حتى آخر التحديثات المتاحة، يمكن توصيف اليوم القتاليّ بأنّه يوم ضغطٍ ناريٍّ وعزلٍ لوجستيٍّ وتثبيت طوقٍ تفاوضيّ، أكثر منه يوم حسمٍ برّيٍّ نهائيّ. التقدّم الأوضح كان شرقًا نحو الدبّين شمال الخيام، على مسافة تقارب كيلومترًا واحدًا من الليطاني، فيما بقيت بنت جبيل مطوّقةً لا محسومة، واتّجه الجهد الغربيّ إلى خنق الساحل الجنوبيّ وضرب جسر القاسميّة، آخر وصلةٍ رئيسةٍ بين صور وصيدا، مع استمرار أوامر الإخلاء جنوب الزهراني. وبالاستناد إلى هذه الصورة، يبدو أنّ هدف اليوم كان تحسين شروط التفاوض تحت النار، لا إعلان اختراقٍ كاملٍ ونهائيّ..
إسرائيليًّا، صدرت اليوم ثلاث رسائل مترابطة. الأولى، عسكريّة ميدانيّة، إذ أعاد أفخاي أدرعي أمر الإخلاء لكلّ المنطقة الواقعة جنوب الزهراني، وقال الجيش إنّ اللواء 769، العامل تحت قيادة الفرقة 91، أحبط هجومين لحزب الله وعثر على مستودعٍ تحت الأرض يضمّ قذائف هاون وصواريخ مضادّة للدروع وبنادق وقواذف "آر بي جي". والثانية، رسائل هدمٍ وتوسيع نار، مع إعلان الجيش تدمير نحو 70 بنيةً في منطقة بنت جبيل، ونشره مشاهد نسفٍ واسعٍ في محيط عيناثا. والثالثة، سياسيّة، تمثّلت في تسريباتٍ عن اتّصالٍ محتملٍ بين نتنياهو وجوزاف عون، روّجت لها الوزيرة جيلا جمليئيل، وفي تقارير إسرائيليّةٍ تحدّثت عن استعداداتٍ لهدنةٍ محتملة مساءً، من دون تثبيتٍ نهائيٍّ نافذٍ في آخر التحديثات المتاحة.
المعنى السياسيّ لهذه الرسائل أنّ إسرائيل حاولت اليوم أن تبقي باب التفاوض مفتوحًا، لكن من موقع ميدانيّ أعلى. فبدل أن تسبق السياسة الميدان، بدا أنّ المؤسّسة العسكريّة والسياسيّة الإسرائيليّتين أرادتا أن تسبقهما صورة تقدّمٍ شرقًا، وصورة تطويقٍ في بنت جبيل، وصورة عزلٍ غربًا، بما يجعل أيّ وقفٍ محتملٍ للنار أقرب إلى وقفٍ على إيقاع الوقائع التي صنعت اليوم..
المحور الشرقيّ
في الشرق، هذه هي الخريطة الأوضح للتوغّل اليوم، وصلت القوّات الإسرائيليّة إلى تخوم الدبّين شمال الخيام، وهو أبعد تقدّمٍ برّيٍّ مؤكّدٍ في تقارير اليوم، على بعدٍ يزيد قليلًا على كيلومترٍ واحدٍ من الليطاني. وسجّلت اشتباكاتٌ عند مدخل البلدة قرب المنطقة الصناعيّة، فيما تحدّثت تقارير محلّيّة عن محاولة تقدّمٍ من الخيام باتّجاه طريق وادي مرجعيون. وفي المقابل، أعلن حزب الله استهداف قوّاتٍ إسرائيليّةٍ في الخيام وعلى تلّ حمامص، كما تحدّثت تقارير اليوم عن ثماني هجماتٍ في القنطرة، بينها ضرب دبّابتي "ميركافا" بصواريخ موجّهة، وهجومٍ آخر في مشروع الطيبة. أي أنّ المحور الشرقيّ لم يعد مجرّد تثبيتٍ دفاعيٍّ إسرائيليّ، بل صار خطّ دفعٍ نحو الليطاني، تقابله نيران منعٍ من الخيام والقنطرة ومحيطهما.
بنت جبيل أمّ المعارك
في الوسط، هنا أمّ المعارك فعلًا، بنت جبيل. صورة اليوم تقول إنّ مركز المدينة ما زال مطوّقًا، وإنّ القوّات الإسرائيليّة تتموضع حول السوق الرئيسيّ على مسافة تقارب 600 متر، فيما دارت اشتباكاتٌ مباشرةٌ داخل الأحياء، وعلى محور الملعب، ومحور المهنيّة، ومداخل المدينة، مع نسف منازل عند مدخل السوق الكبير. تقاريرٌ لبنانيّةٌ تحدّثت منذ الليل وحتى الصباح عن استخدام أسلحةٍ رشّاشةٍ وثقيلة، وتقاريرٌ أخرى وصفت القتال بأنّه "وجهًا لوجه". هذا ليس اشتباك حوافّ، بل قتال جيبٍ مدينيٍّ داخليٍّ لم تستطع إسرائيل حسمه حتى الآن، ولم يستطع حزب الله كسر طوقه بالكامل..
وإسرائيليًّا، يتركّز الثقل المعلن في بنت جبيل ضمن الفرقة 98، ومعها ألوية المظلّيّين والكوماندوس و"جفعاتي". وقالت تلّ أبيب اليوم إنّ وحدتي "إيغوز" و"يهلوم" دمّرتا نحو 70 بنيةً خلال دقيقةٍ واحدة بعد مداهمةٍ في عيناثا، وإنّ "مجلان" قتلت عشرات المقاتلين، وإنّ "جفعاتي" عثرت على أكثر من 130 قطعة سلاح داخل مدرسة. وبين الأسلحة التي قالت إسرائيل إنّها ضبطتها، قاذفات "آر بي جي"، وبنادق "كلاشنكوف"، وذخائر، وعبوات، وقنابل، وصاروخٌ مضادٌّ للطائرات، ووسائل رصد. أمّا حزب الله، فاعتمد اليوم في بنت جبيل على القتال القريب، وعلى الصواريخ ضدّ الجنود والآليّات، وعلى المسيّرات الانقضاضيّة، وأعلن سلسلة ضرباتٍ داخل المدينة وعلى أطرافها الشماليّة الشرقيّة.
تقارير اليوم نقلت عن الناطق العسكريّ الإسرائيليّ وجود خمس فرقٍ عاملةٍ في لبنان، مع إسنادٍ جوّيٍّ وبحريّ، فيما تواصل الفرقة 98 عملها في بنت جبيل، والفرقة 162 في محيط بيت ليف، وثلاث فرقٍ إضافيّةٌ في "منطقة الدفاع الأماميّ". أمّا داخل جيب بنت جبيل، فلا يوجد رقمٌ موثوقٌ نهائيٌّ لعديد حزب الله اليوم، لكنّ تقريرًا تحليليًّا نشر اليوم تحدّث عن عشراتٍ من مقاتليه يشتبكون مباشرةً داخل المدينة ويمنعون السيطرة الكاملة عليها..
ولذلك، فإنّ بنت جبيل ليست اليوم مجرّد محورٍ أوسط، بل مركز المعنى كلّه. هي، بحسب توصيفاتٍ ميدانيّةٍ نشرت اليوم، عقدةٌ جغرافيّةٌ تربط نسقًا ثانيًا من القرى التي تريد إسرائيل الإمساك بها، ولهذا تحوّلت إلى "ورقة الإنجاز" التي تريد تلّ أبيب حملها إلى أيّ تفاوضٍ أو هدنة، وإلى "خطّ المنع" الذي يريد حزب الله عبره منع ترجمة التفاوض احتلالًا ناجزًا. من هنا بالضبط يمكن فهم التزامن بين تكثيف الحصار والهدم والنسف في بنت جبيل، وبين التسريبات الإسرائيليّة عن اتّصالاتٍ وهدنةٍ محتملة.
المحور الغربيّ
في الغرب، لا تظهر تقارير اليوم اختراقًا برّيًّا عميقًا يوازي بنت جبيل أو الدبّين، لكنّها تظهر مسارًا مختلفًا، مسار عزلٍ وكسر شرايين. في محيط الناقورة، تحدّثت تقارير اليوم عن تعزيز المواقع الإسرائيليّة، وعن عرقلة مرور قافلةٍ لـ "اليونيفيل"، وعن استخدام المدفعيّة البعيدة في هذا القطاع. وعلى الخطّ الساحليّ، كان الحدث الأبرز هو قصف جسر القاسميّة مجدّدًا حتى تضرّر بشدّة، بل قال مسؤولٌ أمنيٌّ لبنانيٌّ لـ "رويترز" إنّ الغارة حطّمته وقطعت آخر جسرٍ يربط جنوب لبنان ببقيّة البلاد. وهذا يشي بأنّ وظيفة المحور الغربيّ اليوم لم تكن التوغّل السريع، بل إطباق العزل على صور والقطاع الساحليّ.
وميدانيًّا على هذا المحور، أصيب جنديٌّ لبنانيٌّ في الغارة الأولى على القاسميّة، وقتل سوريٌّ في بستانٍ قريب، وسقط قتيلٌ آخر في قليله، وسجّل قصفٌ بين البازوريّة وبرج الشمالي، ونسف مبنى المدرسة الرسميّة في مروحين. وفي المقابل، أعلن حزب الله استهداف موقعٍ في "روش هانيكرا" قبالة رأس الناقورة بمسيّراتٍ هجوميّة. وعليه، فالغرب كان اليوم محور خنقٍ ناريٍّ وبنيويّ، أكثر منه محور اندفاعة مدرّعاتٍ إلى عمقٍ جديد.
إسرائيل حاولت أن تجعل بنت جبيل ترجمةً سياسيّةً للتوغّل، وأن توسّع سقفها شرقًا حتى تخوم الليطاني، وأن تستخدم غربًا سلاح العزل وقطع الجسور. أمّا حزب الله فنجح، حتى آخر تحديثات اليوم، في إبقاء بنت جبيل معركة استنزافٍ مفتوحةٍ لا مدينةً ساقطة، وفي تشتيت الضغط الإسرائيليّ بهجماتٍ متزامنةٍ من القنطرة والخيام إلى رأس الناقورة ونهاريا. لذلك، انتهى اليوم بلا حسمٍ نهائيّ، لكنّه انتهى بخريطةٍ أوضح، إسرائيل أقرب إلى الليطاني شرقًا، مطوّقةٌ لبنت جبيل وسطًا، وقاطعةٌ للشريان الغربيّ نحو صور، فيما التفاوض يتحرّك تحت النار، لا فوقها..




