لبنان على مفترق الوجع: تضحيةٌ بالجنوب أم صِدام داخلي؟

مانشيت - المدنالثلاثاء 2026/04/14
Image-1776176661
لا يبدو لبنان أمام مفاوضات تقليدية، بل أمام لحظة مفصلية تتجاوز عنوان "لقاء في واشنطن". (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

في اللحظة التي ينطلق فيها لقاء واشنطن، تبدو الدولة اللبنانية في مواجهة معضلة وجودية غير مسبوقة. فشروط إسرائيل باتت واضحة. وقد أوعزت حكومة بنيامين نتنياهو إلى السفير في واشنطن أن يرفض أي وقف لإطلاق النار بالتزامن مع انطلاق المفاوضات. وهذا ما يترجم استراتيجية "التفاوض تحت النيران" التي أعلنت عنها تل أبيب صراحة، والتي تهدف إلى عزل المسار السياسي للدولة اللبنانية عن الواقع الميداني لحزب الله. ووفق تسريبات صحيفة "هآرتس" اليوم، هناك انطباع بأن التوصل لاتفاق سلام هو أمر متاح خلال أشهر قليلة، ولكن بشرط وحيد: تفكيك بنية حزب الله بالكامل.
ويأتي طرح وزير الأمن القومي الإسرائيلي رون ديرمر ليزيد المشهد تعقيدًا، من خلال اقتراحه تقسيم الجغرافيا اللبنانية إلى ثلاث مناطق أمنية، تبدأ بشريط بعمق 8 كيلومترات يخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، تتبعه منطقة انتشار للجيش اللبناني، وصولًا إلى العمق اللبناني حيث تُطالب الدولة بتنفيذ عملية نزع سلاح حزب الله كاملًا. والخطورة في هذا الطرح تكمن في جعل الانسحاب الإسرائيلي من الحافة الأمامية "جائزة مؤجلة"، وأن يكون مشروطًا بنجاح الدولة اللبنانية في مهمة أمنية عجزت عنها آلة الحرب الإسرائيلية نفسها لسنوات طويلة، وهي نزع السلاح.
هذا المسار يضع القرار الرسمي في بيروت أمام فكّي كماشة: فإمّا القبول بالأمر الواقع الذي يعني خسارة الجنوب لمصلحة احتلال مقنّع بمنطقة عازلة دائمة، وإمّا الاستجابة للشرط الإسرائيلي بالصدام المباشر مع حزب الله، وهو ما يعني إمكان دفع البلد نحو منزلق المواجهة الأهلية.
عمليًّا، يُخشى أن تكون هذه مقايضةً للأرض بالسِّلم الأهلي، وفيها تسعى إسرائيل إلى تحويل الدولة من مفاوض يطالب باستعادة سيادته إلى أداة تنفيذية لمشروع نزع السلاح، وهو ما يترك لبنان يترنّح بين خيارين أحلاهما مرّ: احتلال مديد يبتلع الجنوب حتى إشعار آخر، أو صدام داخلي قد يبتلع ما تبقّى من هيكل الدولة.

 

واشنطن: اختبار الانتقال 

ينطلق اليوم مساءً أوّل اجتماع تفاوضي مباشر مع إسرائيل في واشنطن، ومعه يدخل لبنان مرحلةً دقيقةً أمام خطوة تشكّل اختبارًا فعليًّا للانتقال من المواجهة العسكرية المفتوحة، في ظلّ العدوان الإسرائيلي على لبنان، إلى مسار سياسي، حكمًا لن يكون سهلًا. الموقف اللبناني واضح ومحدّد: أولوية مطلقة لوقف إطلاق النار باعتباره المدخل الإلزامي لأي مفاوضات، وهو ما تبلّغته السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوّض، بناءً على توجيهات رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي شدّد على أنّ أي مسار تفاوضي يجب أن ينطلق من وقف الأعمال العدائية، على أن تتولّى الدولة اللبنانية حصريًّا إدارة هذا الملف السيادي.

في المقابل، تعكس المواقف الإسرائيلية اتجاهًا تصعيديًّا مغايرًا، وهو ما تولّت نقله وسائل إعلام إسرائيلية منذ صباح اليوم، إذ أشارت صحيفة "هآرتس"، نقلًا عن مصادر، إلى أنّ إسرائيل ستؤكّد خلال المفاوضات استمرار الحرب بهدف نزع سلاح حزب الله. كما نقلت هيئة البث الإسرائيلية أنّ "إسرائيل تؤكّد مجدّدًا عزمها إجراء مفاوضات مع لبنان تحت النار"، وأنّ الجيش يتمركز حاليًّا داخل جنوب لبنان بين 7 و10 كلم من الحدود في خطوط مضادّة للدروع، ويستعدّ لاحتمال البقاء فترةً طويلةً في المنطقة الأمنية الجديدة جنوبي لبنان.

 

المطلب اللبناني: وقف النار أولًا

في المقاربة اللبنانية، لا تفاوض تحت القصف، ولا مسار سياسيًّا مستدامًا فيما الجنوب مفتوح على الاحتمالات العسكرية كلّها. هذا ما عبّر عنه رئيس الجمهورية جوزاف عون بوضوح عندما أكّد أنّ "الاجتماع المرتقب يشكّل فرصة لبلورة اتفاق على وقف إطلاق النار، تمهيدًا لإطلاق مفاوضات مباشرة يقودها وفد لبناني رسمي، بهدف تثبيت الاستقرار، خصوصًا في الجنوب". لكنّ هذا الموقف نفسه وضع شرطه الحاسم: لا جدوى من أي تفاوض إذا لم يسبقه تجاوب إسرائيلي مع الدعوات اللبنانية والعربية والدولية لوقف الاعتداءات.

ولذلك، لا تنظر بيروت إلى لقاء واشنطن على أنّه افتتاح مسار سلام، بل بوصفه محاولة انتزاع موافقة إسرائيلية على وقف النار، أو في الحدّ الأدنى على هدنة تسمح ببناء مناخ سياسي وأمني مختلف. ومن هنا أيضًا جاء التشديد الرسمي على أنّ الدولة اللبنانية وحدها تدير هذا الملف، وأنّ أي وفد تفاوضي يتحرّك تحت سقف الدستور ومؤسّسات الدولة، لا تحت أي عنوان آخر.

 

احتمالان أمام لبنان

تمّ تعديل موعد الاجتماع التمهيدي ليُعقد عند الساعة 11 صباحًا بتوقيت واشنطن، أي السادسة مساءً بتوقيت بيروت، وسط معلومات عن مشاركة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في المباحثات. وبذلك، يتّضح أمام لبنان احتمالان أساسيّان.

الاحتمال الأوّل، نجاح المسار التمهيدي في التوصّل إلى هدنة أو تفاهم أوّلي، بما يفتح الباب أمام مرحلة ثانية من التفاوض عبر وفد رسمي أوسع قد يُعقد في قبرص، برئاسة السفير سيمون كرم. غير أنّ هذا السيناريو يبقى معلّقًا على استعداد إسرائيل لتقديم تنازلات، أو على الأقلّ تجميد عملياتها العسكرية.

أمّا الاحتمال الثاني، فهو فشل الاجتماع نتيجة تمسّك إسرائيل بمواصلة الحرب ورفضها وقف إطلاق النار، ما قد يدفع لبنان إلى إعلان وقف التفاوض، كما ألمح عون، لتعود الأمور إلى نقطة الصفر، وربّما إلى تصعيد ميداني أكبر، في ظلّ استمرار العمليات العسكرية في الجنوب، ولا سيّما في بنت جبيل، وغياب أي ضمانات جدّية لتحييد بيروت.

في أي حال، تكشف التسريبات الإسرائيلية أنّ تل أبيب لا تذهب إلى واشنطن بعقلية تسوية سريعة، بل بعقلية إدارة حرب عبر السياسة. فقد أورد موقع "واللا" أنّ أحد الأهداف المركزية المطروحة داخل دوائر القيادة الإسرائيلية لا يقتصر على فتح قناة تفاوضية أو تنظيم الاشتباك، بل يتعلّق أيضًا بتأمين شرعية دولية لاستمرار الحرب.

وبحسب التقرير، ترى إسرائيل في المفاوضات وسيلةً لتخفيف حدّة الانتقادات الدولية، ولو استمرّ القتال. ونقل الموقع عن مصدر إسرائيلي قوله: "لا مشكلة في التحدّث مع لبنان ما دمنا نواصل القتال بكلّ قوّتنا، ونحن نقاتل بكلّ قوّتنا. عندما يكون هناك تفاوض وحديث، تتوافر شرعية، أو على الأقلّ تنخفض حدّة الانتقادات العالمية لإسرائيل. نحن بحاجة إلى هذه الشرعية لمواصلة التعامل مع جنوب لبنان، وهذا ما يحدث".

المعنى السياسي هنا بالغ الخطورة: إسرائيل لا تطرح التفاوض كبديل من الحرب، بل كغطاء لها. أي إنّها تريد مسارًا دبلوماسيًّا يخفّف الضغط الدولي، فيما تستكمل في الميدان فرض وقائع جديدة على الأرض، من بنت جبيل إلى الشريط الحدودي، تمهيدًا لإدخال لبنان في معادلة سياسية، أمنية جديدة، عنوانها "التسوية مقابل نزع السلاح".

 

"اتفاق على الرّف"

الأخطر ممّا نُقل إسرائيليًّا كان الحديث عن إمكان توقيع "اتفاق على الرّف"، أي اتفاق مؤجّل التنفيذ، يقوم على معادلة واضحة: إذا نجح لبنان في تفكيك حزب الله، تتوقّف إسرائيل عن القتال، وإذا لم ينجح، تواصل الحرب "بكلّ قوّتها"، مع الادّعاء أمام العالم بأنّها كانت منفتحة على اتفاق.

هذا الطرح لا يشكّل مشروع تسوية، بل مشروع ابتزاز سياسي وأمني. فهو يحوّل الدولة اللبنانية من طرف يطالب بوقف العدوان واستعادة أراضيه إلى طرف مطالب بإثبات حسن السلوك الأمني، تحت التهديد المباشر باستمرار الحرب. بمعنى آخر، يصبح وقف النار مكافأة مؤجّلة، لا حقًّا سياديًّا، ويصبح الانسحاب الإسرائيلي مشروطًا بمهمّة لم تستطع إسرائيل نفسها إنجازها عسكريًّا طوال سنوات.

 

شقّ المحور بين الحزب وإيران

في ما يبدو أنّه البعد السياسي الأهمّ في هذا المسار، كشف "واللا" أنّ أحد الأهداف الإسرائيلية المركزية يتمثّل في السعي إلى إحداث شرخ بين "حزب الله" وإيران، على أساس أنّ اللحظة الراهنة قد تمثّل "نقطة انكسار" في العلاقة بينهما.

ونقل الموقع عن مصدر مطّلع قوله: "ما يحدث الآن أمر كبير جدًّا، وقد يكون نقطة الانكسار بالنسبة إلى حزب الله". وأضاف: "دخل حزب الله الحرب لحماية إيران، لكنّ إيران تتخلّى عن حزب الله وتدفعه إلى الواجهة وحده".

وتابع المصدر أنّ إيران هدّدت بالعودة إلى الحرب ضدّ إسرائيل إذا لم توقف الأخيرة حربها على "حزب الله"، "لكنّها لم تفعل شيئًا، والتقديرات تشير إلى أنّها لن تفعل". ورأى أنّ طهران "لن تُعرّض وقف إطلاق النار للخطر من أجل حزب الله"، مضيفًا أنّها قد تعود إلى القتال لاحقًا، لكن "لأسباب تتعلّق بها هي، كملفّ اليورانيوم أو مضيق هرمز، لا بسبب الهجمات الإسرائيلية على حزب الله".

وبحسب المصدر نفسه، فإنّ "حزب الله يرى أنّه خاض المعركة من أجل الإيرانيّين، لكنّ الإيرانيّين لا يردّون له الجميل"، معتبرًا أنّ هذا التطوّر "بالغ الأهمية في مسار كسر المحور بين الجانبين على المدى الطويل".

هذا يعني أنّ إسرائيل لا تتعامل مع حربها على لبنان بوصفها مواجهة حدودية فحسب، بل كفرصة لإعادة ترتيب التوازنات داخل محور كامل، عبر محاولة عزل الحزب عن مظلّته الإقليمية، ودفعه إلى التراجع وحيدًا، أو إلى دفع الدولة اللبنانية للاصطدام به من الداخل.

ونقل التقرير عن مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية قوله إنّ "نتيجةً مباشرةً لأفعال حزب الله الطائشة، تُجري حكومتا إسرائيل ولبنان أوّل محادثات دبلوماسية مفتوحة ومباشرة ورفيعة المستوى من هذا النوع منذ عام 1993، بوساطة الولايات المتحدة". وأضاف أنّ المحادثات ستركّز على "مواصلة الحوار بشأن ضمان أمن طويل الأمد على الحدود الشمالية لإسرائيل، ودعم تصميم الحكومة اللبنانية على استعادة سيادتها الكاملة على أراضيها وحياتها السياسية".

وبهذا المعنى، تبدو الرسالة الأميركية واضحة: "إسرائيل في حالة حرب مع حزب الله، لا مع لبنان، وبالتالي لا يوجد ما يمنع الجارين من التحدّث". غير أنّ هذه المقاربة، وإن كانت تبدو دبلوماسية في ظاهرها، تحمل في جوهرها إشكالية خطيرة، لأنّها تفصل بين العدوان الإسرائيلي على الأرض اللبنانية وبين الدولة اللبنانية نفسها، كأنّ القصف والاحتلال الجزئي والتوغّل لا يستهدفون السيادة اللبنانية مباشرة.

غطاء دستوري ورسمي للمسار التفاوضي

على المستوى الداخلي، بدا واضحًا سعي الدولة إلى إحاطة أي مسار تفاوضي بغطاء دستوري وسياسي صارم. فقد أكّد نائب رئيس الحكومة طارق متري أنّ الحدّ الأدنى المطلوب هو هدنة تسمح بإجراء مفاوضات في أجواء هادئة، لافتًا إلى أنّ التفاوض بحدّ ذاته لا يعني اعترافًا بإسرائيل، بل يندرج ضمن إدارة النزاع. كما شدّد على أنّ رئيس الجمهورية يقود هذا المسار بالتنسيق مع رئيس الحكومة، فيما تمثّل السفيرة اللبنانية الدولة اللبنانية رسميًّا، بعيدًا من أي تمثيل حزبي.

ومن جهته، أوضح وزير الثقافة غسّان سلامة أنّه، بموجب المادة 52 من الدستور اللبناني، فإنّ رئيس الجمهورية هو من يقود المفاوضات الدولية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، وأنّ "أي اتفاق يعتمد في ضوء ذلك بمجلس الوزراء، يُعرض على مجلس النواب". ولفت إلى أنّ "الرئيس عون أخذ مبادرة الدعوة للتفاوض"، مشيرًا إلى أنّ "موعد اليوم في واشنطن ليس إلّا جلسة مباحثات ذات طابع لوجستي، وما مُصرّح به للسفيرة ندى حمادة معوّض هو محاولة الحصول على موافقة إسرائيلية لوقف إطلاق النار، لا أكثر".

 

ميزان الداخل لم يُحسم بعد

على صعيد متّصل، تحدّثت معلومات عن اجتماع مرتقب لكتلة "التنمية والتحرير" برئاسة رئيس مجلس النواب نبيه بري، لاتّخاذ الموقف المناسب المتعلّق بالمفاوضات، على أن يصدر الموقف خلال الساعات المقبلة.

أهمية هذا الموقف لا تنبع فقط من موقع بري الدستوري والسياسي، بل من كونه أحد أبرز العارفين بخطوط التماس بين الدولة والمقاومة، وبين الداخل اللبناني والضغوط الخارجية. لذلك، فإنّ أي موقف سيصدر عنه سيُقرأ بوصفه مؤشرًا إلى حدود التماسك الداخلي، وإلى مدى استعداد السلطة السياسية للسير في هذا المسار، أو ضبطه، أو الاعتراض عليه.

 

في الخلاصة، لا يبدو لبنان أمام مفاوضات تقليدية، بل أمام لحظة مفصلية تتجاوز عنوان "لقاء في واشنطن". فالمعركة الحقيقية ليست فقط حول وقف النار أو استئناف التفاوض، بل حول طبيعة الدولة اللبنانية نفسها في المرحلة المقبلة: هل تبقى دولةً تفاوض من أجل سيادتها ووقف العدوان، أم تتحوّل، تحت الضغط العسكري والسياسي، إلى أداة تنفيذ لمشروع إسرائيلي عنوانه نزع السلاح مقابل انسحاب مشروط؟

بين النجاح والفشل، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا هو بقاء المفاوضات في إطار الأخذ والردّ، ضمن مسار طويل ومعقّد، خصوصًا في ظلّ التصعيد الإسرائيلي المستمرّ، وعدم وضوح الموقف الأميركي الذي يوفّر، عمليًّا، غطاءً للعدوان على لبنان. وهكذا، لا يقف لبنان فقط بين احتمال التهدئة المؤقّتة واحتمال التصعيد الأوسع، بل بين خطرين متوازيين: جنوب مهدّد باحتلال مديد، وداخل مهدّد بانقسام خطير. وفي هذا الفاصل الضيّق بين الاحتلال والصدام، ستُقاس، في الساعات والأيام المقبلة، قدرة الدولة على منع سقوط البلاد في الفخّ الإسرائيلي الأكبر.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث