لبنان ما بعد العاصفة، عنوان يسكنه التفاؤل بديمومة لبنانية، تكون هي زمن ما بعد العصف الذي تتعرض له البنية اللبنانية، بحيث يكون هذا الزمن واعدًا بالقدرة على إعادة بناء وطنيّةٍ سليمةٍ مستقرّةٍ، بعد كل ما حملته السيرة الداخلية من اهتزاز ومن خراب.
يستحضر عنوان ما بعد العاصفة العام، عناوين فرعية، الأبرز من بينها هو ذاك المتصل بواقع الحال الدامي، وذاك الذي يعيد تظهير الربط المتين بين يوميّات الداخل الراهنة ويوميات الماضي، القريب والبعيد.
في هذا السياق، وعلى سبيل الاختيار الاستنسابي والمجدي، يمكننا العودة إلى المسائل العامة الآتية:
أولًا: فرضية الداخل-الخارج
انقسم اللبنانيون حول مسألة التدخل الخارجي في الشؤون اللبنانية، وهم أشدّ انقسامًا اليوم، في سياق الحرب المفتوحة مع إسرائيل.
لقد تبادل اللبنانيون الجلوس على مقعد الاستقواء بالخارج، أو الانتساب إليه، ولم تسلم طائفة من الطوائف من الإصابة بمرض الجلوس على المقعد، ولم ينجُ فرع مذهبي من أعراض "إغرائه".
كان "للمسيحية"، بقيادة مارونيتها السياسية، قصب المبادرة لحظة إنشاء الكيان، وكان "للإسلامية" بقيادة سنيّتها قصب المبادرة إلى الانضمام إلى "الشركة" الوليدة، وكان "للشيعية" سرعة الصعود المتدرّج اللاحق، الذي صار اليوم علامةً فارقة في الكيان.
أثر الخارجية لدى الطائفيات الثلاث لم يكن متطابقًا، ومصادره كانت غير متماثلة أيضًا. لقد قامت الخارجية المسيحية على ثلاثية اجتماع الوزن الأهلي السابق على الكيان، وخصوصية العلاقة مع فرنسا الانتدابية، والدور المتميز في تحقيق فكرة قيام الكيان، وفي تعبيد السبيل أمام عربة تاريخه.
من مكان آخر، قامت الخارجية الإسلامية على ركيزة الانتماء إلى "أمّة" وإلى جغرافيا اجتماعية-دينية، هذا، وفي مقام الانتماء، كان لفرع الإسلامية "هويّة"، وكان عليها المزاوجة بين هويّتين، أي مزاوجة بين حالة تعريف "ثابت" وتعريف وافدٍ يقدر له أن يصير مقيمًا.
من جهتها، كان للإسلامية الشيعية واقع الأقليّة في "الهوية"، مع ما ترتب عليها من ارتباط بخارجٍ "متبدّل"، كان عربيّا ثم صار أعجميّا، وذلك في سياق طلب توازن كياني لم تبلغه الكيانية اللبنانية.
ثانياً: فرضيةُ اللبنانية
لم تتحقق اللبنانية كهوية "تامّة" بعد مرور أكثر من قرن على تأطيرها ضمن جغرافيا. واقع الطائفيات المتحدِّرة من أكثر من تاريخ، ومن أكثر من مرجعيّة دينية وسياسية، حال دون اندماج تصاعدي بين عناصر التشكيلة التكوينية، ولم يفلح "الدستور" في ابتكار شخصية داخلية جديدة، وظلّ مبدأ التوازن بين المصالح الطائفية هو "الدستور" المعمول به واقعيّاً. هنا ينبغي الانتباه إلى أن كلمة توازن تعادل كلمة الحذر المتبادل، وتعني حراسة كل طائفة لمكتسباتها. هذه الأخيرة، تفاوتَ توزيعها حسب الأوزان الأصلية للطوائف، وتفاوتت محاولات تعديلها أو تغييرها، وفقاً لموقع كل طائفة من "خزينة" الموارد والعائدات ومواقع القرار.
تأسيساً على المصالح، وفي مواجهة أصحابها، اندلعت مواجهات سلمية وغير سلمية، ومن مادة أبناء المصالح، نشأت حركات وأحزاب سياسية، حاولت التعديل فما أفلحت، وطلبت التغيير فما أدركته. في هذا السياق ما كان للبنانية أن تستقيم، وما كان للمسار السياسي الداخلي أن يستقرّ.
لذلك تعثرت اللبنانية ولم يشتدّ عودها، وظلت شعاراً عاماً يردده الجميع، ويقف دون ترجمته واقعيّا الجميع.
ثالثاً: فرضية التغيير
تعثّر اللبنانية، كان مدار عمل أحزاب سياسية على ضفتي اليمين واليسار. تجاوز اليسار على القراءة اللبنانية التي كتبها، ووضع جانباً من تحليله لتداخل التشكيلة الطائفية وتماسكها، واستسهل ركوب مركب تغيير النظام الطائفي، وهو على دراية بمعاني رسوخه. كانت الحرب الأهلية صفّارة بداية لكشف فرضية الداخل والخارج، ولفرط فرضية اللبنانية، وإحياء الهواجس الأولية لدى الطائفيات التي تقيم التلازم بين مصيرها ومصير ما حصّلته من "أفضلية" داخلية على أقرانها.
عليه، سقط التغيير في امتحان التطبيق، وبدا لمن قام بمراجعة سلوكه السياسي، مبلغ الاستسهال العملي في موازاة التحذير النظري، فكانت الحصيلة فوز النظام بالاستمرار، وكانت خسارة البلد بمزيد من الانحدار.
ثمّة ما يجب التساؤل عنه مجدّداً: هل قال "اليسار" القول الكافي في "هجاء" أخطائه؟ لعل الواجب مراجعة المراجعة، ونقد النقد، ونقض جملة من "المقاربات" التي تطلّ برأسها بين حين وآخر. يصح ذلك اليوم، في الشيوعيين عموماً، وهم المعنيون قبل غيرهم بالجواب عن كل سؤال.
رابعاً: فرضية العسكرة
ربما الأصح القول تحقيق الغلبة بالعسكرة، هكذا ردّ أصحاب الفرضيات على عجز النظام. يتكرر الحديث اليوم عن المسؤوليات، فينسب إلى النظام الطائفي اللجوء إلى العنف الرسمي، مدعوماً من قبل أطراف في العنف الأهلي، تحميل النظام وداعميه المسؤولية، لا يخفف من مسؤولية "اليسار"، فهذا أراد تسريع العملية الاجتماعية من خلال العنف "الثوري"، فسقط ضحيّة خياره، وساهم في إسقاط مجمل السياق الطبيعي للتطورات الاجتماعية.
العسكرة الأهلية لم تنبت سنة 1975، بل قامت على أيدي اليسار في صيغة انتساب إلى "حرب الشعب الطويلة الأمد"، بعد هزيمة حزيران 1967. إذن، أدخل اليسار "البلد" في مسالك الاستعداد المسلّح، فانتقلت الموالاة والمعارضة تدريجياً من سلميّة التغيير الشعبي إلى "حربيته"، لذلك جوبه الاقتراح اليساري لإصلاح النظام، برفض من أقطاب هذا النظام، ومن داعميه عن يمينه.
السبب الأبرز كان: أن النظام قرأ في الدعوة إلى إصلاحه، نوايا مضمرة لتغييره، وقرأ داعمو النظام في ذات الدعوة، نوايا خبيئة لتعديل صيغة التوازنات الداخلية. هكذا انفجر التوافق والميثاق تحت وطأة عسكرة مقاربته، وهذه الأخيرة التي دمجت بين الداخل والخارج، عادت لتتخذ أشكالاً من الخروج على الانتظام الوطني، وعلى السياق الرسمي، مما كان له نتائج تمددت حتى طاولت الأيام اللبنانية الحالية.
حقيقة الخسارة
عندما تحرَّر اللبنانيون من توافقهم الشرعي الجمعي، ذهبوا إلى تأسيس "شرعياتهم" الأهلية المخصوصة. لقد وجد كل انفكاك مبرراته التي شكّلت فلسفة سياساته. عوامل عديدة غذَّت نهج "الاستقلالات" الفئوية، كان في أساسها كما سبق ذكره، المساهمة في تحرير فلسطين، وفي تحرير الأرض العربية بعد سقوط هزيمة النظام العربي العام. ظلَّت نار التحرير مشتعلة بفعل أكثر من عدوان إسرائيلي، وذكّى الاشتعال إنجاز التحرير اللبناني سنة 2000، لكن التحرير انقلب على أهدافه الداخلية، فذهب إلى تأكيد فئوية أهله، وإلى استقوائهم، وإلى تأسيس غلبة جديدة، والحرص على تأكيد ثقلها في مفاصل الحياة اليومية.
مرّة أخرى، عاد الخارج ليكون عنصراً مقرّراً، ذلك أن للعسكرة كلفتها المادية العالية، والكلفة في حساب السياسة الخارجية توظيف مجزٍ سياسياً، في مجال توسيع مدى النفوذ على رقعة التجاذبات الدولية.
واقع الاشتباك الحالي، هو امتداد لواقع الاشتباكات اليسارية والقومية التأسيسية... والحصيلة، خسارات حقيقية لا تحجبها لحظة انتصار لم يعمّر طويلاً.
هل يعيد "العسكر" القديم التذكير بخطيئة عسكرته؟
هذا واجبه، على الأقل من أجل دحض المقولات التي تقدس السياسات السلاحية، وتؤكد على ضرورتها وعلى جدواها المستدامة.




