في مقدّمة المشهد اللّبنانيّ المتّصل بالهدنة المعلنة، أصدر رئيس مجلس النّوّاب نبيه برّي بيانًا دعا فيه الأهالي إلى التريّث في العودة إلى البلدات والقرى، مقدّمًا أولويّة السّلامة على اندفاعة الشّوق إلى الأرض. وقال برّي: "يا أهلنا الأعزّاء، يا من حملتم الجنوب والبقاع والضّاحية في قلوبكم وأنتم تغادرون الأرض المباركة، والّذين كتب أبناؤكم بالدّم والتّضحيات سيرة الصّمود والإباء والانتماء الوطنيّ، يا من تشتعل فيكم لهفة العودة إلى البلدات والقرى. كما كنتم على الدّوام في الاستحقاقات الصّعبة، نعرف وجع الشّوق ومرارة الانتظار. لهذا نخاطبكم بأنّ الحفاظ على السّلامة والأرواح من أولى الواجبات، وهو أصدق وفاءٍ للأرض، ونتمنّى على الجميع التريّث في الانتقال إلى البلدات والقرى حتّى تتّضح الأمور والمجريات وفقًا لاتّفاق وقف إطلاق النّار".
وأصدر حزب الله بياناً تقاطع مع بيان الرئيس بري، حيث دعا الحزب أهالي المناطق الجنوبية والبقاع والضاحية الجنوبية إلى التريث وعدم التوجه إلى المناطق التي تعرضت للاستهداف، وذلك مع إعلان وقف إطلاق النار، محذّراً من "عدو اعتاد نقض المواثيق والاتفاقات".
وأشار البيان إلى تفهّم حجم الشوق للعودة إلى القرى والمنازل، مثمّناً صبر الأهالي وثباتهم، إلا أنه شدد على ضرورة التحلّي بالصبر في هذه المرحلة حفاظاً على السلامة، إلى حين اتضاح مجريات الأمور بشكل كامل.
وختم بالتأكيد أن العودة إلى القرى ستحصل، معتبراً أن الأهالي سيعودون "أعزاء مرفوعي الرأس كما كانوا دائماً".
"حزب الله" في قلب المشهد
غير أنّ المحور الأبرز في السّاعات التي تلت إعلان الهدنة لم يكن الإعلان الأميركيّ بحدّ ذاته، بل المواقف التي صدرت عن "حزب الله"، والّتي رسمت بوضوحٍ حدود التزامه، وربطت أيّ تهدئةٍ فعليةٍ بشروطٍ ميدانيّةٍ وسياسيّةٍ صارمة. فالحزب، وفق المواقف المعلنة، لا يتعامل مع الهدنة بوصفها تسويةً نهائيّة، بل كإجراءٍ مشروطٍ لا يكتسب معنًى فعليًّا إلّا إذا التزمت إسرائيل وقف الاعتداءات والأعمال القتاليّة والاغتيالات، وانتهى أيّ وجودٍ عسكريٍّ لها على الأرض اللّبنانيّة.
وفي هذا السّياق، قال عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النّائب علي فيّاض في تصريحٍ صحافيّ: "كلّ وجودٍ إسرائيليٍّ على أرض لبنان يعطي الشّعب حقّ المقاومة". ويظهر هذا الموقف أنّ الحزب ينطلق في مقاربته للهدنة من قاعدةٍ ثابتة، مفادها أنّ بقاء القوّات الإسرائيليّة داخل الأراضي اللّبنانيّة يبقي، بالنّسبة إليه، مبرّرات المقاومة قائمة، ويسقط تلقائيًّا أيّ حديثٍ عن تهدئةٍ مكتملة.
أما عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب رائد برو فقال في تصريحٍ صحافيّ إنهم "مع وقف إطلاق النار طالما التزم به الطرف الثاني".
وفي الموقف الأكثر مباشرةً إزاء شروط الالتزام، قال عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النّائب إبراهيم الموسوي لـ"فرانس برس": "حزب الله سيلتزم بوقف إطلاق النّار مع إسرائيل شرط أن يكون شاملًا، ويتضمّن وقف الأعمال العدائيّة الإسرائيليّة والاغتيالات ضدّه". كما نقل عنه في صياغةٍ أخرى: "حزب الله سيلتزم بوقف إطلاق النّار بشرط أن يكون شاملًا، ويتضمّن وقف الاعتداءات والاغتيالات".
كما نقلت تقارير عن مصدرٍ قياديٍّ في "حزب الله" قوله: "ما دام الاحتلال في أرضنا، فلبنان وشعبه لهما حقّ المقاومة بكلّ الوسائل لدفعه إلى الانسحاب". ويثبّت هذا الموقف المعادلة نفسها، أي إنّ أيّ صيغةٍ للهدنة لا تعالج مسألة الاحتلال الميدانيّ تبقى، في نظر الحزب، هدنةً ناقصةً ومعرّضةً للاهتزاز.
وفي الإطار نفسه، لخّص النّائب حسن فضل الله موقف الحزب من الالتزام بالهدنة بقوله: "كلّ شيءٍ مرتبطٌ بالتزام إسرائيل بوقف جميع أشكال الأعمال القتاليّة". وهذا الموقف، الّذي أوردته "رويترز"، يشكّل خلاصةً سياسيّةً واضحةً لموقف الحزب: لا التزام منفصلًا عن السّلوك الإسرائيليّ على الأرض، ولا تهدئة قابلةً للحياة إذا استمرّت الغارات أو الاغتيالات أو أشكال الاعتداء الأخرى.
إعلان ترامب
وكان الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب قد أعلن أنّه أجرى "محادثاتٍ ممتازة" مع رئيس الجمهوريّة اللّبنانيّة جوزاف عون، ورئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، مشيرًا إلى أنّ الجانبين وافقا على البدء رسميًّا بوقف إطلاق نارٍ لمدّة عشرة أيّام، اعتبارًا من السّاعة الخامسة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتّحدة، أي منتصف الليل بتوقيت لبنان. وأضاف ترامب أنّه سيدعو عون ونتنياهو إلى البيت الأبيض، بعد تكليف نائبه جاي دي فانس ووزير الخارجيّة ماركو روبيو ورئيس هيئة الأركان المشتركة دان كاين متابعة الاتّصالات من أجل "سلامٍ دائم".
لكنّ هذا الإعلان الأميركيّ تزامن مع مؤشّراتٍ إسرائيليّةٍ تضعف مناعة الهدنة منذ لحظتها الأولى، إذ نقلت "رويترز" عن مسؤولٍ أمنيٍّ إسرائيليٍّ أنّ الجيش لا يخطّط لسحب قوّاته من جنوب لبنان خلال فترة وقف إطلاق النّار، فيما أكّد نتنياهو، وفق تصريحاتٍ نقلتها الوكالة، أنّ إسرائيل تواصل عمليّاتها ضدّ "حزب الله" وتعزّز ما سمّاه "منطقةً أمنيّة" في الجنوب. وهنا بالضّبط تلتقي المعطيات الإسرائيليّة مع مواقف "حزب الله" لتظهر جوهر الأزمة: الهدنة معلنةٌ سياسيًّا، لكنّ شروط تثبيتها ميدانيًّا لم تنضج بعد.




