يبيّن الأديب اللبناني الفرنسي أمين معلوف أثر الآخرين في تشكيل هوية الأفراد والجماعات، وفي كيفية تعريفهم لأنفسهم وللآخرين. إذ يشير إلى أن الاستسهال في تصنيف مجموعة من البشر ضمن خانة واحدة، بغضّ النظر عن اختلافاتهم وتنوعاتهم، ينطوي على أحكام مسبقة قد تصل إلى حدّ التجريح. ويؤدي ذلك إلى توليد شعور بالاضطهاد والإساءة لدى من يشملهم هذا التصنيف، فتترك هذه الممارسات جراحًا لا تلتئم ولا تُنسى. وعندئذٍ، يتماهى الفرد مع أكثر انتماءاته تعرّضًا للتجريح، فيُخفي هذا الانتماء ويُبقيه متواريًا في أعماقه، قابعًا في الظل، منتظرًا لحظة العودة إلى مسرح الوعي أو حتى لحظة الانتقام. وعندما تتاح الفرصة، يتولّد تضامن بين الأفراد الذين يتقاسمون هذه الجراح غير الملتئمة، فيجتمعون ويتحرّكون ويشجّع بعضهم بعضًا، ويغدو تأكيد الهوية، عندئذٍ، فعلًا شجاعًا وعملًا تحرّريًا.
يندرج هذا المقترب النظري ضمن ما ذهبت إليه الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية من أن المنطق العام لتشكّل الهويات يحسم بأنّ الهوية ليست جوهرًا طبيعيًا ثابتًا، وليست خاصية ثابتة مرتبطة بالانتماء الإثني أو الديني أو الثقافي، يبدو معها وكأنّ الجماعات تحمل هوية واحدة متجانسة تنتقل عبر الأجيال دون تغيير يُذكر. بل هي بناء اجتماعي يتكوّن عبر التفاعلات اليومية، والسرديات، والرموز، والعلاقات الاجتماعية. وهي تُنتَج وتُعاد إنتاجها في سياقات تاريخية معيّنة، وتتأثر بعلاقات القوة، وبالتحوّلات الاقتصادية والسياسية، وبالخبرات الجماعية. وتتمظهر عبر شبكة كثيفة من المعاني والرموز التي تُعطي للفرد موقعًا في العالم، وتمنحه الإحساس بالتماسك والاستمرارية عبر الزمن.
ويكتسب هذا الفهم الديناميكي أهمية خاصة عند تطبيقه على المجتمعات الهشّة.
الهوية الوظيفية في المجتمعات الهشّة
انطلاقًا من هذا الفهم الديناميكي لتغيرات الهوية، يمكن، خصوصًا في المجتمعات الهشّة، الجمع بين الهويات الأولية والهوية الوطنية، وأن يُغلَّب الانتماء لإحدى هاتين الهويتين تبعًا لعوامل التأزم والاستقرار. ونقصد بالهوية الوظيفية تلك الهوية التي تكتسب فعاليتها من قدرتها على تأمين الحماية أو تقديم الخدمات في سياقات ضعف الدولة.
ففي هكذا مجتمعات، تتعايش الأنظمة والقوانين من جهة، والأعراف والتقاليد من جهةٍ ثانية. ولا تُبنى الثقة على الخطاب السياسي، بل على "أداء الخدمات" وعلى أشياء ملموسة. لذا، توجد إلى جانب الدولة مرجعيات تعمل على ملء الفراغ الناجم عن عجز الدولة عن تقديم الخدمات والأمان للجميع. وبذلك، فإن من يؤمّن ويساهم في سدّ الاحتياجات الاجتماعية يصبح أكثر "شرعية" من الدولة.
وتعمل الأزمات الحادة والحروب وعدم الاستقرار المزمن على إعادة ترتيب دائمة لدوائر الهوية في هذه المجتمعات، حيث تصبح الهوية أكثر مرونة، وأحيانًا أخرى أكثر تصلّبًا، تبعًا لمستوى التهديد الذي تتعرّض له الجماعة. وتبعًا للجهة التي تتولى وظيفة الحدّ من تداعيات هذه الأزمات، تتراجع هذه الهويات أو تتقدّم.
وعلى الرغم من أن الأفراد في هذه المجتمعات لا يحملون هوية واحدة، بل مجموعة من الهويات المتراكبة: وطنية، دينية، مناطقية، عائلية، مهنية، وجندرية؛ فإن الهويات لا تكون جميعها فاعلة في الوقت نفسه، بل تُستدعى وفق السياق والحاجة. وعلى سبيل المثال، في أوقات الاستقرار النسبي، قد تتقدّم الهوية الوطنية أو المهنية أو المدنية، بينما في أوقات الأزمات، يمكن أن تتراجع هذه الهويات لصالح هويات أقرب وأكثر قدرة على الحماية. وهكذا، لا تختفي الهوية الوطنية، إنما تظلّ حاضرة في الخطاب والرموز، لكنها تضعف في الممارسة اليومية لصالح تقدّم الهويات الأولية بوصفها هويات وظيفية قادرة على تقديم حماية ملموسة.
هوية اللبنانيين بين طوائفهم ودولتهم
ويظهر هذا التداخل بوضوح في الحالة اللبنانية، حيث يشكّل لبنان مجال اختبار لهذه المفاضلة بين الهوية اللبنانية العامة والهويات الأهلية والطائفية. ففي ظل فوران العالم الأهلي، جرى تكريس الطوائف كممرات تتوسط علاقة الدولة بالمواطن، وفق عملية اكتسحت تقريبًا كل شيء، إذ إنه إلى جانب شرعنة صلاحيات الطوائف في أمور الأحوال الشخصية وقوانين الإرث، مُنِحت الطوائف حرية التعليم الديني وفق مناهج خاصة، وتكرّست الطائفة كنظام تمثيل سياسي وكقاعدة لتوزيع المناصب السياسية والإدارية، وممرّات للحصول على أصغر المنافع والخدمات. كما جرى مراعاة التوزيع الطائفي في المؤسسات الإعلامية، وغلب التمثيل الطائفي على التمثيل القطاعي في النقابات. إنها لائحة لا تنتهي من العوامل التي عملت على تشكيل السياق العلائقي الذي تعتمل فيه الهويات في لبنان، وهي لائحة عملت مجريات ما بعد الحرب الأهلية على تعميقها بشكلٍ أوضح، إذ شهدنا أشكالًا من اختصاص الطوائف فيما يفترض أن يكون اختصاصًا وطنيًا عامًا.
وبذلك، شهدنا طوائف تختص بالإعمار، وأخرى في جانب التصدي للوصاية السورية والدفاع عن المجد الممنوح لها في قيام لبنان، وطوائف تلتزم جادة الوسطية، وطائفة تختص بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ثم في مهام الدفاع بوجه الانتهاكات الإسرائيلية منذ العام 2000.
ووفقًا لتلك التخصصية، آل تراث المقاومة الوطنية اللبنانية إلى حزب الله، الذي تولّت مقاومته الإسلامية الاضطلاع بأعباء المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، وخاض حربين قبل تحرير الجنوب، وحربًا ثالثة تحت شعار استعادة الأسرى اللبنانيين من سجون الاحتلال في العام 2006. وظلّت مقاومة حزب الله تحظى بغطاء سياسي يتجلّى في البيانات الوزارية لكافة الحكومات المتعاقبة، حتى دخول الحزب في السابع من تشرين الأول 2023 في معركة إسناد غزة، وهي المعركة التي أفضت إلى خسارة الحزب معظم قيادته الأولى وعدد واسع من كوادره ومقاتليه. علمًا أن هذه المعركة شكّلت، شأن الكثير من المحطات العامة، فصلًا جديدًا من الانقسام الداخلي اللبناني، عطفًا على الانقسامات التي تراكمت منذ العام 2005، وتغذّت من صراعات السلطة الداخلية وأحداث السابع من أيار العام 2008، وتدخل الحزب في النزاعات الإقليمية، ولا سيما الحرب السورية.
وقد تجلّت هذه الديناميات بوضوح في مسار الحرب وما تلاها، إذ وضعت الشيعة اللبنانيين أمام نعت هوياتي يصنعه الآخرون عنهم، ويشكّك في ترجيح ولاءاتهم الخارجية على حساب ولائهم الوطني.
من الحرب إلى الديبلوماسية: تراجع منطق الاحتواء
معركة الإسناد انتهت باتفاق وقف الأعمال العدائية الموقّع بين لبنان وإسرائيل في السابع والعشرين من تشرين الأول 2024. بعد شهر على دخول هذا الاتفاق، جرى انتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية اللبنانية، كما جرى تسمية القاضي نوّاف سلام لرئاسة حكومة العهد الأولى التي جمعت بين وزرائها عتاة المنقسمين حول الحرب، وأبرزهم الثنائي الشيعي من جهة وخصومه من جهة ثانية. وبذلك، فإن العهد، وحكومته الأولى، وجد نفسه أمام تلقّف كرة النار التي أفرزتها معركة الإسناد.
ولأول مرة منذ اتفاق الطائف، غابت الإشارة إلى حق المقاومة في الدفاع عن لبنان، وغابت كافة التخريجات التي كانت تتناسل في البيانات الوزارية عن ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة. واستُعيض عن هذا الغياب بتسوية حملها خطاب القسم والبيان الوزاري لحكومة سلام، اللذان نصّا بشكل صريح على حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وعلى استعادة الأسرى اللبنانيين الذين اختُطفوا خلال معركة الإسناد، وإعادة إعمار ما دمّره الاحتلال الإسرائيلي.
وفي ترجمة عملية لهذين الإطارين المرجعيين، شرع الجيش اللبناني في خطة الانتشار جنوب نهر الليطاني كمرحلة أولى على طريق حصر السلاح بيد الدولة، وهي الخطة التي استطاعت بالفعل السيطرة على العديد من العقد الدفاعية التي كان يستعملها الحزب، وجمع وتفجير كميات هائلة من الأسلحة والذخائر والعتاد.
وإذ عمد حزب الله إلى التجاوب مع خطة نشر الجيش وحصر السلاح جنوب نهر الليطاني، واشترط انسحاب إسرائيل وإعمار ما هدمته الحرب وعودة الأسرى قبل الانفتاح على البحث في المرحلة الثانية من حصر السلاح ضمن استراتيجية دفاع وطنية؛ فإن العرقلة والضغط الفعليين حصلا من مكان آخر، حيث كان بنيامين نتنياهو، المنتشي بما آلت إليه أحداث السابع من أكتوبر، يكرّر في كل مناسبة إعلان أهداف حكومته بتغيير الشرق الأوسط وإعادة رسم خارطته.
وترافق هذا الإعلان المتكرّر مع تمكّن إسرائيل من تدمير قطاع غزة، والتقدم الحثيث في خطوات متسارعة على طريق ضم الضفة الغربية وتبديد فكرة حل الدولتين، وكذلك السيطرة على مرتفعات جبل الشيخ بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، والانتقال إلى التوغل في الأراضي السورية؛ وكذلك عبر احتلال خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية والانطلاق منها لشن اعتداءات متواصلة استغرقت الأشهر الخمسة عشر التي أعقبت اتفاق وقف الأعمال العدائية.
الشهور الخمسة عشر المنوّه عنها لم تقتصر على إلحاق المزيد من الخسائر في صفوف الحزب، التي فاقت خمسمئة شهيد، وإنما شملت التدمير الممنهج لقرى الشريط الحدودي المحاذي لفلسطين المحتلة عبر أعمال القصف والتفجير والتجريف، وترافقت مع غارات الطيران الحربي المتكرر على مناطق بعيدة جدًا عن الحدود، ومع التلويح الدائم بجهوزية جيشه للعودة إلى الحرب بهدف تدمير سلاح الحزب، ولوم الدولة اللبنانية على تقصيرها في إنجاز هذه المهمة.
في المقابل، فإن الحكومة التي تعهدت بالإعمار وعودة الأسرى وتحرير النقاط الخمس بدت تخضع لتهديدات الموفدين الأميركيين المتزايدة بالعودة إلى الحرب، ما لم تكن مسألة تجريد حزب الله من سلاحه في أولوية الأولويات. وجرى التعاطي مع تلك التهديدات كأنها قدر؛ وإذ اعتُبرت الديبلوماسية بمثابة الخيار الواقعي والممكن البديل عن مغامرة الحرب، فإن الديبلوماسية اللبنانية قد افتقرت إلى أدنى شروط الصمود السياسي، واقتصرت إلى حدٍ بعيد طيلة خمسة عشر شهرًا على استقبال الموفدين.
وفاقم الأمر أداء وزارة الخارجية اللبنانية، الذي عزّز الشكّ حول قدرة الدولة على احتواء المشكلة وتحويلها من قضية تخص طائفة إلى قضية وطنية عامة.
من تعسّر الضمانة الخاصة إلى افتقاد الضمانة الوطنية
بهذه الخلفية، وصلنا إلى لحظة العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران في نهاية شباط/ فبراير 2026، وهي وضعية يمكن اختصارها على النحو التالي: شعر الجنوبيون ومعظم الشيعة اللبنانيين بغياب وظيفة الحماية التي كانوا يطمئنون إلى أن حزب الله وحركة أمل يضطلعان بها، من دون أن يتلمّسوا، في المقابل، تقدّم الهوية الوطنية لملء هذا الغياب. وفاقم هذا الشعور ما كان يجري في أروقة النقاش السياسي، حيث اعتُبر أنه يعني المزيد من إضعاف الشيعة عبر القرارات المتعلقة بالجنوب أو بقوانين الانتخاب وخلافها.
ومعه، انتعش خطاب هوياتي يبلسم الجراح ويلهب المشاعر، عبر استحضار سردية مفادها أن الجنوبيين، وتاليًا الشيعة، يُدفعون مرة أخرى لكي يعانوا ما عانوه طويلًا عبر تاريخهم القريب، بسبب تخلّي الدولة عن واجب حمايتهم. ويمكن هنا الافتراض بأن الانتماءات المستهدفة باتت تسيطر على الهوية بكاملها، وأن الجماعة الشيعية تُعاد صياغتها عند حدود التهديد والصراع؛ فتُشدّد حدودها، وتعزّز تماسكها الداخلي، وتُعيد تعريف من ينتمي إليها ومن هو خارجها، وتضيق بالتباينات الممكنة الحدوث داخلها.
إن نظرة الآخرين التي تُنتج الجرح الهوياتي لا تؤدي بالضرورة إلى انغلاق دائم ضمن الهويات الجزئية، بل يمكن أن تشكّل لحظة مفصلية لإعادة توجيه الانتماء نحو هوية أوسع. وهذا يبقى مشروطًا بقدرة الدولة على أداء وظيفة الحماية بشكل فعلي، بحيث تتحول الهوية الوطنية من إطار رمزي إلى إطار وظيفي يوفّر الأمان والاعتراف. عندها فقط يمكن أن تتحول تجربة الجرح من عامل انغلاق إلى مدخل لإعادة بناء الانتماء الوطني، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال الشروط اللازمة لهذا الانتقال.
شروط الانتقال إلى الهوية الوطنية في زمن الحرب
لكي يجعل أميركا عظيمة مرة أخرى، لم يشتق دونالد ترامب معادلة جديدة تقتضي الحاجة إلى العدو، لأن هذه الحاجة ليست تعبيرًا عن نزعة نفسية عابرة في الحالة الأمريكية، بل تجلٍّ لمنطق سياسي بنيوي هوياتي؛ إذ يتحدد بموجبه "نحن" عبر نفي "الآخر"، ويتحقق التماسك الداخلي عبر استحضار تهديد خارجي. لذا يُنتَج هذا العدو ويُعاد تشكيله ضمن شبكة من الخطابات. كما أن العدو لا يختفي، بل يتبدّل، لأن حضوره يظل شرطًا ضمنيًا لاستمرار البنية السياسية ذاتها.
والحال، منذ العام 1945 إلى اليوم، لم تختفِ الحاجة إلى عدو في السياسة الأمريكية، بل تغيّر مستواه وشكله: من عدو شامل (الاتحاد السوفيتي)، إلى عدو شبكي (الإرهاب)، إلى منافس بنيوي (الصين)، إلى صاحب قدرة على استخدام أسلحة الدمار الشامل (العراق)، مع استمرار أعداء يُستحضرون لملء الفراغات وتفعيل سياسات إنتاج الخوف واستعراض القوّة (مثل فنزويلا). لذلك، فالعدو ليس كيانًا ثابتًا، بل وظيفة سياسية متعددة المستويات، تتبدل أشكالها بينما تبقى ضرورتها. وهنا تصبح الحرب (أو التهديد بها) ليست فقط أداة عسكرية، بل أداة رمزية تعيد إنتاج صورة أمريكا كقوة مهيمنة.
في الحرب على إيران، انضم بنيامين نتنياهو إلى طموح تحويل إسرائيل إلى قوة عالمية عظمى تسهم في إعادة تشكيل وجه المنطقة، والهدف هذه المرة لم يكن دولة ضعيفة، وإنما دولة إقليمية قوية جدًا، وذات تأثير ملموس في منطقتها ومحدود على المستوى العالمي. ومثلما وجدت إسرائيل فرصة تاريخية نادرة في خوض حرب إلى جانب الولايات المتحدة، راهن حزب الله على جدوى الدخول في حرب إلى جانب إيران، ليس لأسباب هوياتية عقائدية وحسب، وإنما لأسباب عملياتية تتعلق بحسابات الميدان وبمحاولة الحدّ من تداعيات الحرب الأولى.
وإذ أفرز دخول الحزب في حرب إسناد للمرة الثانية موجة من التداعيات الاجتماعية والديمغرافية والاقتصادية، وشكّل سياق فرز هوياتي حادًا على إيقاع التجريح والتحريض الطائفي، الذي قارب تحميل تداعيات الحرب لطائفة بعينها. فقد وجد الشيعة أنفسهم كأنهم في موقع المعتدي، رغم كونهم ضحايا، وراجت فكرة حرب الآخرين على أرض لبنان في تنكّر لأهداف إسرائيل الصريحة من الحرب. كما اقتربت الأمور من لحظة المساس بالسلم الأهلي، وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعميم الكراهية.
عند هذه النقطة، يفرض السؤال نفسه بإلحاح: كيف تُستعاد مسألة حماية لبنان وصون حدوده، وأن تكفّ عن كونها من اختصاص طائفة لتصبح مهمة الدولة؟ وكيف يمكن طمأنة الجنوبيين، وخصوصًا الشيعة منهم، بوجود هوية عامة تحميهم؟ والأجوبة هنا تقع على عاتق الجميع، ولا يفيد معها التسرّع أو تقديم التنازلات المسبقة.
ختامًا، لا يكفي أن ترفع الدولة شعار الهوية الوطنية، بل يتعيّن عليها أن تؤديها كوظيفة. فحين تصبح الدولة مصدر الحماية والخدمات والعدالة، تتحول الهوية الوطنية من إطار رمزي إلى إطار عملي قادر على استيعاب الهويات الجزئية واحتوائها. أما في غياب ذلك، فإن الهويات الأولية تبقى الملاذ الأكثر واقعية، وتستمر في إعادة إنتاج نفسها بوصفها الضامن الوحيد للأمان، ولو على حساب دور الدولة وشرعيتها نفسها.
وفي هذا السياق، لا يبدو الانغلاق الهوياتي حالة خاصة، بل قابلًا للتعميم، لا سيما ونحن على أعتاب الثالث عشر من نيسان، بما يحمله من دلالات على هشاشة الداخل. وهنا يتعاظم دور الدولة في احتواء هذا المسار، عبر إعادة الجميع إلى الهوية العامة، وطمأنتهم، وإجادة إدارة القضايا الوطنية، وفي مقدّمها قضية الجنوب، من دون الوقوع في فخ تقديم تنازلات مسبقة أمام عدو معروف بقدرته على إعياء أعتى المفاوضين وأكثرهم امتلاكًا للأوراق التفاوضية.




