شدّد رئيس الحكومة نواف سلام على ضرورة تحصين الداخل اللبناني ومنع الانزلاق إلى الفتنة، مؤكداً أن المرحلة الراهنة تتطلب أعلى درجات التماسك الوطني في مواجهة تداعيات الحرب.
وقال سلام خلال كلمة ألقاها لمناسبة ذكرى الحرب اللبنانية، إن "المطلوب أن نقف جميعاً مع بعضنا البعض، لا أن يقف بعضنا في وجه بعض"، مشدداً على أن لبنان لا يحتمل الانقسامات، وأن الأولوية تبقى لحماية الاستقرار الداخلي، داعياً إلى عدم استحضار الحرب الأهلية "للتهويل والترهيب، أو تحويلها إلى سلاح في وجه بعضنا البعض".
وأكد أن "لبنان لم يختر هذه الحرب"، داعياً إلى وقف خطاب التهويل بالحرب الأهلية، مضيفاً: "يجب أن نمنع الفتنة وأن نبتعد عن التهويل بالحرب الأهلية"، معتبراً أن ما شهدته الحرب الأهلية من "خراب هائل وذكريات موجوعة وانقسامات" يجب أن يكون مدخلاً للتعلّم لا لإعادة إنتاج الانقسام.
وأشار إلى أن "بعضنا أخطأ حين حمّل لبنان أكثر مما يحتمل، فغلّب تضامنه مع قضايا عادلة على حساب مقتضيات حماية السيادة"، لافتاً إلى أن "البعض الآخر أخطأ حين اعتقد أنه يمكن تحويل ضعف لبنان إلى قوة”، ومؤكداً أن من راهن على دعم خارجي “وجد نفسه أسير لعبة أكبر منه".
وتابع أن المرحلة تستوجب التعلم من تجارب الماضي بدل استحضارها للترهيب، قائلاً: "ما أحوجنا اليوم إلى أن نتعلم من ماضينا، لا أن نستحضره للتهويل"، مضيفاً أن "في الحرب الأهلية تقاتل بعضنا مع بعض، ودفع الجميع الثمن، أما اليوم فالمطلوب أن نقف مع بعضنا".
وتحدث سلام عن معاناة اللبنانيين، مشيراً إلى تفهّمه غضب من فقدوا أحباءهم أو منازلهم، قائلاً إنه يدرك "آلام من فقد أحباءه وبيته وقريته وحقوله، ومن يتنقّلون اليوم من مأوى إلى آخر"، كما أشار إلى تفهّمه "غضب من لم يعودوا يحتملون مصيراً لا يختارونه بأنفسهم"، مؤكداً أن اللبنانيين "سئموا أن يُسلب منهم حقهم في تقرير مصيرهم".
وأضاف أنه يشعر "بوجع الأم التي فقدت ابنها المقاتل على الجبهة، كما بوجع الأم التي فقدت طفلًا لم يختر هذه الحرب"، لافتاً إلى أن اللبنانيين "يتألمون أكثر مما يُحتمل ومنذ زمن طويل".
كما لفت إلى أن ذاكرة الرابع من آب لا تزال حاضرة، خصوصاً في بيروت، وأنها "استُحضرت بكل قسوتها مع فاجعة الثامن من نيسان وضحاياها المدنيين"، في إشارة إلى تداخل الذاكرة الجماعية مع الأحداث الراهنة.
وفي مقاربته للواقع الداخلي، أشار إلى أن تنوّع لبنان، الذي يشكّل مصدر غناه، قد يتحوّل في بعض الأحيان إلى عامل انقسام، قائلاً إن مسؤوليته تكمن في "تعزيز ما يجمع بين هذه الذاكرات وتهدئة توتراتها وتقريبها".
وفي ما يتعلق بالجنوب، شدد على أن "أهلي في الجنوب يعرفون أكثر من غيرهم كلفة الحروب والانقسامات والرهانات الخاطئة"، مشيراً إلى أنهم دفعوا أثمان الاحتلال والاعتداءات والتهجير، كما دفعوا أيضاً "أثمان تعدّد مراكز القرار وغياب الدولة أو ضعف حضورها".
وأكد أن "الجنوب لن يُترك مرة جديدة وحيداً في مواجهة الخوف والدمار والقلق على المصير"، مشدداً على أن حماية الجنوب، كما حماية كل لبنان، لا تكون إلا عبر "دولة واحدة قوية وعادلة".
وفي سياق الجهود السياسية، أكد سلام الاستمرار في العمل لوقف الحرب، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي من كامل الأراضي اللبنانية، واسترجاع الأسرى، وإعادة إعمار المناطق المتضررة وعودة النازحين، مشيراً إلى أن الحكومة مستمرة في مساعيها، "وفي مقدّمتها المبادرة التي قدّمها فخامة الرئيس للتفاوض لوقف الحرب".
وختم بالدعوة إلى العودة إلى اتفاق الطائف، باعتباره الإطار الجامع لإعادة بناء الدولة، داعياً إلى تطبيق بنوده كاملة، وتصويب ما طُبّق خلافاً لنصّه أو روحه، وسدّ الثغرات التي أظهرتها الممارسة.
وشدّد على أن تنفيذ ما نصّ عليه الاتفاق، لا سيما بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية، يشكّل المدخل لتأمين الأمن والأمان للمواطنين، وترسيخ سيادة القانون بحيث "لا يكون أحد فوق القانون أو خارجاً عليه".
وأكد في ختام كلمته أن "وحدتنا اليوم ليست شعاراً عاطفياً بل ضرورة وطنية"، داعياً إلى مواجهة الأخطار "بالعقل والوحدة والمسؤولية الوطنية"، ومشدداً على أن "كرامة الوطن هي كرامة جميع اللبنانيين دون تمييز".




