"النار هي اختبار الذَهَب، والشدائد اختبار الرجال الأقوياء".
عبارة للفيلسوف الرواقي سينيكا قبل ألفي عام، يثبت صحتها اليوم مرة أخرى رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام. في أتون حرب مدمرة واضطراب سياسي ونفسي عميق لدى كثيرين، يخرج من الاختبار أقوى وأسطع وضوحاً.
في مدة قصيرة صار القاضي حفيد "أبو علي سلام" - الذي ذهب والده عبدالله إلى التجارة ووجّه ابنه إلى العلم ودرس القانون- زعيماً وطنياً تجاوز حدود زعامة عمّه الراحل صائب سلام عبر محبّيه من كل الفئات والطوائف، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. ليس بفضل سلاح أو شارع أو طائفة، بل بفضل "حزب الله" نفسه. عندما رفع الحزب شعار "صهيوني صهيوني نواف سلام صهيوني"، لم يُضعف الرجل، بل منحَه استفتاءً شعبياً عكسياً مذهلاً. كلما زاد التخوين، ازدادت صلابته في أعين اللبنانيين الذين سئموا "حروب الآخرين" على أرضهم.
عشية ذكرى اندلاع حروب لبنان في 13 نيسان 1975، لم تكن كلمته خطاباً سياسياً عادياً. كان فيها أستاذه غسان تويني بكل صراخه الدبلوماسي "دعوا شعبي يعيش"، والرئيس الأميركي أبراهام لينكولن (بين 1861-1865) في استخدامه ذكرى حرب الانفصال للدعوة إلى منع تكرارها والحفاظ على وحدة الوطن. وكانت فيها حكمة الفلاسفة الرواقيين في مواجهة الشدائد، ومعهم خبرة محسن إبراهيم بعدما عجنته التجارب فخرج بخلاصته المرّة في رثاء جورج حاوي: "حَمّلنا لبنان فوق ما يستطيع".
على طريقة سمير فرنجية الذي لم يكلّ من الدعوة إلى استخلاص العِبَر من حروب الداخل، اعترف سلام بأخطاء الجميع: مَن غلّب تضامنه مع قضايا عادلة على حساب سيادة البلاد وأمنها، ومَن اعتقد أنه يمكن تحويل ضعف لبنان إلى قوة، ومن لجأ إلى دعم خارجي فوجد نفسه أسير لعبة أكبر منه. ثم طلب بأسلوب مقررات المجمع البطريركي الماروني في 2006 "أن نقف جميعاً بعضنا مع بعض، وليس بعضنا في وجه بعض". حذّر من الفتنة والتهويل بالحرب الأهلية، وعبّر عن وجع الأم التي فقدت ابنها المقاتل كما وجع الأم التي فقدت طفلاً لم يختر هذه الحرب. أكد أن حماية الجنوب وكل لبنان "لا تكون إلا بدولة واحدة قوية وعادلة". وعلى غرار الرئيس رفيق الحريري ينادي بدولة تطبق اتفاق الطائف، تسدّ ثغراته حيث تظهر، وتُطوّره، وتبسُط سلطتها على كل أراضيها بقواها الذاتية، و"لا أحد فوق القانون أو خارجاً عليه".
هذا هو رجل الدولة. صحيح ما كتب عنه النائب ميشال الدويهي: "قوة نوّاف سلام أنه لا يشبه هذا البلد في علّاته… لا هو زعيم طائفة، ولا رئيس عشيرة، ولا وارث دم أو شارع أو منظمة مسلحة. قوته ليست في السلاح، ولا في العدد، ولا في الغرائز… بل في "الكتاب": في الدستور، في القانون، في المؤسسات، في فكرة الدولة التي تعلو ولا تُساوِم".
في زمن حالك السواد، يشيع نوّاف سلام الثقة. يقف صلباً حازماً على شرعية لا تحتاج إلى تبرير، لا يطلب ولاء ولا يوزع حمايات، ولا يتكئ على خوف الناس، بل على ثقتهم. هو الاستثناء في الزمن اللاعقلاني والدامي. ربما يكون الفرصة الأخيرة كي لا يبقى لبنان مجرد ساحة لرهانات الآخرين، بل يعود دولة ووطناً.
رجل نكتشفه مرة تلو أخرى. تنطبق عليه معادلة فريديريك نيتشه "ما لا يقتلنا يقوّينا".
شكراً نوّاف سلام. نعمة أن يكون لنا في هذه المرحلة من تاريخنا رئيس حكومة وطني شجاع، رجل علم موزون، مرتب، يؤمن بلبنان، أولاً وقبل أي شيء آخر.




