على وقع الحرب القائمة والأزمات السياسية، ومع اهتزازات الإقليم، يتبلور موقف سنّي واضح يرفع عنوان حماية موقع رئاسة الحكومة، بوصفه ركيزة للتوازن الوطني، ويدعو إلى احتضان رئيس الحكومة نوّاف سلام باعتباره خيارًا إنقاذيًا لا هدفًا للتصويب والاستهداف.
هذا الاحتضان المتنامي لا يأتي من باب الاصطفاف الأعمى، بل نتيجة إدراك بأنّ المسّ برئاسة الحكومة قد يشكّل مدخلًا للمسّ باتفاق الطائف وبالشراكة التي قام عليها لبنان الحديث. لذلك يظهر التماسك أكبر في البيئة السنية للدفاع عن هذا الموقع في مواجهة محاولات إضعافه والنيل منه تحت عناوين سياسية مختلفة.
مواقف حادّة
زاعتبر النائب أشرف ريفي في هذا المجال، أنّ "أي استهداف لرئاسة الحكومة هو استهداف مباشر للطائفة السنية ولدورها الوطني" مشددًا في حديث لـ"المدن" على أن المرحلة لا تحتمل ترف كسر التوازنات ولا العبث بالأعراف والمواقع الدستورية. ويرى ريفي أن "دعم سلام لا ينفصل عن مشروع إعادة بناء الدولة وفرض منطق المؤسسات في مواجهة منطق الغلبة والاستقواء".
بدوره، يذهب الوزير السابق معين المرعبي، أبعد في توصيف خطورة المرحلة، معتبراً أن "الدفاع عن موقع رئاسة الحكومة هو دفاع عن وجود لبنان نفسه"، ودعا "من يُخوّن الرئيس إلى إثبات انتمائه الوطني بدل الارتهان للخارج"، ومحذرًا من أن أي محاولة لإضعاف هذا الموقع ستؤدي إلى مزيد من الانهيار السياسي. وأكّد المرعبي في حديث مع "المدن" أن وجود سلام يمثّل فرصة لإعادة وصل لبنان بمحيطه العربي والمجتمع الدولي، ما يستوجب دعمه لا محاصرته أو استهدافه.
أما النائب بلال الحشيمي، فيضع المسألة في إطارها الدستوري، مشددًا في حديثه لـ"المدن" على أنّ "رئاسة الحكومة ليست تفصيلًا هامشيًا في النظام اللبناني، بل هي أحد أعمدته الأساسية" محذرًا من أنّ أي اعتداء عليها يهدد الاستقرار الداخلي "ولن يمر بسهولة". ويضيف أن المطلوب اليوم هو تحصين هذا الموقع عبر التفاف وطني جامع، لا تحويله إلى ساحة تصفية حسابات، مستغربًا الإصرار على استهداف رئاسة الحكومة وتحييد غيرها، علمًا أنّ قرارات الحكومة تصدر بموافقة مكوناتها كافة.
تكامل ديني – سياسي - شعبي
هذا التصعيد السياسي، واكبه موقف ديني واضح، تجلّى في بيان دار الفتوى الرافض المسّ بالمؤسسات الدستورية. وفي حديث لـ"المدن" أكّد مفتي البقاع الدكتور علي الغزاوي أنّ "الاعتداء على موقع رئاسة الحكومة هو اعتداء على كرامة الطائفة السنية وتاريخها وحضورها ودورها الوطني"، مشددًا على أنّ الرئيس سلام وصل وفق الأصول الدستورية.
ودعا الغزاوي إلى الحكمة والتعقل عبر التمسك بالدستور وحماية المؤسسات، معتبرًا أنّ "الشارع الوحيد هو شارع الدولة، ولا ضمانة ولا حماية خارجها"، محذرًا من الانجرار إلى سجالات تضعف الدولة وتفتح الباب أمام فوضى لا تبقي ولا تذر.
عودة إلى التوازن
لم يقتصر هذا الاحتضان على المستويين السياسي والديني فحسب، إنما بدأ يأخذ طابعًا شعبيًا أيضًا. ويظهر ذلك بوضوح في الصور واللافتات في المدن والقرى وعلى وسائل التواصل، حيث يتقدّم خطاب حماية موقع رئاسة الحكومة بوصفه جزءًا من كرامة الطائفة ودورها، واعتبار المسّ به خطًا أحمرًا لا يمكن لأحد تجاوزه أو التنازل عنه.
بين السياسة والدين، وبين الشارع والمؤسسات، يتشكّل اليوم خط دفاع صلب حول رئاسة الحكومة. خطٌّ يقول إن استقرار لبنان يبدأ من احترام دستوره، وإن كرامة الطوائف تُصان بالحرص المتبادل وحماية مواقعها، لا بالاستهداف والاستضعاف. هذه المواقف كما يؤكد أصحابها، ليست محاولة لإنقاذ ما تبقّى من شكل الدولة فحسب، بل تمسّك بما تبقّى من لبنان نفسه.




