ينطلق اليوم مساء، أوّل اجتماع تفاوضيّ مباشر مع إسرائيل في واشنطن. معه يدخل لبنان في مرحلة دقيقة، أمام خطوة تشكل اختبارًا فعليًّا للانتقال من المواجهة العسكريّة المفتوحة في ظل العدوان الإسرائيليّ على لبنان، إلى مسار سياسي، حكمًا لن يكون سهلًا.
الموقف اللبنانيّ، كما تؤكّد المعطيات الرسميّة، واضحٌ ومحدّد، ويقوم على إعطاء الأولويّة المطلقة لوقف إطلاق النّار، باعتباره المدخل الإلزاميّ لأيّ مفاوضات. وقد أُبلغت السفيرة اللبنانيّة في واشنطن، ندى معوّض، هذا الموقف، بناءً على توجيهات رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، الذي شدّد على أنّ أيّ مسارٍ تفاوضيّ يجب أن ينطلق من وقف الأعمال العدائيّة، على أن تتولّى الدولة اللبنانيّة، حصرًا، إدارة هذا الملفّ السياديّ.
وكان عون قد أكّد، في وقتٍ سابق، أنّ "الاجتماع المرتقب يشكّل فرصةً لبلورة اتّفاقٍ على وقف إطلاق النّار، تمهيدًا لإطلاق مفاوضاتٍ مباشرة يقودها وفدٌ لبنانيّ رسميّ، بهدف تثبيت الاستقرار، خصوصًا في الجنوب"، إلّا أنّه شدّد، في الوقت نفسه، على أنّ الوصول إلى حلٍّ مستدام يتطلّب تجاوبًا إسرائيليًّا مع الدعوات اللبنانيّة والعربيّة والدوليّة إلى وقف الاعتداءات.
إسرائيل تدفع نحو تفاوضٍ تحت القصف
في المقابل، تعكس المواقف الإسرائيليّة اتّجاهًا تصعيديًّا مغايرًا، وهو ما نقلته وسائل إعلامٍ إسرائيليّة منذ ساعات الصباح. فقد أشارت صحيفة "هآرتس"، نقلًا عن مصادر، إلى أنّ إسرائيل ستؤكّد خلال المفاوضات استمرار الحرب بهدف نزع سلاح "حزب الله". كما أفادت هيئة البثّ الإسرائيليّة بأنّ "إسرائيل تؤكّد مجدّدًا عزمها إجراء مفاوضاتٍ مع لبنان تحت النّار"، مشيرةً إلى أنّ الجيش الإسرائيليّ يتمركز حاليًّا داخل جنوب لبنان على مسافةٍ تتراوح بين سبعة وعشرة كيلومترات من الحدود، في خطوطٍ مضادّة للدروع، ويستعدّ لاحتمال البقاء لفترةٍ طويلة في المنطقة الأمنيّة الجديدة جنوبيّ لبنان.
وتوحي هذه المواقف بأنّ إسرائيل لا تنظر إلى المفاوضات بوصفها مدخلًا لوقف الحرب، بل كأداةٍ سياسيّة موازية للضّغط العسكريّ، تُستخدم لفرض شروطها الأمنيّة من موقع القوّة.
اجتماع تمهيديّ واحتمالان أمام لبنان
وقد عُدّل موعد الاجتماع التمهيديّ ليُعقد عند السّاعة الحادية عشرة صباحًا بتوقيت واشنطن، أي السّادسة مساءً بتوقيت بيروت، وسط معلوماتٍ عن مشاركة وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو في المباحثات.
وفي ضوء ذلك، يبدو أنّ لبنان أمام احتمالين أساسيّين. الاحتمال الأوّل يتمثّل في نجاح المسار التمهيديّ، عبر التوصّل إلى هدنةٍ أو تفاهمٍ أوّليّ، بما يتيح الانتقال إلى مرحلةٍ ثانية من التفاوض، من خلال وفدٍ رسميّ أوسع قد ينعقد في قبرص برئاسة السفير سيمون كرم. غير أنّ نجاح هذا السيناريو يبقى مرتبطًا بمدى استعداد إسرائيل لتقديم تنازلات، أو في الحدّ الأدنى تجميد عمليّاتها العسكريّة.
أمّا الاحتمال الثاني، فيقوم على فشل الاجتماع نتيجة تمسّك إسرائيل بمواصلة الحرب ورفضها وقف إطلاق النّار، ما قد يدفع لبنان إلى إعلان وقف التفاوض، كما ألمح عون، وهو ما يعني العودة إلى نقطة الصفر، وربّما الانزلاق نحو تصعيدٍ ميدانيّ أكبر، في ظلّ استمرار العمليّات العسكريّة في الجنوب، ولا سيّما في بنت جبيل، وغياب أيّ ضماناتٍ جدّيّة لتحييد بيروت.
موقفٌ مرتقب لبرّي
على صعيدٍ متّصل، تحدّثت معلومات عن اجتماعٍ مرتقب لكتلة "التّنمية والتّحرير" برئاسة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، لاتّخاذ الموقف المناسب من مسار المفاوضات، على أن يصدر هذا الموقف خلال السّاعات المقبلة.
ويكتسب هذا التحرّك أهمّيّةً سياسيّةً إضافيّة، نظرًا إلى موقع بري في المعادلة الداخليّة، وإلى حساسيّة المرحلة التي تتّصل بمسار التفاوض وحدوده وسقفه السياسيّ.
التفاوض لا يعني الاعتراف بإسرائيل
وفي المواقف الرسميّة، أشار نائب رئيس الحكومة طارق متري إلى أنّ الحدّ الأدنى المطلوب هو هدنةٌ تسمح بإجراء مفاوضاتٍ في أجواءٍ هادئة، لافتًا إلى أنّ التفاوض، بحدّ ذاته، لا يعني اعترافًا بإسرائيل، بل يندرج ضمن إدارة النّزاع.
كما أكّد متري أنّ رئيس الجمهوريّة يقود هذا المسار بالتنسيق مع رئيس الحكومة، فيما تمثّل السفيرة اللبنانيّة الدولة اللبنانيّة رسميًّا، بعيدًا من أيّ تمثيلٍ حزبيّ، رغم تقاطع المواقف المعلنة مع رغبة "حزب الله" في وقف إطلاق النّار.
من جهته، أوضح وزير الثقافة غسّان سلامة، في حديثٍ صحافيّ، أنّه، بموجب المادّة 52 من الدستور اللبنانيّ، فإنّ رئيس الجمهوريّة هو من يقود المفاوضات الدوليّة بالاتّفاق مع رئيس الحكومة، وأنّ "أيّ اتّفاقٍ يُعتمد، في ضوء ذلك، في مجلس الوزراء، يُعرض على مجلس النوّاب".
ولفت إلى أنّ "الرئيس عون أخذ مبادرة الدعوة إلى التفاوض"، مشيرًا إلى أنّ "موعد اليوم في واشنطن ليس إلّا جلسة مباحثاتٍ ذات طابعٍ لوجستيّ، وما هو مصرّحٌ به للسفيرة ندى حمادة معوّض هو محاولة الحصول على موافقةٍ إسرائيليّة لوقف إطلاق النّار، لا أكثر".
مواقف إسرائيليّة متشدّدة
في المقابل، شدّدت مصادر دبلوماسيّة إسرائيليّة، عبر إذاعة الجيش، على أنّه "لا سلام مع لبنان من دون نزع سلاح الحزب"، مع الإشارة إلى رغبة تلّ أبيب في التوصّل إلى "اتّفاق سلامٍ حقيقيّ، وليس مجرّد تهدئةٍ أو تطبيعٍ محدود".
وتعكس هذه المواقف سعيًا إسرائيليًّا إلى فرض إطارٍ تفاوضيّ يتجاوز وقف إطلاق النّار نحو تحقيق أهدافٍ استراتيجيّة أوسع، ترتبط بإعادة رسم التوازنات الأمنيّة في المنطقة، وهو ما ينسجم مع قراءاتٍ تتحدّث عن أهدافٍ إسرائيليّة ذات طابعٍ توسّعيّ أو مرتبطة بإعادة ترتيب النّفوذ في الإقليم.
وبين النجاح والفشل، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا هو بقاء المفاوضات في إطار الأخذ والرّدّ، ضمن مسارٍ طويلٍ ومعقّد، خصوصًا في ظلّ التّصعيد الإسرائيليّ المستمرّ، وعدم وضوح الموقف الأميركيّ، الذي يغطّي، عمليًّا، العدوان الإسرائيليّ على لبنان.
وعليه، يقف لبنان أمام مفترقٍ بالغ الحساسيّة: إمّا هدنةٌ مؤقّتة تفتح الباب أمام مسارٍ سياسيّ قابلٍ للحياة، وإمّا استمرار التفاوض تحت القصف، بما يحمله ذلك من مخاطر الانزلاق إلى تصعيدٍ أوسع، قد تتجاوز تداعياته حدود الجنوب إلى كامل المشهد اللبنانيّ.




