بالخرائط: نقاط المواجهة وخطوط التوغّل الإسرائيلي في الجنوب

المدن - سياسةالسبت 2026/04/11
Image-1775928207
الجيش الإسرائيلي دخل جزءًا من الجنوب، لكنه لم يثبت، سيطرةً نهائيةً على خط الليطاني. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

إنّه يوم التثبيت والتّوسيع المدروس لمواضع سبق أنّ اندفع إليها الجيش الإسرائيليّ خلال الأيّام الماضية، مع استمرار القصف الجوّيّ العنيف على بلدات الجنوب والنبطيّة خصوصًا، واحتفاظ "حزب الله" بقدرةٍ واضحةٍ على إيقاع كلفةٍ ناريّةٍ وميدانيّةٍ بالقوّات المتقدّمة. وبحسب ما أمكن تثبيته من التقارير الميدانيّة اليوم، فإنّ إسرائيل تدير المعركة بمنطق "توسيع الجيب المتقدّم" لا ببادر إعلان سيطرةٍ نهائيّةٍ وثابتةٍ على كامل الشريط حتّى الليطاني، فيما تحاول في المقابل تحويل القرى الحدوديّة والتلال الحاكمة إلى أحزمة نارٍ وعزلٍ وقطع طرق.

بمعنى آخر، خريطة اليوم لا تظهر اختراقًا إسرائيليًّا جديدًا حاسمًا بقدر ما تظهر ثلاثة أمور متزامنة، تثبيتًا غربًا على الجبهة الساحليّة، ضغطًا دائريًّا في الوسط حول بنت جبيل ومحيطها، وسيولةً أعلى شرقًا في نطاق الخيام، الطيبة، دير سريان، والقرى المتّصلة بممرّات الليطاني ووادي الحجير. وهذه الصورة تتقاطع مع تقديراتٍ ميدانيّةٍ سابقة تحدّثت عن اندفاعةٍ بطيئة نحو الليطاني، ومع تقارير أحدث أفادت بأنّ الجيش الإسرائيليّ بات يسيطر على جزءٍ من الجنوب، منها البيّاضة وشمع على الساحل، وأنّه دخل بنت جبيل ويقاتل داخل نطاقها أو على أطرافها، فيما يعزّز مواضعه في بلداتٍ شرقيّة.

سياسيًّا، ما زالت المظلّة الإسرائيليّة العلنيّة للعمليّة في لبنان تقوم على فكرتين، استمرار الضغط العسكريّ، وفتح باب مفاوضاتٍ مباشرةٍ مع لبنان من موقع القوّة.  لكنّ الأهمّ، ميدانيًّا وسياسيًّا، أنّ الخطاب الإسرائيليّ المتداول اليوم لا يربط هذه المفاوضات بأيّ وقفٍ للنار في الجنوب. فبحسب وكالة "أسوشييتد برس"، صدر عن السفير الإسرائيليّ في واشنطن يحيئيل لايتر توصيفٌ واضحٌ لمحادثات الثلاثاء المرتقبة باعتبارها "مفاوضات سلام رسميّة"، مع تأكيدٍ صريحٍ أنّ وقف إطلاق النار "ليس على جدول الأعمال"، وأنّ إسرائيل "رفضت مناقشة وقف إطلاق النار مع حزب الله". هذا يعني أنّ تل أبيب تريد استثمار التوغّل والضغط الميدانيّ في التفاوض، لا تجميده تمهيدًا للتفاوض.

وفي الخلفيّة، يتّصل هذا كلّه بالرؤية الإسرائيليّة الأوسع التي تحدّثت عنها تقارير سابقة، أي إبعاد "حزب الله" عن الشريط الحدوديّ، وتفكيك بنيته العسكريّة جنوب الليطاني أو على الأقلّ شلّ قدرته على استخدام القرى الحدوديّة كمنصّات نيرانٍ وصواريخ مضادّةٍ للدروع. وقد نقلت "رويترز" منذ 18 آذار عن قائدٍ إسرائيليٍّ كبير أنّ الخطة هي التأكّد من ألّا تكون لـ"حزب الله" بنيةٌ عسكريّة، مع توصيف المواقع التي ينشئها الجيش داخل لبنان بأنّها "مواضع دفاعيّة".

 

الشقّ الميدانيّ

إذا أردنا رسم خريطة اليوم، وفق ما أمكن تثبيته من تقارير محلّيّةٍ ودوليّةٍ موثوقة، فالصورة الآتية هي الأقرب، إسرائيل لم تبلغ، في المعطيات العلنيّة المؤكّدة اليوم، خطّ الليطاني كسيطرةٍ ثابتةٍ مكتملة، لكنّها تواصل توسيع جيوبها المتقدّمة شمال الشريط الحدوديّ، مع اعتماد التدمير المنهجيّ، التمشيط، البحث داخل المنازل، والهندسة القتاليّة، بالتوازي مع قصفٍ جويٍّ ومدفعيٍّ كثيف. وفي المقابل، لم تنكسر قدرة "حزب الله" على الردّ، بدليل تبنّيه اليوم عشرات العمليات ضدّ إسرائيل وضدّ القوّات المتوغّلة داخل الجنوب.

 

المحور الغربيّ

يبقى المحور الغربيّ، من الناقورة صعودًا نحو البيّاضة وشمع، أوضح المحاور من حيث شكل التقدّم الإسرائيليّ. تقارير اليوم، أفادت بأنّ الجيش الإسرائيليّ "استولى" على البيّاضة وشمع على الساحل، مع تفجيرات ضخمة في البلدتين، وهما على مسافةٍ تقارب ثمانية كيلومترات من الحدود، بما يفتح زاوية ضغطٍ أعمق على الساحل الجنوبيّ وعلى الممرّات الواصلة بين صور والداخل. هذا هو التقدّم الأشدّ وضوحًا في الخريطة المفتوحة اليوم.

غير أنّ هذا التقدّم، رغم وضوحه، لا يبدو مستقرًّا تمامًا. فالمحور الساحليّ ليس فقط محور اندفاع، بل محور استنزاف أيضًا، لأنّ طبيعته المكشوفة نسبيًّا تجعله عرضةً للصواريخ الموجّهة، وللاشتباك مع القوّات المتقدّمة عند أطراف البلدات والتلال المشرفة. لذلك يمكن القول إنّ إسرائيل حقّقت في الغرب أمتن موطئ قدمٍ نسبيًّا، لكنّها لم تحوّله بعد إلى اندفاعةٍ آمنةٍ وسريعةٍ باتجاه عمق صور. وهذا استنتاجٌ تدعمه صورة السيطرة الساحليّة من جهة، واستمرار الاشتباك على الجبهة الجنوبيّة وعدم إعلان أيّ انتقالٍ إسرائيليٍّ نهائيّ إلى مرحلة "التطهير المنجز" من جهةٍ ثانية.

Image-1775928017
إسرائيل حقّقت في الغرب أمتن موطئ قدمٍ نسبيًّا، لكنّها لم تحوّله بعد إلى اندفاعةٍ آمنةٍ وسريعةٍ باتجاه عمق صور.

 

المحور الأوسط

في الوسط، تدور العقدة حول بنت جبيل ومحيطها، لا كمعركة اقتحامٍ صاعق، بل كمعركة تطويقٍ تدريجيّ، بالنار والحركة والهدم والتمركز على الأطراف. التقارير الأحدث تشير إلى أنّ الجيش الإسرائيليّ دخل بنت جبيل ويخوض قتالًا مع مقاتلي "حزب الله"، فيما كانت خرائط المتابعة الميدانيّة في الأيّام الأخيرة قد ربطت هذا الضغط بمحاور فرعيّةٍ تشمل عيناتا، مارون الراس، يارون، بيت ليف، والقرى المحيطة التي تستخدم لشدّ الطوق على المدينة. هذا يجعل المحور الأوسط أشبه بمسرح كمائن متبادلةٍ وتثبيت مواضع، أكثر منه خطّ تقدّمٍ مستقيمًا. إسرائيل تحاول دخول الأبنية والتلال والبيئات العمرانيّة الّتي تسمح لها بالإشراف الناريّ على بنت جبيل وممرّاتها، و"حزب الله" يحاول منع تحويل هذا الطوق إلى سيطرةٍ مستقرّة، عبر ضرب القوّات داخل القرى أو على مداخلها. ومن هنا يمكن فهم استمرار الحديث عن "معركة بنت جبيل" بوصفها معركة استنزافٍ مركزيّة، لا مجرّد نقطةٍ ضمن تقدّمٍ حدوديّ عابر.

Image-1775928059
"حزب الله" يحاول منع تحويل هذا الطوق إلى سيطرةٍ مستقرّة، عبر ضرب القوّات داخل القرى أو على مداخلها.

المحور الشرقيّ

الشرق يبقى أكثر المحاور سيولةً وتعقيدًا. فمنذ منتصف آذار، أشارت "رويترز" إلى أنّ الخيام كانت هدفًا أوّليًّا للتقدّم الإسرائيليّ قبل الدفع نحو الليطاني، ونقلت عن مصدرٍ أمنيٍّ لبنانيٍّ ومسؤولٍ أجنبيٍّ يتابع التطوّرات أنّ التقدّم يجري ببطءٍ نحو النهر. كما تحدّثت عن تموضعٍ إسرائيليٍّ داخل لبنان، وعن تحصيناتٍ تضمّ دباباتٍ وناقلات جندٍ وجرافات.

أمّا في صورة اليوم، فلا تظهر معطياتٌ علنيّةٌ موثوقة تؤكّد انتقال هذا المحور إلى سيطرةٍ ثابتةٍ على ضفاف الليطاني، لكنّه يبقى مسرح الضغط الأكثر حساسيّةً لأنّه يربط الخيام والطيبة ودير سريان والقرى المتّصلة بوادي الحجير والخردلي، أي بالمفاصل التي تحدّد إمكان قطع الجنوب عن عمقه أو إبقائه متّصلًا به. ولهذا فإنّ أيّ تقدّمٍ شرقيّ، ولو كان متقطّعًا، يتجاوز قيمته الجغرافيّة إلى قيمةٍ عمليّاتيّة، لأنّه يضغط على خطوط الحركة والإمداد ويهدّد برسم عازلٍ ناريٍّ أكثر منه عازلًا جغرافيًّا مكتملًا.

Image-1775928099
مسرح الضغط الأكثر حساسيّةً لأنّه يربط الخيام والطيبة ودير سريان والقرى المتّصلة بوادي الحجير والخردلي، أي بالمفاصل التي تحدّد إمكان قطع الجنوب عن عمقه أو إبقائه متّصلًا به. 

 

الجيش الإسرائيليّ وصل، في المعطيات المفتوحة الموثّقة، إلى جيوبٍ متقدّمةٍ داخل الجنوب تشمل الساحل عند البيّاضة وشمع، ونطاق بنت جبيل ومحيطها في الوسط، ونطاق الخيام ومحاور شرقيّةً متّصلةً بها شرقًا، مع استمرار التقدّم البطيء وبناء مواضع وتحصيناتٍ داخل الأراضي اللبنانيّة. لكن لا يوجد ما يؤكّد أنّه ثبّت سيطرةً كاملةً ونهائيّةً على خطّ الليطاني. الأدقّ توصيفًا أنّه بات داخل جزءٍ من الجنوب، ويدير فيه معركة توسيعٍ وتثبيتٍ واستنزاف..

اشتباكات اليوم لم تكن من نمط القصف المتبادل وحده. المشهد جمع بين غاراتٍ جويّةٍ إسرائيليةٍ كثيفةٍ على بلدات الجنوب، وبين قتالٍ على الأرض ضدّ القوّات المتوغّلة. إسرائيل شنّت اليوم، ضرباتٍ على بلداتٍ عدّة في الجنوب، وأنّ "حزب الله" أعلن 31 هجومًا آخر على شمال إسرائيل وعلى القوّات الإسرائيليّة التي غزت جنوب لبنان. هذه المعادلة تظهر أنّ الاشتباك بات مزدوجًا، نارٌ بعيدةٌ على الجبهة الإسرائيلية، وقتالٌ مباشرٌ أو شبه مباشرٍ ضدّ الوحدات التي دخلت القرى والمرتفعات.

ومن حيث الجغرافيا، يمكن ردّ الاشتباكات إلى ثلاثة أحزمة، الساحل الغربيّ عند البيّاضة وشمع، الوسط عند بنت جبيل وبيت ليف ومحيطهما، والشرق في نطاق الخيام والقرى المتصلة بمسار الليطاني. وهذه ليست مجرّد نقاطٍ متفرّقة، بل بنية جبهةٍ كاملةٍ تتوزّع فيها الوظائف، الغرب للضغط الساحليّ وكشف الطرق، الوسط لتطويق بنت جبيل واستنزافها، والشرق لفتح ممرٍّ يضغط على الخيام وما بعدها.

ميدانيًّا، التطوّر الأبرز اليوم هو أنّ وتيرة النار الإسرائيلية لم تنخفض رغم اقتراب محادثات واشنطن. إذ استمرّت الضربات على بلدات الجنوب مع ارتفاع حصيلة الضحايا. وهذا يعني أنّ إسرائيل تصرّ على إبقاء الضغط الجوّيّ والسياسيّ معًا عشية المسار التفاوضيّ..

في المقابل، لم يظهر "حزب الله" بموقع المتلقّي فقط. إعلانه عن عشرات الهجمات اليوم على شمال إسرائيل وعلى القوّات المتوغّلة، مع استمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، يثبت أنّ الجبهة لم تتحوّل إلى احتلالٍ مريحٍ أو خطٍّ أحاديّ الحركة، بل ما زالت ساحة استنزافٍ متبادل. 

خريطة التوغّل الإسرائيليّ اليوم يمكن تلخيصها على النحو الآتي، تقدّمٌ أوضح غربًا عند البيّاضة وشمع، ضغطٌ ناريٌّ وتطويقٌ في الوسط حول بنت جبيل وبيت ليف ومحيطهما، ومحورٌ شرقيٌّ أكثر سيولةً عند الخيام والطيبة ودير سريان باتجاه مفاصل الليطاني. الجيش الإسرائيليّ دخل جزءًا من الجنوب، لكنّه لم يثبت، سيطرةً نهائيّةً على خطّ الليطاني. و"حزب الله" ما زال قادرًا على كبح الاندفاعة عبر الصواريخ، المسيّرات، والاشتباك ضدّ القوّات المتوغّلة. أمّا سياسيًّا، فإسرائيل تحاول جمع شيئين معًا، استمرار النار، والدفع نحو مفاوضاتٍ مباشرةٍ مع لبنان من دون وقف نارٍ مسبق.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث