يبدو أن ما يحدث في إسلام أباد لا يعكس مساعي تفاوضية بين جانبي الحرب وحسب، بل قد يشير إلى مسعى حقيقي وجدي لعقد تسوية عالمية شاملة، تتناسب تماماً مع عالمية الأثر الذي يرسمه مضيق هرمز، ومع حجم ردود الفعل الدولية الواسعة إزاء المشهد الجاري في الشرق الأوسط منذ أكثر أربعين يوماً.
ولعلّ ما كشفته بعض التقارير الاستخباراتية من باكستان عن أن الولايات المتحدة أرسلت وفداً ضخماً يضم قرابة الثلاثمائة مسؤول وخبير إلى العاصمة إسلام آباد يعزز هذا الاتجاه، وخصوصاً إذا ما قورن بالوفد الإيراني الضخم أيضاً، ما يعني أنها مفاوضات قد تأخذ وقتها وتمتدّ لأكثر من أسبوعي الهدنة، لا سيما وأنّ السياق العام لا يخلو من تعقيدات وتفاصيل، لعلّ أبرزها المحاولة الإسرائيلية الحثيثة لفصل المسار اللبناني عن الإيراني، وهو توجّه مدعومٌ من السلطة اللبنانية التي تتعاطى مع الوقائع بذهنية سابقة على الحرب الأخيرة، وكأننا ما زلنا في مخرجات الحرب الماضية، بعيداً عن كل جديد لبناني ميداني طرأ بعد الحرب الجارية.
وفي حين يدخل الاستقطاب في لبنان مرحلة بالغة الخطورة، والتي بدأت صورتها ترتسم في الشارع، فإنّ إيران تمكّنت إلى حدّ كبير من خلق حالة من الاستقطاب العالمي حول الموقف من الحرب، ما جعل الحاجة إلى إنهائها تتبلور في تيار عابر للاقليم ومواقف دولية تُعلي من قيمة التفاوض وتصرّ عليه. وكأننا أمام صورة جديدة لعالم مستجد، قد يُراد من المحادثات الجارية في إسلام أباد أن تكون دفعاً له وانطلاقة، وربما محطة تُسهم في إقفال مسارات مفتوحة منذ "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣، بل وقد تمتد تداعياتها لتلامس ملفات دولية أخرى، من بينها الحرب الروسية الأوكرانية، إن قُدّر للوسطاء توسيع هامش التفاهمات. وقد لا يكون من المبالغة القول إنّ ما يجري يفتح الباب أمام مقاربة تاريخية تستدعي إلى حدّ ما التجربة التي أفضت إلى معاهدات وستفاليا، والتي أنهت حروباً أوروبية طويلة، وأرست في حينه قواعد نظام دولي جديد. صحيح أنّ السياقين مختلفان من حيث الزمان والأدوات وطبيعة الصراعات، إلا أنّ نقطة التشابه تكمن في كون الطرفين آنذاك يصلان إلى لحظة إنهاك متبادل، تفرض الانتقال من منطق الحسم العسكري إلى البحث عن تسوية شاملة تعيد تعريف العلاقات بين القوى الكبرى، وتضع قواعد جديدة لإدارة التوازنات.
هو واقعٌ، لو استتب، قد يشكّل مخرجاً لـ دونالد ترامب من مأزقه الحالي، على اعتبار أنه صاحب مفهوم "الحرب لأجل السلام"، وعلى اعتبار أنه، منذ وصوله إلى البيت الأبيض في رئاسته الثانية، يدفع العالم باتجاه صيغة جديدة من العلاقات والتفاهمات تختلف عن طبيعة النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحربين العالميتين. وبالتالي، قد لا يكون المخرج ممكناً إلا عبر إعادة وضع قواعد جديدة، يُمضى عليها من قبل ترامب نفسه، ويُتوَّج من خلالها مساره السياسي.
وليس بعيداً أن تفضي المساعي إلى وضع آلية عمل جديدة ودولية على مضيق هرمز. وقد كشفت تقارير، نقلاً عن موقع بوليتيكو، أن بريطانيا ستستضيف الأسبوع المقبل جولة جديدة من المحادثات مع حلفاء غير أميركيين، يمثلون 41 دولة، لبحث سبل إعادة فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة فيه. لكن أميركا قد تسعى إلى أن يكون فتح المضيق فتحاً سياسياً لها، بمعنى أن تستغل المفاوضات لمحاولة إيجاد صيغة دولية تؤمّن طريق الملاحة، لكنها تتيح لها بالمقابل، وضمناً، نوعاً من اليد عليه، أو سلطة غير مباشرة بعد تدويل إدارة المضيق أو إنشاء نظام ملاحة دولي، تدير من خلالها معركتها الكبرى مع الصين في نهاية المطاف.
وفي سياقٍ متصل، لا يبدو أن طموح دونالد ترامب يقتصر على إنهاء الحرب الدائرة فحسب، بل قد يتجاوز ذلك إلى محاولة تفكيك العقدة الإيرانية–الأميركية المزمنة، الممتدة منذ ما يقارب خمسة عقود. فالمسألة، وفق هذا المنظور، لا تتعلق فقط بوقف التصعيد العسكري، رغم كونه مطلباً مشتركاً للطرفين، بل قد تنصرف إلى إعادة صياغة طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران على أسس جديدة.
ضمن هذا الإطار، قد تُطرح تصورات تتيح عودة الشركات الأميركية إلى الاستثمار في الداخل الإيراني، سواء في القطاعات الحيوية أو في مشاريع إعادة الإعمار، مقابل تنفّس اقتصادي لإيران عبر تخفيف أو رفع تدريجي للعقوبات المفروضة عليها. غير أن مثل هذا المسار قد لا يكون منفصلاً عن أثمان سياسية، من بينها تقديم ضمانات تتصل بأمن إسرائيل، أو إحداث تحوّل ما ولو ضمني في موقع القضية الفلسطينية داخل أولويات السياسة الخارجية الإيرانية.
وعليه، فإن أي تفاهم من هذا النوع قد يُفضي إلى تعديل غير مباشر في بنية النظام الإيراني أو سلوكه الخارجي، وهو ما قد يسعى ترامب إلى تقديمه بوصفه إنجازاً استراتيجياً يُحسب له. في المقابل، قد يجد النظام الإيراني في مثل هذا التحول صيغة قابلة للتسويق الداخلي، لا باعتبارها تنازلاً، بل بوصفها نتيجة لمسار صمود طويل انتهى إلى تثبيت مبدأ السيادة الإيرانية في مواجهة الضغوط الأميركية، وفتح الباب أمام رفع العقوبات وتحسين الواقع الاقتصادي.
ولعلّ هذا التوجّه تحديداً يتقاطع مع ما يُفهم من مضمون المقالة الأخيرة لـ محمد جواد ظريف، والتي خلص فيها إلى أن توقيت إعلان النصر قد حان، بما قد يفتح الباب أمام مسعى جدي لإيجاد صيغة سياسية جديدة ترسم مساراً مختلفاً لعلاقة أكثر استقراراً بين واشنطن وطهران. كما يتقاطع ذلك مع ما ورد في رسالة حسن روحاني، من حديث عن ضرورة القيام بإصلاحات سياسية، في ما قد يبدو وكأنه تمهيد داخلي مزدوج لمرحلة مختلفة.
بهذا المعنى، قد يُقرأ كلام الرجلين بوصفه غطاءً سياسياً، أو إطاراً تمهيدياً للمرحلة المقبلة، أكثر منه مجرد مواقف منفصلة. وهو كلامٌ أتاح هامشاً من التفاعل الداخلي، تُرجم في مظاهر احتجاج أو اعتراض، سواء في طهران أو حتى على وسائل التواصل الاجتماعي في لبنان، غير أن هذا الهامش قد لا يكون عفوياً بالكامل، بل يمكن فهمه كجزء من إدارة مدروسة للإيقاع الداخلي، تسمح بامتصاص الصدمة وتهيئة الرأي العام، تمهيداً لحمل هذه المضامين إلى طاولة المفاوضات الجارية في باكستان.
غير أنّ هذا المسار التفاوضي يجري، في الوقت نفسه، في ظلّ نوع من التحييد الخليجي المباشر عنه، يقابله ترقّب تركي حذر. فمن جهة، قد ترى دول الخليج العربي نفسها معنية بشكل مباشر بمخرجات هذه المفاوضات، بوصفها من أكثر الأطراف تضرراً من تداعيات الحرب، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد أو استقرار أسواق الطاقة. كما أن إعادة بناء الثقة في العلاقات الإيرانية-الخليجية لا تبدو ممكنة من دون تفاهمات أوسع، تتجاوز الإطار الثنائي الأميركي-الإيراني، وتشمل ضمانات واضحة ومُلزمة تتصل بالأمن الإقليمي وعدم التدخل.
لكن، ومن جهة ثانية، يبدو أن هذا الغياب النسبي عن طاولة التفاوض قد يكون مقصوداً أو مرحلياً، بانتظار تبلور ملامح الاتفاق قبل الانخراط فيه، أو فرض شروط لاحقة عليه، بما يحفظ توازنات المنطقة ويمنع تجاوز المصالح الخليجية في أي تسوية كبرى.
أما تركيا، فتقف في موقع المراقب النشط، لا المتفرّج. إذ إنّ أي إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية، وخصوصاً تلك التي قد تنتج عن تفاهم أميركي–إيراني، ستنعكس حكماً على موقعها ودورها. وفي هذا السياق، جاء إعلان رجب طيب أردوغان مؤخراً عن امتلاك صواريخ بالستية فرط صوتية، إلى جانب تطوير صناعات دفاع جوي، ومساعٍ للتعاون مع عدة دول لإنتاج أنظمة دفاعية مشتركة، بالتوازي مع وضع حجر الأساس لأكبر مجمّع صناعات دفاعية متخصص بالصواريخ البالستية في أوروبا على الأراضي التركية.
هذه المؤشرات لا يمكن فصلها عن محاولة أنقرة تعزيز موقعها كقوة إقليمية مستقلة قادرة على التأثير في أي نظام أمني جديد قد يتشكل. فتركيا، التي راقبت تحولات السنوات الماضية بين التصعيد والتهدئة في علاقاتها مع كل من إيران ودول الخليج، تبدو اليوم معنية بضمان ألا يُعاد رسم خرائط النفوذ في المنطقة من دونها، أو على حسابها، ما يجعل من أنقرة لاعباً جاهزاً للانتقال من موقع المراقبة إلى موقع الشريك أو المنافس، تبعاً لما ستؤول إليه نتائج المفاوضات الجارية في إسلام آباد.
في موازاة ذلك، يبرز تباين لافت في المقاربات التركية والخليجية حيال الملف اللبناني، بما يعكس اختلافاً في تقدير الأولويات ومخاطر المرحلة. فتركيا، التي تبدو حريصة على منع انزلاق لبنان إلى مزيد من التعقيد، سعت في أكثر من محطة إلى الحدّ من أي تدخلات إقليمية قد تؤدي إلى تأزيم المشهد، ولا سيما ما يتصل بإعادة إنتاج أدوار سورية داخل الساحة اللبنانية، في محاولة للحفاظ على حدّ أدنى من الاستقرار الذي يجنّب المنطقة انفجاراً إضافياً.
في المقابل، تبدو دول الخليج أكثر ميلاً إلى مقاربة مختلفة تقوم على تحييد لبنان عن مسار التفاهمات الكبرى، ولكن ليس من باب تخفيف الضغط عنه فحسب، بل أيضاً في سياق السعي إلى منع تمرير أي تسوية لبنانية عبر البوابة الإيرانية. وهو ما قد يفسّر استعداد بعض هذه الدول لدعم مسارات تُضعف ارتباط الداخل اللبناني بالمحور الإيراني، وتفتح الباب أمام خيارات بديلة، من بينها الدفع نحو أشكال من التفاوض المباشر مع إسرائيل، ضمن ترتيبات أوسع للأمن الإقليمي والعالمي.
وفي هذا السياق، كان لافتاً أن حزب الله قد أبدى عبر أكثر من ممثل له انفتاحاً مشروطاً على فكرة التفاوض، انطلاقاً من أولوية تحقيق انسحاب إسرائيلي كامل، جواً وبراً ووقف الاعتداءات. وهو موقف قد يفتح الباب نظرياً أمام صيغ تسوية متعددة، تختلف في شكلها ومضمونها تبعاً لموازين القوى والضمانات المطروحة.
وعليه، قد تُطرح في الكواليس تصوّرات تتصل بإعادة تنظيم وضع الحزب داخلياً، بما في ذلك إمكانية دمجه جزئياً ضمن مؤسسات الدولة، على نحوٍ يشبه مع الفوارق تجربة الحشد الشعبي في العراق، مع ما قد يرافق ذلك من نقاش حول حصر السلاح الثقيل بيد الدولة. مثل هذه الطروحات، إن وُجدت، قد تُقدَّم بوصفها محاولة لتفادي سيناريوهات أكثر كلفة، سواء على مستوى الانزلاق إلى اقتتال داخلي، أو فتح الباب أمام مواجهة خارجية واسعة.
إلا أنّ هذا المسار بدوره لا يخلو من تعقيدات عميقة، إذ يرتبط بعوامل داخلية لبنانية شديدة الحساسية، كما يتقاطع مع حسابات إقليمية ودولية، ما يجعله أقرب إلى كونه أحد الاحتمالات المطروحة، لا مساراً محسوماً في المرحلة الراهنة.
هكذا تبدو المفاوضات الجارية في إسلام آباد لحظة مفصلية يُعاد فيها اختبار شكل العالم المقبل، في إطار مساعٍ أميركية لإعادة صياغة قواعد النظام الدولي بقيادة دونالد ترامب ومحاولات إيرانية لتحويل الصمود إلى مكسب سياسي، وترقّب إقليمي يتراوح بين الحذر والاستعداد لإعادة التموضع. وبذلك تتقاطع المسارات عند نقطة البحث عن توازن جديد لا يشبه ما قبله.
غير أنّ هذا التوازن إن وُلد لن يكون نتاج التفاهمات الكبرى وحدها، بل أيضاً نتيجة ما ستفرضه الساحات الهشّة، وفي مقدّمها لبنان، الذي يقف مرة أخرى على تماسّ خطوط التحوّل، بوصفه ساحةً تختبر فيها القوى المختلفة حدود ما يمكن تثبيته أو كسره.
وعليه، قد لا يكون السؤال المطروح اليوم هو كيف تنتهي هذه الحرب، بل أي عالمٍ سيخرج منها.
من مضيق هرمز إلى بيروت: هل تُكتب تسوية العالم في إسلام آباد؟
ملاك عبد اللهالأحد 2026/04/12

كان لافتاً أن حزب الله قد أبدى عبر أكثر من ممثل له انفتاحاً مشروطاً على فكرة التفاوض. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر



