أجرى الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب، بعد ظهر اليوم، اتّصالًا هاتفيًّا برئيس الجمهوريّة اللّبنانيّة العماد جوزاف عون، في تطوّرٍ سياسيّ لافتٍ يتّصل بالجهود المبذولة لوقف إطلاق النّار في لبنان، وتثبيت السّلم والاستقرار بصورةٍ دائمة، تمهيدًا لإطلاق عمليّةٍ سلميّةٍ في المنطقة.
وخلال الاتّصال، جدّد الرّئيس عون شكره للجهود التي يبذلها ترامب من أجل التوصّل إلى وقفٍ لإطلاق النّار في لبنان، وتأمين الاستقرار الدّائم، متمنّيًا استمرار هذه المساعي للوصول إلى وقف النّار في أسرع وقتٍ ممكن.
في المقابل، أكّد ترامب دعمه للرّئيس عون وللبنان، مشدّدًا على التزامه العمل على تلبية الطّلب اللّبنانيّ بوقف إطلاق النّار بأسرع وقت.
وقفُ النّار خلال ساعات؟
وفي موازاة هذا الاتّصال، أفاد مصدرٌ رسميّ لـ"التلفزيون العربيّ" بأنّ ترامب أجرى اتّصالًا بعون، وأنّ لبنان أُبلغ رسميًّا بقرار وقف إطلاق النّار خلال ساعات.
كما نقلت "هيئة البثّ الإسرائيليّة" أنّ ترامب أبلغ عون بأنّ قرارًا بشأن وقف إطلاق النّار في لبنان سيُتَّخذ خلال ساعات، فيما تحدّثت وسائل إعلامٍ إسرائيليّة عن اتّصال ترامب بالرّئيس جوزاف عون، مشيرةً إلى أنّ ذلك جاء بعد رفض عون التّحدّث مع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو.
ويتواصل العدوان الإسرائيليّ على لبنان، وسط تصعيدٍ ميدانيّ واسع في الجنوب والبقاع، يقابله ترقُّبٌ سياسيّ حذر لاحتمال التوصُّل إلى وقفٍ لإطلاق النّار، في ظلّ اتّصالاتٍ إقليميّة ودوليّة مكثّفة لم تتّضح نتائجها بعد. وبينما تُواصِل إسرائيل غاراتها وتُشدِّد شروطها لأيّ تسوية، تتواصل المواجهات على الأرض بوتيرةٍ مرتفعة، ولا سيّما في مدينة بنت جبيل ومحيطها.
وتعرّضت مدينة النّبطية، ظهر اليوم، لسلسلة غاراتٍ عنيفة على شكل "حزامٍ ناريّ"، شنّتها الطائرات الحربيّة الإسرائيليّة، واستهدفت محيط المدينة الصّناعيّة، ومحيط "سوبر ماركت التّوفير" على جادّة نبيه برّي، كما طاول القصف بلدات كفررمان، وأرنون، وعبّا، ويحمر الشّقيف.
وفي البقاع، استهدفت غارةٌ نفّذتها مسيّرةٌ إسرائيليّة سيّارةً على طريق ضهر البيدر، ما أدّى إلى وقوع إصابات، بحسب المعلومات الأوّليّة.
ترقُّبٌ سياسيّ واتّصالاتٌ مكثّفة
تُسيطر حالةٌ من التّرقُّب في لبنان حيال إمكان إعلان وقفٍ لإطلاق النّار لمدّة أسبوعين أو أكثر، على ارتباطٍ بما يُتداوَل بشأن الاتّفاق الإيرانيّ مع الولايات المتّحدة الأميركيّة، وبالتّزامن مع المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل.
وشهدت ساعات اللّيل حتّى الفجر اتّصالاتٍ مكثّفة بين لبنان، والرّياض، وطهران، والولايات المتّحدة، في محاولةٍ لبلورة اتّفاقٍ يُفضي إلى إنهاء الحرب، غير أنّ ملامح هذا الاتّفاق لم تتبلور بعد، في ظلّ إصرار إسرائيل على مواصلة عدوانها. وبحسب المعطيات، استهدفت الغارات الإسرائيليّة 72 منطقةً لبنانيّة خلال السّاعات الماضية، ما أسفر عن سقوط 22 شهيدًا.
وفي المقابل، ذكرت هيئة البثّ الإسرائيليّة، صباحًا، أنّ قيادة الجيش الإسرائيليّ أكّدت أنّها لم تتلقَّ أيّ تعليماتٍ من القيادة السّياسيّة للاستعداد لوقف إطلاق النّار في لبنان.
مؤشّرات أميركيّة متناقضة
على الضّفّة الأخرى، بدت أجواء البيت الأبيض أكثر ميلًا إلى التّهدئة. فقد التقى السّفير الأميركيّ لدى لبنان، ميشال عيسى، صباح اليوم الخميس، الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب ووزير الخارجيّة ماركو روبيو.
وقال ترامب، عقب اللّقاء: "نحاول خلق بعض الهدوء بين إسرائيل ولبنان". كما كشف، في منشورٍ عبر "تروث سوشال"، عن محادثاتٍ بين إسرائيل ولبنان ستُعقد الخميس، مضيفًا: "مرّ وقتٌ طويل، حوالي 34 عامًا، منذ أن تحدّث زعيمان من لبنان وإسرائيل معًا، وسيحدث ذلك غدًا". وتابع: "نعمل على تهيئة الأجواء لتفاهماتٍ بين إسرائيل ولبنان".
في المقابل، نقلت صحيفة "معاريف" عن مصادر إسرائيليّة قولها إنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو والرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب اتّفقا، الأسبوع الماضي، على فكرة وقف إطلاق النّار في لبنان وبدء محادثاتٍ مع الحكومة اللّبنانيّة، موضحةً أنّ التّفاهمات لم تقتصر على هدنةٍ مؤقّتة، بل شملت تصوُّرًا أوسع يمنح إسرائيل مهلةً إضافيّة لاستكمال هجماتها ضدّ حزب الله.
شروط إسرائيل وتصعيدها الميدانيّ
واجتمع المجلس الوزاريّ الأمنيّ الإسرائيليّ المصغّر، أمس الأربعاء، لبحث إمكانيّة وقف إطلاق النّار في لبنان. وكشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أنّ الجيش الإسرائيليّ وضع ثلاثة شروطٍ لأيّ اتّفاقٍ محتمل مع لبنان، وهي، أوّلًا، إنشاء منطقةٍ عازلة من الحدود حتّى نهر الليطاني، وثانيًا، منح إسرائيل حرّيّة عملٍ كاملة لإزالة ما تصفه بـ"التهديدات العسكريّة" على كامل الأراضي اللّبنانيّة، وثالثًا، إطلاق مسارٍ طويل الأمد لنزع سلاح حزب الله ضمن آليّة مراقبةٍ بإشرافٍ أميركيّ.
وتُواجه هذه الطّروحات رفضًا من إيران وحزب الله، الذي سبق أن أعلن أمينه العامّ الشّيخ نعيم قاسم استحالة العودة إلى الواقع الذي أعقب "اتّفاق تشرين"، بما يتيح لإسرائيل حرّيّة الحركة في لبنان.
وأقرّ مسؤولٌ إسرائيليّ بأنّ حكومة الاحتلال تتعرّض لضغوطٍ كبيرة من واشنطن للتوصُّل إلى وقفٍ لإطلاق النّار. وبالتّزامن مع اجتماع "الكابينيت"، أصدر نتنياهو بيانًا مصوّرًا قال فيه إنّ الجيش الإسرائيليّ يُواصِل ضرب حزب الله، وإنّه على وشك "اجتياح" منطقة بنت جبيل في جنوب لبنان، مضيفًا أنّه أصدر تعليماتٍ بمواصلة التّعزيزات في "المنطقة الأمنيّة" جنوبًا، بالتّوازي مع المفاوضات الجارية.
كما أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيليّ، إيال زامير، خلال زيارةٍ إلى جنوب لبنان: "أصدرت تعليماتٍ بأن تكون كلّ منطقة جنوب لبنان، حتّى نهر الليطاني، منطقةً محظورة على عناصر حزب الله".
اشتباكاتٌ عنيفة في بنت جبيل
ميدانيًّا، تتواصل المواجهات العسكريّة في جنوب لبنان بوتيرةٍ متصاعدة، مع تجدُّد الاشتباكات، اليوم الخميس، في مدينة بنت جبيل بين عناصر من حزب الله وقوّات جيش الاحتلال الإسرائيليّ. وسُجِّلت اشتباكاتٌ عند مداخل المدينة، وعلى محوري الملعب والمهنيّة، بالتّزامن مع عمليّات نسفٍ واسعة لمنازل عند مدخل السّوق الكبير.
وأفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت" بإصابة خمسة جنودٍ إسرائيليّين جرّاء قصفٍ صاروخيّ من حزب الله في جنوب لبنان، بينهم جنديٌّ أُصيب بجروحٍ خطيرة، وأربعةٌ بجروحٍ طفيفة، مشيرةً إلى أنّ الإصابات وقعت في بنت جبيل التي يُحاصرها جيش الاحتلال.
وفي سياقٍ متّصل، قالت عضو "الكابينيت" السّياسيّ والأمنيّ الإسرائيليّ، غيلا غمليئيل، إنّ نتنياهو سيُجري، اليوم، اتّصالًا مع الرّئيس اللّبنانيّ جوزيف عون، في تصريحاتٍ أدلت بها لإذاعة الجيش الإسرائيليّ. غير أنّ مصدرًا رسميًّا لبنانيًّا قال لوكالة "فرانس برس" إنّ لبنان لم يُبلَّغ بأيّ اتّصالٍ مرتقب مع الجانب الإسرائيليّ.
حزب الله يعلن هجماتٍ واسعة
في المقابل، أعلن حزب الله أنّه نفّذ، منذ فجر الأربعاء، 59 هجومًا استهدفت 15 مستوطنةً وقوّاتٍ وآليّاتٍ ومواقع عسكريّة إسرائيليّة، ردًّا على ما وصفه بـ"خرق العدوّ لاتّفاق وقف إطلاق النّار".
وأوضح الحزب، في بياناته، أنّه استهدف بصلياتٍ صاروخيّة، ومسيّراتٍ، وقذائف مدفعيّة، 23 تجمُّعًا على الأقلّ لجنودٍ إسرائيليّين في جنوبيّ لبنان، بينها مواقع في مدينتي بنت جبيل والخيام، وشرق بنت جبيل، وبلدتا البيّاضة والنّاقورة، وشرق منطقة معتقل الخيام.
كما أشار إلى أنّه استهدف بصاروخٍ موجّه قوّةً إسرائيليّة متموضعة داخل منزلٍ في بلدة كفركلا، محقّقًا إصابةً مؤكّدة، فيما تواصلت، مساء الأربعاء، الاشتباكات المباشرة وجهًا لوجه بين عناصره والقوّات الإسرائيليّة في حيّ العويني في مدينة بنت جبيل، بحسب الوكالة اللّبنانيّة.
في موازاة التّصعيد العسكريّ، ارتفعت حصيلة الضّحايا المدنيّين والمسعفين. فقد استُشهد ثلاثة مسعفين، وفُقد آخر، وأُصيب ثلاثةٌ آخرون في غاراتٍ استهدفت فرقًا إسعافيّة في بلدة ميفدون أثناء محاولتها إنقاذ مصابين. كما استُشهد مواطنان عند مفترق العبّاسيّة في مدينة صور.
وفي تطوّرٍ آخر، دمّرت غارةٌ إسرائيليّة جسر القاسميّة، وهو آخر جسرٍ رئيسيّ يربط بين ضفّتَي نهر اللّيطاني، بعد غارتين متتاليتين شنّهما الطّيران الحربيّ الإسرائيليّ، ما أدّى إلى تدميره بالكامل، وفق ما أفادت الوكالة الوطنيّة للإعلام. ويُعدّ الجسر الممرّ المتبقّي الذي يصل منطقة صور بمدينة صيدا، بعدما كانت إسرائيل قد دمّرت، تباعًا منذ 2 آذار/مارس، أربعة جسورٍ رئيسيّة على النّهر في جنوب البلاد.
كذلك، شنّ الطّيران الحربيّ الإسرائيليّ غاراتٍ على بلداتٍ عدّة في الجنوب، ما أسفر عن أضرارٍ جسيمة في المستشفى ببلدة تبنين، كما استهدف مكتبًا لإحدى المنظّمات الفلسطينيّة داخل مخيّم برج الشّمالي، فيما تواصل القصف الجوّيّ والمدفعيّ ليلًا على بلدتَي الخيام ودبّين.
وفي بلدة الهبّاريّة، قضاء حاصبيّا، استُشهد عددٌ من الأشخاص في غارةٍ استهدفت منزلهم، بينما تحرّكت دوريّاتٌ للجيش اللّبنانيّ ليلًا باتّجاه ساحة مرجعيون، عقب معلوماتٍ عن توغُّل قوّةٍ إسرائيليّة، قبل أن يتبيّن عدم وجودها.
يبدو المشهد اللّبنانيّ مفتوحًا على احتمالَين متوازيَين، تصعيدٌ ميدانيّ متواصل تفرضه إسرائيل بالنّار، ومسارٌ سياسيّ لم ينضج بعد، تُديره اتّصالاتٌ دوليّة وإقليميّة كثيفة. وبين هذا وذاك، يبقى لبنان تحت وطأة حربٍ مفتوحة، فيما تتأرجح التّهدئة بين الشّروط الإسرائيليّة الصّارمة، وضغوط واشنطن، وحسابات الميدان.




