مفاوضات أم شروط؟

توفيق شومانالسبت 2026/04/11
Image-1775806302
تعتمد إسرائيل استراتيجية فصل المسارات (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يستقر المتجول بين الصحف ووسائل الإعلام الباكستانية على نتيجة مفادها أن البنود الخمسة التي شكلت أرضية المفاوضات الإيرانية ـ الأميركية عبر الراعي الباكستاني، تتضمن دعوة لوقف الأعمال القتالية على الجبهات كافة. ومجمل الآراء والتحليلات التي تنشرها تلك الوسائل باللغتين الأوردية والإنكليزية، ترتكز على الإطلالة التلفزيونية القصيرة لرئيس الوزراء شهباز شريف، حين استعرض البنود المذكورة فجر الأربعاء الماضي.

وعلى المضمون ذاته، استند وزير التخطيط الباكستاني أحسن إقبال تشودري في معرض تفسيره لوساطة بلاده، فأكد شمولها وقف النار على الجبهة اللبنانية. وكذلك كانت الحال مع عاصم افتخار أحمد مندوب إسلام آباد الدائم في الأمم المتحدة، إذ سعى إلى رد الشبهة حول إخراج لبنان من الوساطة الباكستانية، باليقين القائل بانعدام التجزئة على جبهات الحرب، فالتهدئة عامة ووقف إطلاق النار شامل.

 

الاستشهاد بالوسيط لتأكيد موقف أو رأي، يناظر شهادة الكاتب بالعدل حين يُراد الفصل بين متنازعين أو متناوئين، وفي الحالة الإيرانية ـ الأميركية تعلو الشهادة الباكستانية على غيرها. وإذ لم تركن واشنطن وتل أبيب لتفسير إسلام آباد الآيل لفض النزاع التفسيري حول مضمون الوساطة الباكستانية، فالمنطق حينذاك، يقتضي البحث عن أسباب التحوير الأميركي ـ الإسرائيلي لأصل المبادرة الباكستانية وفصلها، ولن يستغرق البحث وقتاً ولن يستنفد جهداً، للعثور على إجابة قاطعة مضمونها أن الغاية من التحوير تدور في فضاء يفصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني. ولذلك ليس من ضروب المصادفة أو من دروب العرضية، أن يخرج بنيامين نتنياهو بعد أقل من يوم ونصف اليوم من إعلان "إسلام آباد " ليقول إنه وافق على فتح باب التفاوض مع لبنان، وفي المقلب الأميركي، ليس عن طريق التزامن والتطابق، أن تعلن الولايات المتحدة على وجه السرعة رعايتها لمفاوضات لبنانية ـ إسرائيلية قريبة وعاجلة، بعدما كانت تجاهلت المبادرة التفاوضية التي أطلقها الرئيس جوزاف عون في التاسع من شهر آذار/ مارس الماضي.

 

وإذ يقال الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني، فمحتوى الفصل لا يخضع لطارئ أو مستجد في رؤية دولة الاحتلال الإسرائيلي لكيفية التعامل والتفاوض مع أطراف الصراع معها، فثمة استراتيجية إسرائيلية تقليدية مدعومة بظهير أميركي مساند، قوامها الفصل بين الجبهات والتفريق بينها ورفض المفاوضات الجماعية وترسيخ المفاوضات الثنائية، وبصورة تجعل من إسرائيل تفاوض كل طرف متصارع معها على حدة، ففي عملية الفصل والمفاوضات الثنائية ما يضيف لإسرائيل عوامل قوة تفتقدها حين تجلس منفردة على مائدة المفاوضات قبالة أطراف عدة. 

في تاريخ المفاوضات العربية ـ الإسرائيلية ما يفيض من الأمثلة الدالة إلى القاعدة الإسرائيلية في التفاوض الثنائي والفصل بين المسارات، ففي اتفاقيات الهدنة عام 1949 التي أعقبت الحرب العربية الأولى مع الاحتلال الإسرائيلي في العام 1948، تفاوضت تل أبيب مع كل من القاهرة وبيروت وعمًان ودمشق بشكل منفصل. فالعرب ذهبوا فرادى إلى العمليات التفاوضية، فأبرمت مصر اتفاقية الهدنة في 24 شباط/ فبراير، ولبنان وقًع على الاتفاقية في 23 آذار/ مارس، والأردن في 3 نيسان/ إبريل، وسوريا في 20 تموز/ يوليو، ومن الملاحظات الهامة في عمليات التفاوض الإسرائيلية مع الأقطار العربية، أن إسرائيل فاوضت بوفود متعددة، فمع الجانب المصري ترأس الوفد الإسرائيلي الدبلوماسي والتر إيتان، وتشكل الوفد الإسرائيلي المفاوض مع لبنان من المقدم مردخاي ماكلييف ويوشع بلمان وشبتاي روزين، وقاد المفاوضات مع الأردن رؤوبين شيلوه والعقيد (وزير الدفاع لاحقاً) موشي دايان، وبما أن السوريين تأخروا بعض الوقت، فقد فاوضهم الإسرائيليون عبر الفريق نفسه الذي فاوض اللبنانيين. 

 

لم تخرج تل أبيب عن استراتيجية فصل المسارات بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وفصلت بين الجبهتين المصرية والسورية. وهذا ما أنتج نزاعاً وفراقاً بين القاهرة ودمشق، وظهر آنذاك مصطلح "السلام الجزئي" الذي ترسًخ بعد خطاب الرئيس المصري أنور السادات في الكنيست الإسرائيلي في العام 1977، ومن ثم توقيعه على معاهدة "كامب ديفيد" بعد عام من ذلك. وإثر انطلاق "مؤتمر مدريد" للسلام في العام 1991، رفضت إسرائيل مفاوضة العرب بوفد موحد، فكان للفلسطينيين وفدهم الخاص فوقعوا على اتفاقية "أوسلو" في العام 1993، ثم أعقبهم الأردنيون بوفدهم المستقل، فكانت اتفاقية "وادي عربة" 1994، وفاوض السوريون منفصلين حتى العام 1998 من دون الوصول إلى تسوية يأملونها طبقاً لـِ "وديعة إسحق رابين" المقتول في العام 1995.

 

ما يحدث في المسار اللبناني في هذه الآونة، أو ما هو مقرر أن يحدث، لا يخرج عن النسق التفاوضي الإسرائيلي التقليدي. وعلى الأرجح، أن النسق ذاته سيعتمده الاحتلال الإسرائيلي مع اليمن والعراق، ولن تكون الإدارة الأميركية بعيدة عنه، بل داعمة ومؤازة إياه. وإذ يتساءل قسم كبير من اللبنانيين عن الأهداف التي ستقود بيروت إلى التفاوض المباشر مع تل أبيب، فالإجابة المثلثة التي أطلقها بنيامين نتنياهو حول أبعاد المفاوضات ومحدداتها، والمتراوحة بين نزع سلاح حزب الله والوصول إلى اتفاقية سلمية بين لبنان وإسرائيل، ومن دون التزام الثانية بوقف إطلاق النار، تفضي إلى تساؤل إضافي عما إذا كانت اسرائيل تسعى إلى التفاوض أو إلى فرض قائمة شروط على لبنان، وتخييره بين استمرار الحرب عليه أو الامتثال لشروطها. وفي هذه الحال، من المناسب أن يُطرح سؤال أخير: هل تشكل مشاركة لبنان في اجتماعات واشنطن المرتقبة فعلاً تفاوضياً أم دعوة للتوقيع على شروط حددتها إسرائيل سلفاً ومسبقاً؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث