اللَّادَولَة= مَياعَة الدَّولة!

زياد الصائغالاثنين 2026/04/13
Image-1776018919
مَعادَلَةَ "التَساكُنِ" بَينَ الدَولَةِ واللَادَولَةِ، أَنتَجَت نِظامًا مُشوَهًا (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ليستِ اللَّادَولَةُ في لُبنانَ ظاهِرَةً طارِئَةً، ولا هي نتاجُ ظرفٍ عابِرٍ أو اختلالٍ تقنيٍّ في الإدارةِ العامَّةِ، بل هي تَراكُمٌ مَنهَجيٌّ لِمَسارٍ طويلٍ من مَياعَةِ الدَّولَةِ نفسِها. حينَ تَتَراخى الدَّولَةُ في مُمارَسَةِ سُلطَتِها الدُّستوريَّةِ، وتَتَواطأُ مع تَفسيراتٍ مُلتَبِسَةٍ لِلسِّيادَةِ، فإنَّها لا تُضعِفُ ذاتَها فحسب، بل تُنتِجُ بِنيَةً مُوازِيَةً تُنافِسُها وتَلتَهِمُها. اللَّادَولَةُ، في هذا السِّياقِ، ليست قُوَّةً خارِجِيَّةً مُستَقلَّةً، بل هي وَجهٌ آخَرُ لِدَولَةٍ تَخلَّت عَن نَفسِها.

 

مَياعَةُ الدَّولَةِ تَبدَأُ حينَ تَستَسهِلُ التَّنازُلَ عَن حُقوقِها السِّيادِيَّةِ تَحتَ ذَريعَةِ تَجَنُّبِ الصِّدامِ أو تَفادي الحَربِ الأهليَّةِ. غيرَ أنَّ هذا التَّبريرَ، الَّذي يَظهَرُ في بَدايَتِهِ حِكمَةً، يَتحوَّلُ سَريعًا إلى عُذرٍ مُقنَّعٍ لِلعَجزِ، ثُمَّ إلى مَنهَجٍ مُؤَسَّسٍ لِلتَّفريطِ. تَحتَ سِقفِ "الحِفاظِ على السِّلمِ الأهليِّ"، تُفرَّغُ الدَّولَةُ مِن مَضمونِها، وتُعادُ صياغَةُ أدوارِها بِما يَتَناسَبُ مع مَصالِحِ اللَّادَولَةِ، لا مع مُقتَضَياتِ الدُّستورِ والقانونِالأخطَرُ في هذا المَسارِ أنَّهُ لا يَقفُ عِندَ حُدودِ التَّنازُلِ الضِّمنيِّ، بل يَتَجاوَزُهُ إلى سُلوكيَّاتٍ مُقونَنَةٍ تُضفي شَرعيَّةً زائِفَةً على الاختلالِ، تُنتَجُ نُصوصٌ، وتُعَدَّلُ تَفسيراتٌ، وتُبتَكَرُ آليَّاتٌ إداريَّةٌ تُخفي الحَقيقَةَ أو تُعيدُ تَركيبَها. الحَقيقَةُ لا تَعودُ مَعيارًا، بل تُصبِحُ مادَّةً قابِلَةً لِلتَّشكيلِ وَفقَ الحاجَةِ السِّياسيَّةِ. هُنا، يَبلُغُ الانحِرافُ ذِروَتَهُ، لأنَّ الدَّولَةَ الَّتي تَكذِبُ على ذاتِها تَفقِدُ القُدرَةَ على استِعادَةِ وَعيِها السِّياديِّ. في مَوازاةِ ذلِكَ، يَرتَفِعُ سِقفُ الشِّعاراتِ الرَّنَّانَةِ. تُعلِنُ الدَّولَةُ التِزامَها بِحَصرِ السِّلاحِ، وبِسِيادَةِ القَرارِ، وبِتَطبيقِ القَوانينِ، غيرَ أنَّ هذا الرَّفعَ في السُّقوفِ لا يَحمِلُ في طَيّاتِهِ أيَّ قابِلِيَّةٍ لِلتَّنفيذِ. إنَّهُ تَضخُّمٌ لُغويٌّ يُخفي فَراغًا فِعليًّا. الدَّولَةُ المائِعَةُ تُتقِنُ الخِطابَ، لكنَّها تَعجِزُ عَن الفِعلِ، لأنَّ قُيودَها ليست خارِجِيَّةً، بل ناتِجَةٌ عَن ذِهنيَّةٍ تَرسَّخَت عَلى مَدى عُقودٍ في التَّعاطي مع اللَّادَولَةِ كَشَريكٍ لا كَتَحدٍّ وُجوديٍّ.

 

هذِهِ الذِّهنيَّةُ، الَّتي بَنَت مَعادَلَةَ "التَّساكُنِ" بَينَ الدَّولَةِ واللَّادَولَةِ، أَنتَجَت نِظامًا مُشوَّهًا يَعيشُ على التَّأجيلِ الدَّائِمِ لِلمُواجَهَةِ. كُلُّ استِحقاقٍ سِياديٍّ يُؤَجَّلُ. كُلُّ قَرارٍ حاسِمٍ يُرَحَّلُ. وكُلُّ خَرقٍ يُعادُ تَكييفُهُ لِيُصبِحَ مَقبولًا. وَمعَ كُلِّ جَولَةٍ مِن هذا التَّأجيلِ، تَتَعَمَّقُ اللَّادَولَةُ، وتَتَراجَعُ الدَّولَةُ، إلى أن يُصبِحَ الفَصلُ بَينَهُما نَظريًّا لا واقِعيًّا. القَرفُ، في هذا المَشهَدِ، ليسَ شُعورًا عاطِفيًّا فَقط، بل هو مَوقِفٌ مَعرِفيٌّ يَكشِفُ عُمقَ الخَلَلِ. إنَّهُ رَفضٌ لِتَطبيعِ الانحِرافِ، واحتِجاجٌ على تَحوُّلِ اللااستِثناءِ إلى قاعِدَةٍ. غيرَ أنَّ القَرفَ، إذا لَم يَتَحَوَّل إلى فِعلٍ، يَبقى مُجرَّدَ تَنفيسٍ. وَمِن هُنا تَبرُزُ الحاجَةُ إلى تَحويلِ هذا الوعيِّ النَّاقِدِ إلى مَسارٍ سِياساتيٍّ صارِمٍ يُعيدُ تَعريفَ الدَّولَةِ لا كَإطارٍ شَكليٍّ، بل كَسُلطَةٍ فِعليَّةٍ تَحتَكِرُ القَرارَ السِّياديَّ. الإنقِلابُ الرَّاديكاليُّ المَطلوبُ ليسَ فَوضى، ولا مُغامَرَةً غَيرَ مَحسوبَةٍ، بل هو إعادةُ تأسيسٍ لِمَفهومِ الدَّولَةِ على قواعِد واضِحَةٍ لا تَقبَلُ اللَّبسَ. أوَّلُ هذِهِ الأُسُسِ هو الحَسمُ في مَرجِعيَّةِ السِّلاحِ، إذ لا يُمكِنُ لِدَولَةٍ أن تَكونَ سَيِّدَةً فيما سُلطَةُ العُنفِ مُجزَّأَةٌ. ثانِيها هو إعادةُ الاعتِبارِ لِلمُؤَسَّساتِ الدُّستوريَّةِ كَحَكامٍ فِعليِّينَ لا كَواجهاتٍ تَوافُقيَّةٍ. وثالِثُها هو تَحريرُ الخِطابِ السِّياسيِّ مِن ازدِواجيَّتِهِ، بحيثُ يُصبِحُ مُطابِقًا لِلفِعلِ لا بَديلاً عَنهُ. يَقتَضي هذا الانقِلابُ أيضًا مُواجَهَةَ الثَّقافَةِ السّائِدَةِ الَّتي شَرعَنَتِ التَّنازُلَ. فَالتَّغييرُ لا يَكونُ فَقط في القَراراتِ، بل في المَفاهيمِ الَّتي تُنتِجُها. حينَ يُعادُ تَعريفُ "الحِكمَةِ" على أنَّها قُدرَةٌ على الحَسمِ لا على المُوارَبَةِ، وحينَ يُعادُ تَعريفُ "الواقِعيَّةِ" على أنَّها التِزامٌ بِالدُّستورِ لا تَكيُّفٌ مع خَرقِهِ، عِندَها فَقط يُمكِنُ كَسرُ الحَلَقَةِ المُفرَغَةِ الَّتي تَدورُ فيها الدَّولَةُ اللُّبنانيَّةُ.

 

أيّ استِمرارٍ في السَّبيلِ الانحِدارِيِّ لا يَعني فَقط تَآكُلَ الدَّولَةِ، بل هو تهديدٌ للكِيانَ اللُّبنانيَّ في صَميمِهِ. فَالدَّولَةُ ليست مُجرَّدَ أداةِ حُكمٍ، بل هي الإطارُ الَّذي يَحمِلُ مَعنى الوُجودِ السِّياسيِّ لِلمُجتَمَعِ. حينَ تَتَفكَّكُ الدَّولَةُ، يَتَفكَّكُ هذا المَعنى، ويُصبِحُ الكِيانُ عُرضَةً لِإعادَةِ التَّشكيلِ وَفقَ مَوازينِ قُوًى لا تَعبَأُ بِمَفهومِ المَواطَنَةِ ولا بِفِكرَةِ العَدالَةِ. اللَّادَولَةَ في لُبنانَ لَيسَت قَدَرًا، بل نَتيجَةُ خَياراتٍ مُتَراكِمَةٍ. وَمَياعَةُ الدَّولَةِ لَيسَت ضَعفًا طارِئًا، بل مَنهَجًا قابِلًا لِلتَّغييرِ إذا تَوفَّرَ القَرارُ. بَينَ القَرفِ الَّذي يَكشِفُ، والغَضَبِ الَّذي يُحفِّزُ، والعَقلانيَّةِ الَّتي تُؤَطِّرُ، يَكمُنُ الطَّريقُ إلى انقلابٍ راديكاليٍّ لِمصلحةِ دَولَةٍ سَيِّدَةٍ، حُرَّةٍ، عادِلَةٍ، مُستَقِلَّةٍ. دَولَةٌ لا تُساوِمُ على ذاتِها، ولا تَخشى الحَقيقَةَ، ولا تَقبَلُ أن تَكونَ ظِلًّا لِما يَنفيها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث