحًا سياسيًّا للمسار. ذلك أنّ أيّ قبولٍ لبنانيٍّ بمكالمةٍ من هذا المستوى، تحت القصف وفي ظلّ شروط إسرائيل المعلنة، كان سيقرأ في الدّاخل على أنّه تنازلٌ سياديٌّ أكثر منه اختراقًا دبلوماسيًّا.
إسرائيل تفاوض بالنّار لا بالدّبلوماسيّة
على الضّفّة المقابلة، لا تبدو إسرائيل في وارد تقديم هديّةٍ سياسيّةٍ مجّانيّة. هي تفاوض، نعم، لكن ليس عبر الدّبلوماسيّة الكلاسيكيّة، بل عبر القصف والتّدمير ورفع كلفة الرفض على الدولة اللبنانية. كلّ ما تسرّب من تلّ أبيب يؤكّد أنّها لا تريد وقفًا صافياً لإطلاق النّار، بل وقفًا مشروطًا يعيد رسم الجنوب سياسيًّا وعسكريًّا.
الشّروط الإسرائيليّة باتت شبه معلنة: منطقة عازلة حتّى الليطاني، حرّيّة عملٍ عسكريٍّ مفتوحة داخل الأراضي اللّبنانيّة تحت عنوان إزالة "التهديدات"، ومسارٌ طويل الأمد لنزع سلاح حزب الله بإشرافٍ أميركيّ. وبمعنى أكثر مباشرة، تريد إسرائيل أن تفرض على لبنان معادلةً تقول إنّ السّيادة تقاس بمدى قابليّة الدّولة لتنفيذ متطلّبات الأمن الإسرائيليّ.
ومن هنا يمكن فهم الازدواجيّة الإسرائيليّة: الحديث عن وقف ضرب العمق اللّبنانيّ من جهة، والإصرار على استمرار العمليّات حتّى نهر اللّيطاني من جهةٍ أخرى. إنّه ليس وقفًا للحرب بقدر ما هو إعادة تموضعٍ لها، بحيث تنتقل من طور القصف الشّامل إلى طور الاحتلال الأمنيّ المقنّع.
وقف نارٍ أم إعادة إنتاج للاحتلال؟
السّؤال الحقيقيّ ليس ما إذا كان وقف النّار قريبًا، بل أيّ وقف نارٍ يحضّر للبنان. فحين تربط إسرائيل انسحابها، أو تخفيف عمليّاتها، بنزع سلاح حزب الله، وبمنحها هامش تدخّلٍ دائمٍ جنوب اللّيطاني، فهي لا تقدّم تسويةً بل مشروع وصايةٍ أمنيّةٍ طويلة الأمد.
المعطيات المتداولة عن اجتماعٍ مرتقب بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، لبحث ترسيم الحدود والجوانب الاقتصاديّة والمدنيّة لأيّ اتّفاقٍ محتمل، لا يمكن فصلها عن هذا المسار. فتلّ أبيب تحاول استثمار النّار لتحصيل مكاسب سياسيّة، وواشنطن تحاول ترجمة التّفوق العسكريّ الإسرائيليّ إلى ترتيباتٍ جديدة، فيما لبنان يفاوض من موقع المنهك لا من موقع الشّريك المتكافئ.
لذلك، فإنّ الحديث عن تهدئةٍ لأسبوعين أو أكثر لا يكفي بحدّ ذاته. العبرة ليست في مدّة الهدنة، بل في الثّمن الذي سيدفع بعدها، وفي ما إذا كانت ستتحوّل إلى بوّابةٍ لفرض شروطٍ تتجاوز وقف القتال إلى إعادة تعريف وظيفة الدّولة وحدود القرار فيها.
الجنوب تحت الحديد والنّار
ميدانيًّا، بدا ردّ إسرائيل على الرّفض اللّبنانيّ واضحًا: مزيدٌ من النّار. الجنوب والبقاع كانا مسرحًا لغاراتٍ عنيفةٍ ومتلاحقة، في رسالةٍ تقول إنّ الاعتراض السّياسيّ يدفع ثمنه على الأرض. النّبطيّة تعرّضت لـ"حزامٍ ناريّ" استهدف محيط المدينة الصّناعيّة ومناطق حيويّة داخلها وحولها، كما طاول القصف كفررمان، وأرنون، وعبّا، ويحمر الشّقيف. وفي البقاع، استهدفت مسيّرةٌ إسرائيليّة سيّارةً على طريق ضهر البيدر، ما أدّى إلى إصابات.
وفي الجنوب الأعمق، كانت بنت جبيل على موعدٍ جديد مع الاشتباكات العنيفة وعمليّات النّسف الواسعة للمنازل عند المداخل والأسواق. أمّا جسر القاسميّة، فشكّل تدميره إشارةً إضافيّةً إلى أنّ إسرائيل لا تستهدف فقط المقاتلين، بل أيضًا شرايين الحياة والعبور والاتّصال بين المدن والقرى. هذه ليست حربًا على جبهةٍ محدّدة، بل سياسة تفكيكٍ منهجيّ للبنية التّحتيّة والمجال الحيويّ اللّبنانيّ.
كما طاولت الغارات فرقًا إسعافيّةً ومرافق مدنيّةً ومنازل، ما رفع حصيلة الضّحايا من المدنيّين والمسعفين، وأعاد تثبيت حقيقةٍ ثابتة في هذه الحرب: إسرائيل لا تستخدم فائض القوّة للضغط العسكريّ فقط، بل لإنتاج صدمةٍ اجتماعيّةٍ ونفسيّةٍ عميقة تدفع المجتمع والدّولة معًا نحو حافّة الانكسار.
المشهد، في جوهره، مفتوحٌ على احتمالين متوازيين: تصعيدٌ ميدانيٌّ تفرضه إسرائيل بالنّار، ومسارٌ سياسيٌّ لم ينضج بعد، تديره اتّصالاتٌ دوليّةٌ وإقليميّةٌ كثيفة. غير أنّ الأخطر من الاحتمالين معًا هو أن يدفع لبنان إلى الاختيار بين سيّئين: إمّا حربٌ مفتوحةٌ تستنزف الحجر والبشر، وإمّا تسويةٌ مفخّخةٌ تشرعن التّدخّل الإسرائيليّ وتفجّر التّوازنات الدّاخليّة.
لهذا، لا يكفي أن يرفض بعبدا الاتّصال، ولا يكفي أن تعلن واشنطن حرصها على التّهدئة، ولا يكفي أن تلمّح إسرائيل إلى وقفٍ مشروطٍ للنّار. المطلوب في لبنان، قبل أيّ شيء، قرارٌ واضحٌ حول طبيعة الدّولة التي يريدها: دولة تفاوض من موقعٍ موحّد، أم ساحةٌ تتنازعها خطوط الهاتف الخارجيّة قبل أن تتقاسمها الصّواريخ.
في الخلاصة، "هاتف بعبدا" لم يُفتح على نتنياهو، لكنّ الرّدّ الإسرائيليّ جاء صاخبًا بالصّواريخ، وبإشهار مشروع التّوسّع جنوبًا بلا مواربة. وبين صمت الهاتف وضجيج الميدان، يتأكّد مرّةً جديدة أنّ لبنان لا يعيش أزمة اتّصال، بل أزمة قرار، وأزمة مرجعيّة، وأزمة دولةٍ تراد لها أن توقّع تحت النّار ما عجزت الحرب عن فرضه بالكامل.




