لبنان بعد الحرب: كيف نكسر نمط التشظّي؟

ربيع دندشليالجمعة 2026/04/10
Image-1775718442
كيف نمنع هذه الحرب من أن تتحول إلى حلقة في مسلسل التفكك اللبناني
حجم الخط
مشاركة عبر

في لبنان، لا تنتهي الحروب عندما تسكت الجبهات. تنتهي عسكرياً، لكنها تبدأ سياسياً واجتماعياً ومذهبياً بشكل آخر. هذا البلد لا يخرج من الحرب موحّداً، بل أكثر تشظياً. وهذه ربما هي المأساة اللبنانية الأعمق: أن الحروب لا تُنتج دولة، بل تُنتج انقسامات جديدة، وتعيد توزيع الشروخ الداخلية، وتفتح الباب كل مرة أمام صيغة أكثر هشاشة من السابقة.

 

منذ الحرب الأهلية (1975–1990)، لم يكن أي صراع مجرد محطة عابرة. تلك الحرب نفسها انتهت بتسوية “لا غالب ولا مغلوب”، لكنها لم تُنتج دولة فعلية، بل نظام توازنات هشّ. ثم جاء عدوان نيسان 1996، ليرسّخ معادلة أمنية على حساب الدولة. وبعده الانسحاب الإسرائيلي في العام 2000، الذي كان يمكن أن يكون لحظة تثبيت للسيادة، لكنه فتح بدلاً من ذلك نقاشاً داخلياً جديداً حول السلاح ودور الدولة.

 

حرب 1982 لم تكن مجرد اجتياح إسرائيلي. كانت لحظة انفجار داخلي كبير، وتحوّل الاجتياح إلى مدخل لانقسام أهلي واقتتال داخلي وتغيير عميق في موازين البلد. ثم جاءت 2006، لا لتطوي صفحة الانقسام، بل لتفتح انقساماً جديداً حول الدولة والحكومة والقرار، وتحوّل الصراع أكثر فأكثر إلى اشتباك سني–شيعي على خلفية الحرب وخياراتها وتداعياتها. وبينهما، شهد لبنان محطات مفصلية مثل أحداث 7 أيار 2008، التي نقلت الانقسام من السياسة إلى الشارع والسلاح.

 

أما في 2024، فقد بدا لبنان كأنه يُدار من قبل من لا يملكون حيثية شعبية فعلية توازي حجم القرار الذي يُتخذ باسم الناس، فيما البلد يتلقى الضربات، والدولة تتراجع، والمجتمع يزداد تفككاً.

 

السؤال اليوم ليس فقط كيف نخرج من الحرب، بل كيف نصل إلى نهاية 2026 من دون تشظٍّ إضافي. كيف نمنع أن تتحوّل هذه الحرب إلى محطة جديدة في مسلسل التفكك اللبناني؟ كيف نمنع أن تنتج مزيداً من الكسر بين اللبنانيين، ومزيداً من الانهيار في فكرة الدولة، ومزيداً من الانقسام بين من يريد لبنان وطناً ومن يراه مجرد ساحة؟

 

الأخطر أن التهديد الإسرائيلي لم يعد يكتفي بالفعل العسكري، بل صار يُعلن هدفه السياسي والأخلاقي بلا مواربة. وزراء إسرائيليون يتحدثون علناً عن تحويل لبنان إلى غزّة، ويتفاخرون بما اقترفوه في غزّة، كأن التدمير الجماعي بات ورقة ردع، وكأن محو المدن وقتل المدنيين وتدمير البنى التحتية أصبح جزءاً من خطاب رسمي عادي. هذا ليس تفصيلاً دعائياً. هذه نية معلنة، وسياسة تهويل، ورسالة مباشرة إلى لبنان واللبنانيين.

 

ومن هنا يصبح الصمت الداخلي أكثر فداحة. من يدين احتلال لبنان؟ من يدين العدوان على سيادته وأرضه وناسه؟ وأين الدبلوماسية اللبنانية؟ أين شبكة العلاقات العربية والدولية؟ أين موقع الدولة التي يُفترض أنها تتحرك سياسياً وقانونياً وإعلامياً للدفاع عن بلدها؟ إذا كان العدو يعلن مشروعه على العلن، فكيف يُترك لبنان داخلياً وخارجياً بهذا القدر من الفراغ؟

 

المفارقة المؤلمة أن من هم في الحكم، أو في محيط القرار، يعرفون تماماً معنى ما جرى في غزّة. يعرفون حجم الانتهاكات الإسرائيلية، ويدركون أن ما قيل عن "تحويل لبنان إلى غزّة" ليس مجرد تعبير إعلامي. بعضهم بحكم موقعه السابق وخبرته القانونية أو الدبلوماسية يعرف أكثر من غيره ماذا فعلت إسرائيل هناك، وماذا يمكن أن تفعل هنا. ومع ذلك، يبدو البلد متروكاً، كأن أحداً لا يريد أن يتصرف على مستوى الخطر الفعلي.

 

في المقابل، الداخل اللبناني لا يزال يتصرّف بعقلية ما قبل الدولة. واحد يحلم أن يأتي إلى السلطة حتى لو على وقع اجتياح إسرائيلي أو على وقع تبدلات القوة الخارجية، وواحد آخر لا يعنيه من كل هذا سوى أن يبقى في موقع الحكم، وأن يموت على الكرسي إن لزم الأمر. بين هذين النموذجين، يضيع لبنان: بين من يراهن على الخارج ضد الداخل، ومن يتمسك بالسلطة ولو احترق البلد.

 

لكن لا يمكن أن يخرج لبنان من هذه اللحظة إلا إذا عاد اللبنانيون إلى الكلام مع بعضهم البعض. لا يوجد مخرج آخر. لا الخارج سيبني دولة لنا، ولا الطوائف ستنتج وطناً. الفيتو الطائفي لا يصنع بلداً، بل يشلّه. وكل مرة جرى فيها تأجيل الحوار الداخلي الحقيقي، كان الثمن حرباً جديدة أو أزمة أكبر أو تشظياً أعمق.

 

الحقيقة التي يجب قولها بلا مواربة هي أننا لا نزال نعيش وفق قواعد الحرب الأهلية، حتى لو كنا ندّعي الخروج منها. صحيح أن الحرب انتهت عسكرياً، لكن نظامها العميق لم ينتهِ. لا تزال الطوائف هي المرجعية الفعلية، ولا يزال التوازن السلبي هو الحاكم، ولا تزال صيغة “لا غالب ولا مغلوب” تُستخدم ليس لبناء دولة، بل لتجميد الصراع وتأجيل الانفجار. ولهذا تحديداً، فإن اتفاق الطائف سقط عملياً حتى قبل أن يُنفَّذ بالكامل. سقط لأن روحه لم تتحول إلى دولة، بل إلى إدارة مؤقتة للأزمة، ثم إلى غطاء دائم لعجز النظام.

 

من هنا، فإن السؤال لم يعد فقط عن شكل لبنان بعد الحرب، بل عن إمكان إنقاذه من التفكك النهائي. نحن بحاجة إلى دولة فعلية، لا إلى سلطة شكلية. إلى حكومة تحكم، لا إلى حكومة تدير الوقت الضائع. إلى جيش يُعطى الغطاء والإمكانات ليكون المرجعية الأمنية الوحيدة. إلى دبلوماسية تتحرك باسم لبنان لا باسم توازنات الداخل. إلى نظام سياسي يفتح الباب أمام التمثيل الحقيقي، لا أمام إعادة إنتاج الطوائف نفسها بوجوه أضعف.

 

المطلوب اليوم ليس خطاب تعبئة، بل قرار إنقاذ. لأن أخطر ما يمكن أن يحصل هو أن نصل إلى نهاية 2026 كما وصلنا إلى محطات سابقة: بلد أضعف، مجتمع أكثر انقساماً، دولة أكثر فراغاً، وطبقة سياسية أكثر انفصالاً عن الناس.

 

لبنان لا يحتمل تشظياً جديداً.

ولا يحتمل أن تبقى الحروب مناسبة لإعادة توزيع الخراب.

ولا يحتمل أن يبقى معلقاً بين عدو يهدده بالإبادة، وداخل لا يعرف كيف يصبح دولة.

 

المطلوب هذه المرة أن نمنع النهاية اللبنانية المعتادة: "تتوقف الحرب… ويبدأ التفكك"

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث