في المعلومات التي كررت إيران إبلاغها للثنائي، أنه لا اتفاق من دون وقف الحرب الإسرائيلية على لبنان. وعلى مستوى الوساطة التي يقودها لبنان الرسمي، فلا وعود مؤكدة، ولم تنجح المساعي في فرض وقف الحرب على إسرائيل استجابةً لطلب الحكومة. في الحالتين، يتأكد أن عملية شدّ الحبال لا تزال مستمرة، فيما يذهب عشرات المواطنين ضحية للعدوان الإسرائيلي المتمادي على لبنان.
ليس أفضل لإسرائيل من واقع أسوأ كي تستغله، فترفع سقف شروطها وتجرّ لبنان إلى مفاوضات تحت النار، وتوارب في وقف حربها عليه. رئاسات ثلاث لا يجمعها تفاهم لا على التفاوض ولا على خطة لوقف العدوان الإسرائيلي المتمادي. بلد يرزح تحت إنذار مفتوح: لا وقف نار ولا هدنة، بل مجرد تسريبات إعلامية تحدثت عن وقف العدوان في بيروت، من دون أن يكون معلوماً ما إذا كانت الضاحية ضمنه أم غير مشمولة، فيما يؤكد تحليق المسيّرات وخرق جدار الصوت عكس ذلك.
شهد يوم أمس مساعٍ على خطين منفصلين: خط يترقب نتائج اليوم الأول للمباحثات الإيرانية–الأميركية في إسلام آباد، على أمل أن تفضي إلى وقف نار يؤكد حزب الله أنه سيتحقق حكماً بإصرار إيراني، وخط ثانٍ يسعى عبر قنوات خارجية معنية إلى منع منح هذه الورقة لإيران، ولو كان الثمن تأخير إعلان الهدنة.
وما تبلّغه حزب الله أن إيران لا تزال تعمل على وقف نار شامل لا يقتصر على بيروت وحدها، لكن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة بوقف هجماتها على بيروت، والأمور لا تزال قيد البحث.
على خط الرئاسات، وعن طريق صديق مشترك، أرسل رئيس الجمهورية جوزاف عون توضيحات بشأن موقفه من المفاوضات، موضحاً أن خيارات لبنان الصعبة قادته إلى الموافقة على المفاوضات المباشرة، من دون أن يعني ذلك التراجع عن حق لبنان في تحرير أرضه وتحرير أسراه. وتؤكد بعبدا على تنسيق الموقف من التفاوض المباشر مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، فيما تقول أوساط مطلعة على موقف الأخير عكس ذلك. ومن جهة رئاستي الجمهورية والحكومة، ثمة سباق على إدارة المفاوضات ومن تكون له الغلبة، ولم يكن ممكناً أن يقود رئيس الحكومة نواف سلام المساعي منفرداً.
سلام، المتهم من قبل الثنائي بالعمل على رفض وقف النار والاستجابة لطلب إيران، تلقى رسالة بدت بمثابة "البيان رقم واحد" من الثنائي، لإصراره على فصل مسار لبنان عن إيران في المفاوضات. رسالة تعكس انفصاماً في تعاطي الثنائي مع حكومة يؤكد استمراره فيها، ويشهد على قراراتها ضده، ثم يستعين بجمهوره لإنذارها.
على مستوى الاتصال الذي بادرت إليه، بطلب من السلطة، سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض مع السفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر، لم يتجاوز الاتفاق على موعد الجلسة التحضيرية التي ستُعقد الثلاثاء المقبل. وكانت المفاجأة أن إسرائيل رفضت وقف النار قبل الاتصال أو بعده، كما رفضت الاجتماع قبل الثلاثاء. واعتُبرت نتيجة الاتصال، بالنسبة إلى الراعي الأميركي، كسراً للحظر على التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل.
ضجة التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل قد لا توصل إلى النتائج المأمولة. فإسرائيل، التي انتزعت اعترافاً لبنانياً بالتفاوض المباشر معها، لن تمنح السلطة فرصة وقف الحرب، وهي تدرك أن القرار الفعلي ليس بيدها، وتسعى إلى تحسين شروط تفاوضها عبر الأميركي في إسلام آباد. وهذا هو الانطباع السائد في أوساط دبلوماسية، تبدي استغرابها لما تسمعه في المقرات الرئاسية، وما تتلقاه من تمنٍ بعدم الإنصات لإيران في مسألة وقف الحرب، كي لا يخرج حزب الله منتصراً ويستثمر انتصاره في الداخل.
وفي الانطباع المحلي، أن "طبخة بحص" التفاوض اللبنانية لا تستند إلى أسس واضحة ولا إلى رؤية مستقبلية محددة، بل هي مسارعة لوقف حرب لن تمنحه إسرائيل بالشكل الذي تتصوره السلطة.
الأولوية لما سيُعلن من إسلام آباد، وبرأي حزب الله، فإن مشهد التفاوض الإيراني–الأميركي هو الذي سيرسم في نهاية المطاف حدود الوضع في المنطقة، وضمناً لبنان، حتى وإن حاولت السلطة التبرؤ من دور إيران بحجة الحد من نفوذها.




