في خضمّ اشتعال المنطقة، وحيث يفرض الميدان إيقاعه، تحاول السّياسة توفير الحدّ الأدنى من الحياة، بدءًا من مفاوضات إسلام آباد، حيث انتهت الجولة الأولى من المحادثات بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإيران من دون اتّفاق. وفي ظلّ ترقّب جولة ثانية، تفتح قنوات التفاوض بين لبنان وإسرائيل في سابقة هي الأولى من نوعها تحت النار، وعلى وقع التّصعيد داخل لبنان.
حول آخر المستجدّات والأحداث، تحاور "المدن" فارس بويز، وزير الخارجيّة اللّبنانيّ الأسبق. في الوقت المستقطع بين نارٍ تتقدّم ومفاوضاتٍ تتعثّر، تتداخل المسارات وتضيق هوامش المناورة، فيما تبقى المنطقة على حافّة احتمالاتٍ مفتوحة، فهل تسبق التّسويات الانفجار الكبير؟ أم يسبق الانفجار كلّ تسوية؟ وهنا وقائع المقابلة:
- عاصرت مراحل مهمّة واستثنائيّة في تاريخ هذه الجمهوريّة والشّرق الأوسط، كيف تنظر اليوم إلى خريطة الشّرق الأوسط في ظلّ الصّراعات المشتعلة؟
ما نشهده بالغ الخطورة، وقد يضع العالم على شفير انفجارٍ كبير، في ظلّ صراعٍ أميركيّ صينيّ يتجاوز الاقتصاد وقد يمتدّ إلى السّياسة والعسكر. فواشنطن تسعى إلى كبح صعود بكين عبر التّحكّم بالطّاقة والمعابر الدّوليّة والمعادن النّادرة، ومن هنا تبدو إيران جزءًا من هذا الصّراع، بوصفها مصدرًا للطّاقة وموقعًا مؤثّرًا في هذه المواجهة.
أمّا المفاوضات، فمأزقها أنّ الأطراف الأساسيّين جميعهم ضعفاء داخليًّا. ترامب يحتاج إلى انتصار، ونتنياهو يحتاج إلى إنجازٍ تاريخيّ، وإيران تحتاج إلى ما يبرّر لشعبها كلفة أزمتها. لذلك، لا تبدو التّنازلات ممكنة، ولهذا لا أرى أفقًا واعدًا لهذه المفاوضات.
- الرّئيس الأميركيّ كان يهدّد بمحو الحضارة الإيرانيّة وتدمير إيران، وفي الوقت نفسه يبدو الإيرانيّون أصحاب نفسٍ طويل. أفهم منك أنّنا قد نرى الاقتتال من جديد؟
إيران تعلم أنّها دولة واسعة المساحة وغنيّة بالموارد، لكنّ المسألة ليست مسألة صبرٍ فقط، بل مسألة صمود. في الثّقافة الإيرانيّة فلسفة تقوم على الانتظار والصّبر والمواجهة، من الموروث الشّيعيّ، من انتظار الإمام المهديّ إلى استشهاد الحسين في كربلاء. لذلك فالصّمود هناك ليس ظرفيًّا بل جزء من البنية الثّقافيّة والسّياسيّة.
- برأيك، ما الممكن في ظلّ هذه المعركة؟
هذه ليست معركة السّلاح النّوويّ فقط، بل معركة اقتصاديّة أيضًا، وأصبح مضيق هرمز عنوانًا أساسيًّا فيها، إلى جانب النّفط والغاز والملاحة، وربّما باب المندب بدرجة معيّنة. لذلك تبدو مطالب الأطراف شبه مستحيلة إذا بقيت على حالها، لأنّ أيّ تنازل من ترامب أو نتنياهو أو النّظام الإيرانيّ قد يهدّد موقعه الدّاخليّ ويطلق عليه معارضةً قاسية. من هنا تبدو احتمالات التّسوية محدودة جدًّا.
- هل يتّجه ترامب إلى استخدام سلاحٍ نوعيّ جديد يقلب المعادلة؟ من المعروف عنه أنّه رئيس لا يحبّ أن يهزم.
ترامب متقلّب وقد يتراجع عن مواقفه، لكنّه أيضًا رجل تسويات وحسابات اقتصاديّة، ما يجعل كلفة الحرب، الّتي تجاوزت 150 مليار دولار، عاملًا قد يضغط عليه، وهو ما يراهن عليه الإيرانيّون.
- قبل الانتقال إلى الملفّ اللّبنانيّ، دول الخليج العربيّ نالت حصّة كبيرة من الاستهدافات الإيرانيّة. لماذا ذهبت إيران إلى هذا المكان؟ وكيف يمكن أن تصبح العلاقات بين دول الخليج وإيران بعد الحرب؟
أعتقد أنّ إيران لم تكن تملك وسائل ردٍّ أخرى، إذ رأت أنّ القواعد الأميركيّة الموجودة في هذه الدّول تشكّل منطلقًا للهجمات ضدّها، فسعت إلى إزعاج واشنطن عبر استهدافها. لذلك، لا أرى أنّها كانت تستهدف الدّول المجاورة سياسيًّا بقدر ما دفعتها الضرورات العسكريّة إلى ذلك، رغم ما حمله هذا السّلوك من انتهاكٍ للسّيادة وتعكيرٍ للأجواء.أمّا في ما يتعلّق بمسار الأمور، فأنا أشكّ في أن تفضي المفاوضات إلى نتائج حقيقيّة، وأخشى استمرار الأزمة والمعارك، مع دفعٍ إسرائيليٍّ نحو مزيد من التّصعيد. كما أخشى اللّجوء إلى أسلحة جديدة، قد توصف بأنّها "نوويّة تكتيكيّة"، وهو توصيفٌ مخفّف لا يبدّد الخطر، لأنّ هذا السّلاح، وإن كان أقلّ فتكًا من النّوويّ التّقليديّ، يبقى قادرًا على تدمير مدينةٍ أو عاصمة، فيما يستطيع التّقليديّ تدمير بلدٍ كامل. وهنا يعود إلى الذّهن منطق أزمة خليج الخنازير، حين يصبح الفرق بين تدمير العالم ألف مرّة أو ألفي مرّة بلا أيّ معنى.
- كنت في مرحلة سابقة رئيسًا للوفد المفاوض اللّبنانيّ، واليوم يقف لبنان وجهًا لوجه في مفاوضات هي الأولى من نوعها مع الجانب الإسرائيليّ، فيما هو على الأرض تحت القصف وفي حرب مفتوحة. ما أفق هذه المفاوضات، وماذا لدى لبنان الرّسميّ الّذي يفاوض، خصوصًا أنّ حزب الله معنيّ بالجبهة أكثر ممّا هو معنيّ بنتائج المفاوضات؟
الفارق كبير بين الأمس واليوم. في مدريد كان هناك قدر من التّوازن الدّوليّ، ولم تكن الولايات المتّحدة وحدها في السّاحة، كما أنّها لم تكن منخرطة بالكامل في الموقف الإسرائيليّ كما هي اليوم. جورج بوش الأب كان يريد لعب دور الوسيط العادل، بينما نسمع اليوم من الأميركيّين كلامًا واضحًا بأنّهم لا يضمنون شيئًا، أي إنّهم أقرب إلى سعاة بريد ينقلون ما يريده نتنياهو.
ثمّ إنّنا لم نذهب إلى مدريد في الظّلام، بل سبق المؤتمر تفاوض طويل مع جيمس بايكر لوضع "هندسة مدريد"، من حيث أهداف السّلام العادل والدّائم والشّامل، المبنيّ على قرارات مجلس الأمن 242 و338، وبالنّسبة إلى لبنان القرار 425، ضمن تضامنٍ عربيّ يمنع الاستفراد بأيّ طرف. أمّا اليوم فهناك غموض كبير. الدّولة اللّبنانيّة تقول إنّها ذاهبة للتفاوض على تنفيذ القرار 1701، وهو قرار وقف إطلاق نار لا قرار سلام، بينما نتنياهو لا يريد أقلّ من سلام كامل وتطبيع علاقات، ولا أحد يعرف شروطه الفعليّة. لذلك فهذه المفاوضات لا تزال مجهولة الهويّة، وما جرى في واشنطن مجرّد تمهيد.
إضافةً إلى ذلك، تريد الدّولة اللّبنانيّة وقفًا لإطلاق النّار كي تتمكّن من التفاوض وتنفيذ خطّة سحب سلاح حزب الله، بينما تريد إسرائيل مفاوضات تحت النار، وتطالب بنزع السّلاح كاملًا قبل بدء أيّ تفاوض. وهذا أمر شبه مستحيل. الدّولة اتّخذت قرارات مهمّة في الجنوب وفي اتّجاه حصر السّلاح بيدها، لكنّ الوقت وحده يظهر النتائج.
- لكنّ إسرائيل تقول إنّ ذلك لم يطبّق على الأرض، وإنّ السّلاح ما زال موجودًا.
ما سحب قسمٌ منه، وبقي قسم. ومن جهة أخرى اتّخذت الدّولة قرارات غير مسبوقة، منها اعتبار بيروت خالية من السّلاح، واعتبار حزب الله خارجًا عن القانون، ونزع صفة الجناح العسكريّ عنه. لكن ماذا تفعل إسرائيل لمساعدة الدّولة؟ لا شيء، بل غارات يوميّة بالعشرات، واحتلالات إضافيّة في الجنوب، وعمليّات أمنيّة بطائرات وصواريخ مسيّرة. في هذه الظّروف لا تلام الدّولة، لأنّها تفعل ما تستطيع، لكن لا يمكن أن تتحوّل إلى حامٍ للاحتلال.
- هناك وجهة نظر تقول إنّ حزب الله هو الّذي بادر إلى فتح حرب الإسناد الّتي انتهت بـ"تفوّق إسرائيل"، وبالتالي فإنّ الأقوى يفرض شروطه.
إسرائيل متفوّقة بلا شكّ، بالتّكنولوجيا والاستخبارات والطّيران والأقمار الاصطناعيّة، وهي منتصرة عسكريًّا بهذا المعنى. لكنّها تعلم، كما قال ضبّاط كبار في جيشها، أنّها لا تستطيع إنهاء حزب الله بهذه الوسائل وحدها، ولو دمّرت لبنان كلّه. هي تحتاج إلى عمليّة برّيّة، وإلى دخول كلّ بيت وتفتيشه. فهل هي مستعدّة لكلفة ذلك؟ لا أظنّ. وربّما حزب الله ينتظرها هناك. لذلك، ورغم جبروتها، ليست إسرائيل قادرة بسهولة على تحقيق هذا الهدف.
من هنا، على الدّولة اللّبنانيّة أن تطالب فورًا بوقف العمليّات لإرساء هدنة تسمح لها بتنفيذ مشروعها. وقد اتّخذت قرارات لم يكن أحد يحلم بها قبل أسابيع، ودخلت الجنوب ومشّطته، وربّما لم تستطع جمع أكثر من 70 أو 80 في المئة من سلاح حزب الله، لكن هل تستطيع إسرائيل نفسها أن تفعل أكثر أو أسرع؟ لا أعتقد.
- هناك قرى مدمّرة وبلدات تجرف عن بكرة أبيها.
نعم، هناك دمار هائل، لكن في المقابل هناك أيضًا معارك ومقاومة فعليّة. ما جرى في بنت جبيل خلال اليومين الماضيين دليل على وجود مقاومة حقيقيّة. لذلك، وبما أنّ الدّولة اتّخذت هذه القرارات، يفترض بإسرائيل أن تسهّل مهمّتها عبر وقف الاستفزاز والعمليّات العسكريّة، ولو مؤقّتًا، لكي تتمكّن الدّولة من نشر الجيش بفعاليّة أكبر وإنجاز ملفّ السّلاح.
"برأيك، هل كان الأفضل أن يبقى لبنان مشمولًا بالهدنة الّتي حصلت بين الإيرانيّين والأميركيّين، أم أنّ فصل لبنان عن هذا الملفّ كان أكثر حكمة؟"
أنا لست ممّن يعتبرون فصل الملفّ اللّبنانيّ عن الإيرانيّ إنجازًا بحدّ ذاته. إذا كانت في الملفّ الإيرانيّ عناصر إيجابيّة يمكن أن تؤدّي إلى هدنة أو وقفٍ للعمليّات الحربيّة، فلماذا لا يشمل لبنان ذلك؟ ربّما لو شملت الهدنة لبنان، لأعطت الدّولة فرصةً أفضل لاستكمال ضبط السّلاح وبسط سلطتها.
- لو "فرطت" الهدنة بين أميركا وإيران، هل نعود إلى الأعمال الحربيّة؟
الحرب مستمرّة أصلًا، سواء بقيت الهدنة أو سقطت. لا أحد ينكر ارتباط حزب الله بإيران، لكنّ نتنياهو لا يريد ربط الملفّين كي لا يلتزم وقف إطلاق نار. وهو يقول صراحةً إنّ العمليّات لن تتوقّف قبل "نهاية حزب الله". فإذا كنتم تريدون من الدّولة أن تقوم بهذا الأمر، فأعطوها الفرصة. لا توجد دولة في العالم تتعرّض يوميًّا لعشرات الغارات، ثمّ يطلب منها في الوقت نفسه أن تنفّذ ما يراد منها على الأرض.
- ما مستقبل المفاوضات أمام كلّ هذه الوقائع؟
في ظلّ اختلال التّوازن الدّوليّ، لا أرى أفقًا لحلولٍ حقيقيّة، بل أخشى اتّجاه العالم إلى تصادمٍ أكبر. فإيران ما زالت تدعم حزب الله، وحزب الله ما زال متمسّكًا بخيار المقاومة، فيما تبدو الدّولة اللّبنانيّة عاجزة عن إنجاز مهمّتها كاملة تحت ضغط الاستفزازات الإسرائيليّة. وفي المقابل، يسعى نتنياهو إلى فرض شروط قد تكون مستحيلة على لبنان، وربّما تفضي، إن قبلت، إلى انفجارٍ داخليّ.
لذلك، لست متفائلًا ما دام هذا التّوازن قائمًا. أمّا إذا تبدّل، فقد تتغيّر معه المعادلات. كما أنّني لا أستبعد، إذا استمرّت الحرب، أن تنزلق الأمور إلى تدخّلٍ صينيّ أو روسيّ، بما يفتح الباب أمام خطر صراعٍ عالميّ.
- على أمل أن نكون أكثر تفاؤلًا في القريب.
سئل أحدهم، لماذا أنت متشائم دائمًا؟ فأجاب، "لست غبيًّا بما فيه الكفاية كي أكون متفائلًا".




