"تفاوضٌ لبنانيٌّ – إسرائيليّ مباشر"، لو قيلت هذه الجملة قبل سنواتٍ قليلة من الآن لكانت قد فجّرت البلاد بسجالٍ، ربّما قد ينتهي إلى معركةٍ داخليّة، ولكن، اليوم، وتحت وطأة المجزرة المتنقلة والمفتوحة، باتت هذه الجملة هي المحدّد لمسار ومستقبل لبنان برمته. كائنةً ما كانت النّهاية التي سترسو عليها هذه الحرب، وفي لبنان تحديدًا، لا تبدو المسألة محصورةً في جولة نارٍ جديدة، ولا في مبادرةٍ دبلوماسيّةٍ عابرة، بل في لحظة ضغطٍ قصوى تدفع فيها البلاد إلى اختبارٍ هو الأشقّ: هل ينجح اللبنانيّون في تحويل التفاوض إلى مدخلٍ لاستعادة الدّولة، أم يتحوّل التفاوض نفسه إلى أداة كسرٍ سياسيٍّ وأهليّ؟ هذا هو السؤال الفعليّ بعد إعلان بنيامين نتنياهو بدء مفاوضاتٍ مباشرةٍ مع لبنان، محدّدًا هدفها سلفًا: "نزع سلاح حزب الله" و"إقامة علاقاتٍ سلميّةٍ" بين البلدين، فيما يربط لبنان أيّ انتقالٍ جدّيٍّ إلى هذا المسار بوقف إطلاق النّار أو بهدنةٍ تسبقه.
إنّه ليس خبرًا ديبلوماسيًّا عاديًّا
الخطأ الأوّل في قراءة ما جرى هو التعامل معه كأنّه مجرّد إعلانٍ عن محادثات. في الواقع، نتنياهو لم يفتح بابًا تفاوضيًّا محايدًا، بل وضع العنوان والنتيجة والمطلوب دفعةً واحدة. هو لا يقول إنّ هناك نزاعًا يجب أن يدار، بل يقول إنّ هناك فرصةً لفرض معادلةٍ سياسيّةٍ جديدة على لبنان تحت ضغط الحرب. ومن هنا، تصبح صيغة "المفاوضات المباشرة" أقلّ أهمّيّةً من الشروط التي يراد إدخال لبنان إليها: تفاوضٌ تحت القصف، وتحت التهديد، وتحت سقفٍ إسرائيليٍّ مرتفعٍ جدًّا.
وكلّما طرحت في لبنان فكرة مفاوضاتٍ مباشرةٍ مع إسرائيل، يعود 17 أيّار فورًا إلى الذاكرة. وهذا مفهوم. فاتّفاق 17 أيّار 1983 كان آخر تجربةٍ لبنانيّةٍ مكتملة الشّكل في التفاوض المباشر مع إسرائيل، وقد وقّع بعد الاجتياح الإسرائيليّ عام 1982 وحصار بيروت، وبرعايةٍ أميركيّة، ونصّ على انسحابٍ إسرائيليٍّ مرحليٍّ وترتيباتٍ أمنيّةٍ وسياسيّةٍ أنهت رسميًّا حالة الحرب بين الطرفين. لكنّ الاتّفاق سقط سريعًا، تحت وطأة الانقسام اللبنانيّ، والرفض السوريّ، واستحالة فرضه في ميدانٍ لم تكن الدّولة اللبنانيّة تملك السيطرة الفعليّة عليه.
إلّا أنّ استدعاء 17 أيّار يجب ألّا يكون انفعاليًّا أو دعائيًّا. المقارنة ضروريّة، لكن ليس على قاعدة التهويل السّياسيّ. المطلوب هو فهم ما الذي يتكرّر فعلًا، وما الذي تغيّر جذريًّا. وجه الشبه بين اللّحظتين واضح. في الحالتين، هناك ضغطٌ عسكريٌّ إسرائيليٌّ كبير يراد تحويله إلى مكاسب سياسيّة. وفي الحالتين أيضًا، هناك رعايةٌ أميركيّةٌ لمسار التفاوض، ومحاولةٌ لربط الانسحاب الإسرائيليّ بترتيباتٍ أمنيّةٍ داخل لبنان. وفي الحالتين كذلك، لا يأتي التفاوض نتيجة توازنٍ هادئ، بل في لحظة اختلالٍ ميدانيٍّ وضغطٍ نفسيٍّ على الدولة والمجتمع.
لكن عند هذه النقطة ينتهي التشابه تقريبًا.
فماذا في أبعاد إعلان نتنياهو المفاجئ؟
العقدة ليست في التفاوض فقط
ينقل الخبير العسكريّ والاستراتيجيّ العميد المتقاعد حسن جوني في حديثه إلى "المدن" أنّه النّقاش من سطح الخبر إلى عمق التوازنات. فهو لا يتعامل مع إعلان نتنياهو كحدثٍ منفصلٍ، بل كجزءٍ من مناخٍ تفاوضيٍّ أوسع، يتداخل فيه اللبنانيّ بالإقليميّ. بحسب قراءته، جبهة لبنان وإيران مترابطةٌ ميدانيًّا، لكنّها ليست واحدةً سياسيًّا. وهذا توصيفٌ مهمّ، لأنّه يرفض التبسيط السائد: لا لبنان ساحةٌ إيرانيّةٌ صرفة، ولا ملفّ "حزب الله" قابلٌ للمعالجة كأنّه تفصيلٌ خارجيٌّ فقط.
في المستوى الميدانيّ، يرى جوني أنّ التداخل واضح. ما يجري في لبنان جزءٌ من اشتباكٍ أوسع، ومن استخدام ساحاتٍ متّصلةٍ بعضها ببعض للضغط وتحسين الشروط. لكن في المستوى السياسيّ، تبقى مسألة "حزب الله" مسألةً لبنانيّةً في جوهرها، لأنّها ترتبط بقرارات الدّولة، وبالانقسام اللبنانيّ حول معنى "المقاومة"، وحول مشروعيّة السلاح خارج المؤسّسات.
إلّا أنّ جوني يؤكّد أنّه: "لا يستطيع لبنان أن يذهب إلى تفاوضٍ جدّيّ إذا لم يكن "حزب الله" جزءًا من الموافقة، أو على الأقلّ غير معترضٍ عليها اعتراضًا ينسف المسار. هذا ليس دفاعًا عن الحزب، بل وصفٌ لميزان القوى الفعليّ. فلبنان لا يملك أن يقدّم "ورقة السّلاح" على الطاولة إذا لم تكن القوى المعنيّة بها جزءًا من الترتيب، وإلّا صار التفاوض شكلًا من أشكال الانقسام الداخليّ المؤجّل، لا مسارًا لإنهاء الحرب".
ولهذا تبدو المواقف الحاليّة شديدة الحساسيّة. فنتنياهو أعلن التفاوض، و"حزب الله" أعلن رفضه للتفاوض المباشر، مع التمسّك بأن يكون وقف إطلاق النّار مقدّمةً لأيّ خطوةٍ لاحقة، بينما الموقف الرسميّ اللبنانيّ، كما تسرّب، لا يرفض المبدأ بل يربطه بالتهدئة والضمانات. أي إنّنا أمام ثلاثة مستوياتٍ غير متطابقة: إسرائيل تريد تفاوضًا تحت القصف، الدولة تريد تفاوضًا بعد الهدنة، والحزب يرفض أصلًا فكرة التفاوض المباشر بصيغتها الإسرائيليّة المطروحة.
هل نحن أمام فصلٍ للجبهات؟
في الظاهر، نعم. وفي العمق، لا بالكامل.
إسرائيل تحاول بوضوحٍ فصل مسار لبنان عن أيّ تفاوضٍ أوسع مع إيران، أو على الأقلّ أن تمنع استخدام السّاحة اللبنانيّة ورقةً تفاوضيّةً إيرانيّةً تدار من طهران. هذا ما تريده تلّ أبيب وواشنطن معًا: أن يتفاوض لبنان "عن نفسه"، وأن لا يترك ملفّه رهينة سلّةٍ إقليميّةٍ أوسع تعيد طهران من خلالها تثبيت نفوذها في بيروت.
لكنّ جوني يلفت إلى أنّ هذا الفصل ليس كاملًا، لأنّ المناخ التفاوضيّ كلّه مترابط. فإذا كان في المنطقة مسار تفاوضٍ أكبر، فإنّ لبنان سيكون جزءًا منه حكمًا، ولو عبر تقاطعاتٍ غير معلنة. من هنا يفسّر الرجل الضغط الإيرانيّ لإدراج لبنان ضمن أيّ تسوية، كما يفسّر أيضًا تبدّل الإيقاع الأميركيّ، من الضوء الأخضر المفتوح لإسرائيل إلى طلب تخفيف الضربات وفتح الباب أمام تسويةٍ ما. هذا لا يعني أنّ لبنان بات بندًا محسومًا في تفاوضٍ إقليميّ، لكنّه يعني أنّه ليس جزيرةً سياسيّةً معزولة عن بقيّة السّاحات.
ورقة لبنان الوحيدة: تحويل ملفّ السّلاح إلى ملفّ سيادة
وعندما تسأل "المدن" جوني عمّا إذا كان لبنان قادرًا فعلًا على التفاوض، وهل يملك أوراقًا تفاوضيّة، يبدأ من النقطة الأكثر حساسيّة. فيشير: "علينا أوّلًا أن نرى ردّ فعل حزب الله تجاه موضوع التفاوض. نتنياهو أعلن اليوم قبل قليل، والرئيس الجمهوريّ أيضًا قال إنّ مبادرته بدأت تتفاعل إيجابيًّا منذ نحو ساعتين أو ساعةٍ ونصف. الآن، بعد هذا الإعلان من نتنياهو، علينا أن نرى موقف حزب الله".
ويضيف: "السؤال هو: إذا كان هذا التفاوض مباركًا إيرانيًّا، فسيكون هناك تجاوبٌ من حزب الله، وعندها يذهب لبنان إلى التفاوض بموقفٍ موحّد. أمّا إذا كانت مبادرة الرئيس قد تلقّفها نتنياهو اليوم أو وافق عليها اليوم بمباركةٍ أميركيّةٍ فقط، فعندئذٍ قد نعود إلى المشكلة نفسها الّتي رأيناها قبل أسبوعين أو قبل شهر، في بداية الحرب، أي مسألة رفض الرئيس برّي والحزب، وما إلى ذلك".
ثمّ يلفت إلى الخلفيّة الأوسع، ويقول: "لكنّني أعتقد أنّ هذا التفاوض الّذي أعلن عنه نتنياهو هو جزءٌ من المناخ التفاوضيّ العامّ الّذي سيبدأ في باكستان. لماذا؟ لأنّ من بين نقاط التفاوض مع إيران مسألة ما يسمّى بـ"الأذرع"، وبالتالي فإنّ الأميركيّين يريدون مناقشة هذه النقطة مع إيران. وحزب الله يندرج ضمن هذه النقطة في الفهم الأميركيّ. لذلك قد يكون إطلاق عجلة التفاوض بين إسرائيل ولبنان موازيًا، أو جزءًا، من عمليّة التفاوض الأساسيّة الجارية في باكستان. وإذا كان الأمر كذلك، فمن المؤكّد أنّه سيمضي قدمًا".
هل نحن أمام 17 أيّار جديد؟
كلّما طرحت في لبنان فكرة مفاوضاتٍ مباشرةٍ مع إسرائيل، يعود 17 أيّار فورًا إلى الواجهة. ليس لأنّ التاريخ يعيد نفسه حرفيًّا، بل لأنّ هذا الاتّفاق ما زال، في الوعي اللبنانيّ، عنوانًا للحظةٍ حاول فيها الخارج فرض صيغة علاقةٍ جديدةٍ مع إسرائيل تحت ضغط الاحتلال واختلال ميزان القوى.
فيؤكّد جوني: "إذا انطلقنا من موازين القوى على الأرض، أي من أرضيّة التفاوض نفسها، فهناك اختلافات".
ويضيف: "أوّل اختلافٍ يتعلّق بمسألة حزب الله. فالإسرائيليّ، ونتنياهو قال ذلك بنفسه، يعتبر أنّ هدف التفاوض هو تجريد حزب الله من سلاحه، أليس كذلك؟". ثمّ يشرح الفارق الأساسيّ بين الأمس واليوم: "هنا لدينا إشكاليّةٌ تختلف عن 17 أيّار. ففي ذلك الوقت، كان الوضع أضعف ممّا هو عليه الآن. في 17 أيّار كان هناك احتلالٌ إسرائيليٌّ وصل إلى بيروت. أمّا الآن، فلا يوجد احتلالٌ وصل إلى بيروت. صحيحٌ أنّهم يقصفون، لكنّ حزب الله أيضًا يردّ. لذلك فإنّ الوضع التفاوضيّ الآن قد يفضي، في رأيي، إلى نتائج أفضل من 17 أيّار، لكن ليس بالقدر الّذي ينسجم مع مفهوم السيادة الكامل، لأنّ هناك ضغطًا ناريًّا كبيرًا على المجتمع اللّبنانيّ من جهة، ولأنّ المجتمع اللّبنانيّ نفسه غير موحّدٍ حول خيار التصدّي لإسرائيل ومواجهتها من جهةٍ أخرى".
ماذا تريد إيران؟
في الشقّ المرتبط بإيران، يقول: "برأيي، إيران جادّةٌ في ضغطها من أجل شمول لبنان بالاتّفاق، وجادّةٌ جدًّا في ذلك. ولا أعتقد أنّها تستطيع التنصّل من هذا الموضوع".
ويضيف: "أوّلًا، لأنّ ترك لبنان يعني خسارتها لأغلى أوراقها، بمعنى أنّ ورقة حزب الله تعدّ بالنسبة إليها من أثمن الأوراق، ولذلك فهي تحافظ عليها قدر الإمكان، وربّما تستثمرها أيضًا في التفاوض. وثانيًا، لأنّ إيران لم تعد تستطيع، بأيّ شكل، أن تترك الحرب في لبنان، وهي حربٌ بدأت ضمن الحرب الكبرى، أو بدأت من أجلها إذا جاز التعبير، لأنّهم هم أنفسهم قالوا إنّ ما يجري هو ردٌّ وانتقام".
وعندما يُسأل إن كان يمكن توقّع وقف إطلاق نارٍ قريب، يجيب: "نعم، هذا ممكنٌ جدًّا خلال أيّامٍ معدودة. وأنا أصلًا أربط ما حدث اليوم، من الشروع في التفاوض، وموافقة إسرائيل، واتّصال ترامب، بأنّه جزءٌ من التّعاطي الإيجابيّ مع الضغط الإيرانيّ". ويضيف: "فلماذا اتّصل به الآن؟ في البداية كان ترامب يقول: نريد أن نتخلّص من حزب الله، وإنّ لإسرائيل الحقّ في ذلك، وكان يمنحها ضوءًا أخضر. أمّا الآن، فعندما يتّصل به ويطلب منه تخفيف الحدّة، ثمّ يعلن الآخر عن التفاوض بعد أن يكون قد ناقش وتشاور مع ويتكوف، فهذا يعني أنّ الولايات المتّحدة تفاعلت مع الضغط الإيرانيّ. ومن هنا كنت أربط الأمور بعضها ببعض، أي إنّ مسألة لبنان لا تنفصل عن التفاوض الّذي سيجري في باكستان بشكلٍ أو بآخر".
إلى أين يتّجه المسار؟
انطلاقًا من كلّ ذلك، تبدو البلاد أمام أكثر من احتمال. قد تفرض هدنةٌ محدودة، تفتح بعدها مفاوضاتٌ مباشرةٌ أو شبه مباشرة، يذهب إليها لبنان تحت سقف وقف النّار والضمانات، فيما تحاول إسرائيل ترجمة الضغط العسكريّ إلى ترتيباتٍ أمنيّةٍ وسياسيّة. وقد تصرّ إسرائيل على "التفاوض تحت النّار"، فتجعل من الطاولة امتدادًا للمعركة، لا مخرجًا منها. وقد يتعطّل المسار من داخله إذا لم يتوافر الغطاء السياسيّ اللبنانيّ الكافي، وخصوصًا إذا لم يكن "حزب الله" جزءًا من الموافقة أو من التفاهم على الحدود التي يمكن أن يذهب إليها التفاوض.
لكن، أكان هذا المسار امتدادًا للحرب أم بدايةً لوقفها، فإنّ الخطر الأعمق لا يقف عند حدود التفاوض مع إسرائيل. الخطر يكمن أيضًا في الداخل اللبنانيّ نفسه، في قابلية هذا البلد لاستقبال مثل هذا المسار من دون أن يتفكّك أكثر.




