في حصيلة اليوم، بدا المشهد في جنوب لبنان محكومًا بمعادلةٍ مزدوجة، ضغطٌ ناريٌّ إسرائيليٌّ لتثبيت وقائعٍ ميدانيّةٍ جديدة، وضغطٌ أميركيٌّ متزايدٌ لدفع المسار التفاوضيّ بين بيروت وتلّ أبيب إلى الأمام. الثقل القتاليّ تَركَّز بوضوحٍ في بنت جبيل، فيما استمرّت الاشتباكات في الخيام شرقًا، وتواصلت الغارات والضربات في القطاع الغربيّ وصولًا إلى محيط صور وقلَيْلة. ووفق المعطيات المتقاطعة، فإنّ الجيش الإسرائيليّ لم يُسجِّل، حتّى ساعة إعداد هذا التقرير، حسمًا كاملًا داخل مركز بنت جبيل، لكنّه وسَّع الطوق حولها، وواصل دفع المعركة نحو عمقٍ أكبر من خطّ الانتشار القائم على مسافةٍ تُقدَّر بنحو خمسة كيلومترات من الحدود.
المعنى السياسيّ والعسكريّ لهذا اليوم أنّ إسرائيل تُفاوض بالنار. فبعد لقاء واشنطن المباشر بين الموفدَين اللبنانيّ والإسرائيليّ برعاية أميركيّة، لم يظهر أيّ تحوّلٍ ميدانيّ يوحي بقرارٍ إسرائيليٍّ سريعٍ لخفض العمليّات. على العكس، استمرّ القصف، وأُعيد التشديد على أوامر الإخلاء شمال نهر الزهراني، فيما قالت إسرائيل إنّها ضربت أكثر من 200 هدفٍ لـ"حزب الله" خلال 24 ساعة. بذلك، بدا أنّ تلّ أبيب تسعى إلى تحسين موقعها التفاوضيّ من بوّابة الميدان، ولا سيّما من بوّابة بنت جبيل ذات الرمزيّة العسكريّة والسياسيّة والمعنويّة.
إسرائيليًّا، الثابت المؤكَّد اليوم هو أنّ الموقف الرسميّ المعلن لم ينتقل إلى تبنّي وقفٍ لإطلاق النار، بل بقي متمسّكًا باستمرار العمل العسكريّ ضدّ "حزب الله". في المقابل، برز اليوم حديثٌ عن طلبٍ أميركيٍّ لوقفٍ موقّتٍ للنار. وبحسب المعلومات، طلبت الإدارة الأميركيّة من بنيامين نتنياهو درس وقفٍ موقّتٍ لإطلاق النار في لبنان، على أن يجتمع "الكابينيت" لبحثه مساء اليوم. وهنا بالضبط تتّصل بنت جبيل بالتفاوض. فالمعركة عليها ليست تفصيلًا حدوديًّا، بل اختبارٌ لمعادلة القوّة قبل أيّ تهدئة. بالنسبة إلى إسرائيل، اختراق بنت جبيل أو تثبيت سيطرةٍ عملياتيّةٍ أوسع حولها يمنحها ورقةً تفاوضيّةً ثقيلةً في أيّ نقاشٍ حول وقف النار، أو المنطقة العازلة، أو مستقبل سلاح "حزب الله" جنوب الليطاني. وبالنسبة إلى الحزب، منع سقوط المدينة، أو على الأقلّ منع تحويله إلى مشهدٍ إسرائيليٍّ مكتمل، يعني إسقاط محاولة تحويل الميدان إلى وثيقة ضغطٍ سياسيّة..
بنت جبيل: "أمّ المعارك" وحدُّ التوغّل الأهمّ
في المحور الأوسط، كانت بنت جبيل العنوان الأوضح لليوم القتاليّ. التقارير الميدانيّة أفادت بأنّ المدينة باتت مطوَّقةً بالكامل تقريبًا، وأنّ الاشتباكات دارت حول الملعب، ومدرسة السراي، والبلديّة، وحوض البلدة، فيما لم تتمكّن القوّات الإسرائيليّة، حتّى بعد هذا الطوق، من التقدّم إلى قلب المدينة. وهذا فارقٌ مهمّ، لأنّه يعني أنّ الجيش الإسرائيليّ وصل إلى حوافّ السيطرة الميدانيّة، لكنّه لم ينجح بعد في إنتاج صورة "سقوط المركز".
إسرائيليًّا، ثبّتت بياناتٌ وتقاريرُ عدّةٌ أنّ بنت جبيل هي بؤرة العمليّات الأساسيّة في الأيام الأخيرة. الجيش الإسرائيليّ قال إنّ "لواء جفعاتي" أسر ثلاثة عناصر من "حزب الله" في المدينة، بينهم عنصرٌ من "قوّة الرضوان"، بعد اشتباكٍ من مسافةٍ قريبة. كما أكّدت تقارير إسرائيليّةٌ أخرى إصابة 10 جنود من لواء المظلّيّين في اشتباكٍ قريبٍ مع ثلاثة مقاتلين من الحزب، مع استخدام نيران دبّاباتٍ وإسنادٍ جويٍّ لإنهاء الاشتباك. هذه الوقائع تُظهر أنّ القتال في بنت جبيل لم يعد قصفًا وتمهيدًا فقط، بل صار قتال تماسٍّ مباشرًا داخل نسيجٍ عمرانيٍّ كثيف..
ومن الناحية العمليّاتيّة، فإنّ أبعد ما وصل إليه الجيش الإسرائيليّ اليوم في هذا المحور هو تكريس الطوق على بنت جبيل، مع تمركزٍ حول عقدها الداخليّة، لا سيّما في محيط الملعب والبلديّة والمدرسة، من دون تأكيدٍ موثوقٍ على سيطرةٍ كاملةٍ على الوسط المدينيّ. هذا يعني أنّ "خريطة التوغّل" اليوم، في المحور الأوسط، تُرسم كالتالي، تطويقٌ متقدّمٌ، جيوبُ تماسٍّ داخليّة، وتقدّمٌ محدودٌ تحت النار، لكن من دون حسمٍ نهائيّ.
المحور الشّرقيّ: الخيام بوّابة الاشتباك المفتوح
في المحور الشرقيّ، تَركَّزَت الاشتباكات في الخيام. واستهدفت غارتان جويّتان الحيّ الشماليّ من البلدة، فيما سُمعت اشتباكاتٌ عنيفةٌ امتدّ صداها إلى القرى المجاورة، مع دويّ إطلاق صواريخ وأسلحةٍ رشّاشة، ثمّ انفجارٍ كبيرٍ قرابة الثانية فجرًا، رُجِّح أنّه ناتجٌ من تفجير مبانٍ بالمتفجّرات. هذه الصورة توحي بأنّ الخيام بقيت جبهة استنزافٍ واشتباكٍ بالنيران المباشرة وغير المباشرة، أكثر ممّا هي مشهد اقتحامٍ حاسمٍ كالذي يجري في بنت جبيل.
وعليه، فإنّ خريطة التوغّل في الشرق لا تُظهر، اليوم، قفزةً ميدانيّةً نوعيّةً جديدةً بقدر ما تُظهر تثبيتًا لأسلوب القتال، ضغطٌ جويٌّ، اشتباكٌ من مسافاتٍ متفاوتة، وتفجيرٌ ممنهجٌ لمبانٍ وبُنى يُشتبه بأنّها تُستخدم عسكريًّا. وإذا كانت بنت جبيل هي معركةُ الرمز، فإنّ الخيام بدت معركةَ الاستنزاف وإدارة النيران..
المحور الغربيّ: نارٌ كثيفةٌ وتهيئةٌ أكثر من اقتحام
في المحور الغربيّ، لم تبرز اليوم معركةُ اقتحامٍ بريٍّ كبيرةٌ بحجم بنت جبيل، لكنّ مستوى النيران بقي مرتفعًا. الضربات شملت القلَيلة في قضاء صور، وعبّاسيّة، وبابليّة، ومحمّوديّة، وصور، التي كانت تُعدّ ملاذًا نسبيًّا للنازحين، لم تعد بمنأى عن الاستهداف، مع ضربةٍ قرب مركز المدينة ليلًا، ودخانٍ تصاعد فوق الساحل الجنوبيّ طوال اليوم. هذا المحور، إذًا، بدا محورَ تقطيعٍ ناريٍّ، وإرباكٍ للعمق الخلفيّ، وشدٍّ على مسالك الحركة والإسناد، أكثر ممّا هو محورَ اختراقٍ برّيٍّ مكشوف..
وهذا ينسجم مع التقدير الإسرائيليّ الأوسع، كما نقلت "رويترز"، بأنّ الجيش يعمل على "تنظيف" شريطٍ يتراوح عمقه بين خمسة وعشرة كيلومترات بعد الحدود، تمهيدًا لمنطقةٍ عازلةٍ فعليّةٍ أو شبه فعليّة. في هذا السياق، تبدو ضربات الغرب جزءًا من هندسة ميدانٍ أوسع، لا من معركة مدينةٍ واحدة..
الاشتباكات التي جرت اليوم بين الجيش الإسرائيليّ و"حزب الله" كانت، في جوهرها، من ثلاثة أنواع. أوّلًا، قتالُ تماسٍّ قريبٌ داخل بنت جبيل، وثّقته تقارير إسرائيليّةٌ عن اشتباكاتٍ مباشرةٍ مع خلايا صغيرة، أدّت إلى إصاباتٍ في صفوف الجيش، وتطلّبت إسنادًا بالدبّابات والطيران. ثانيًا، اشتباكاتُ نيرانٍ متبادلةٌ في الخيام، بالصواريخ والأسلحة الرشّاشة والانفجارات الكبيرة الناتجة من نسف المباني. ثالثًا، قصفٌ جويٌّ ومدفعيٌّ كثيفٌ على القرى والطرق في الغرب والعمق الجنوبيّ، بما يجعل الميدان موزّعًا بين معارك اقتحامٍ موضعيّةٍ وحرب تهيئةٍ وتفكيكٍ للبنية العمرانيّة واللوجستيّة..
ما يجري اليوم في جنوب لبنان يقول إنّ التفاوض لم يوقف التوغّل، بل رافقه. وبدل أن تكون المفاوضات مظلّةً لخفض النار، تحوّلت النار إلى أداةٍ لتحسين شروط التفاوض. لهذا تبدو بنت جبيل، أكثر من أيّ بلدةٍ أخرى، "أمّ المعارك"، لا لأنّها وحدها ساحة القتال، بل لأنّ نتيجتها الرمزيّة ستنعكس مباشرةً على ميزان الجلسات، من وقف النار، إلى المنطقة العازلة، إلى مستقبل سلاح "حزب الله" ودور الدولة اللبنانيّة جنوبًا. وحتى هذه اللحظة، ثمّة ضغطٌ أميركيٌّ واضحٌ نحو تهدئةٍ ما، لكنّ القرار الإسرائيليّ النهائيّ لم ينضج بعد، والميدان لا يزال يتقدّم على السياسة.




