إنه الانتظار القاتل ليوم الثلاثاء. في واشنطن يتمّ التحضير لانطلاق المفاوضات. ولكن في لبنان، المجازر لا تتوقف. ويقول الإسرائيليون: لن نفاوض إلا تحت النّار.
فيما يتوجّه رئيس الحكومة نوّاف سلام إلى واشنطن الأسبوع المقبل، وتتّجه الأنظار إلى اللّقاء المرتقب يوم الثّلثاء في أروقة الخارجيّة الأميركيّة بين لبنان وإسرائيل على مستوى السّفيرين، تبدو إسرائيل، بمباركةٍ أميركيّةٍ واضحة، كأنّها تريد رسم الخرائط بالنّار قبل الجلوس إلى الطّاولة. فتل أبيب لا تتحدّث عن مسارٍ تفاوضيٍّ بالمعنى السّياسيّ للكلمة، بل عن "تفاوضٍ تحت وطأة الجحيم"، أي عن مفاوضاتٍ تفتح أبوابها فيما القصف مستمرٌّ، والضّغط العسكريّ في ذروته، والدّم اللّبنانيّ يستخدم ورقة ابتزازٍ لتحسين الشّروط الإسرائيليّة.
وهكذا، لا يبدو إعلان بنيامين نتنياهو فتح باب المفاوضات المباشرة مع الدّولة اللّبنانيّة مبادرة حسن نيّة، بل غطاءً سياسيًّا لمرحلةٍ عسكريّةٍ يهدف من خلالها إلى انتزاع "الضّربة القاضية" ضدّ "حزب الله". وبحسب تقارير أوردتها صحيفة "معاريف"، فإنّ إسرائيل استحصلت على "مهلةٍ عمليّاتيّة" من إدارة ترامب، تتراوح بين يومين وخمسة أيّام، مخصّصةٍ لشنّ هجماتٍ هي الأعنف من نوعها ضدّ المنظومة الصّاروخيّة للحزب.
في الجوهر، لا تبدو هذه المهلة سوى "نافذة تصفية" سياسيّة وعسكريّة، هدفها إضعاف الموقف التّفاوضيّ اللّبنانيّ، بل سحقه قبل بدء التّفاوض. فإسرائيل تريد أن تدخل اجتماع الثّلثاء وهي تمتلك تفوّقًا ميدانيًّا يسمح لها بفرض شروطٍ قاسية، تبدأ من ملفّ السّلاح، ولا تنتهي عند ترتيباتٍ أمنيّةٍ وحدوديّةٍ جديدة، تعاد صياغتها بما يضمن لها مكاسب استراتيجيّةً طويلة الأمد.
هذا يعني، عمليًّا، أنّ تل أبيب لا تسعى إلى وقف الحرب بقدر ما تسعى إلى استثمارها سياسيًّا. هي تريد من الدّبلوماسيّة أن تأتي بعد النّار، لا قبلها، ومن المفاوضات أن تكون تتويجًا لموازين قوى فرضتها المجازر، لا مسارًا متكافئًا بين طرفين. ومن هنا، يصبح السّؤال أكثر إلحاحًا: هل يتّجه لبنان إلى مفاوضاتٍ تنقذ ما يمكن إنقاذه، أم إلى لحظة رضوخٍ تقدّم فيها التّسوية بوصفها ضرورةً فيما هي، في حقيقتها، نتيجة ابتزازٍ بالنّار؟
واشنطن: المايسترو بين النّار والدّبلوماسيّة
في واشنطن، تبدو الصّورة أكثر تعقيدًا من مجرّد رعايةٍ أميركيّةٍ تقليديّة. فبينما توجّه إلى نتنياهو رسائل أميركيّةٌ وصفت بأنّها "شديدة اللهجة" خشية تقويض التّهدئة مع إيران، يوحي السّلوك الأميركيّ بأنّ الإدارة لا تضغط لوقف الحرب بقدر ما تدير إيقاعها. وبهذا المعنى، يظهر السّفير الأميركيّ في بيروت ميشال عيسى في موقع "المايسترو" الّذي ينظّم الإيقاع بين النّار والدّبلوماسيّة معًا.
وقد شارك عيسى، إلى جانب السّفيرة اللّبنانيّة في واشنطن ندى حمادة معوّض، والسّفير الإسرائيليّ في واشنطن يحيئيل مايكل لايتر، ومدير التّخطيط في وزارة الخارجيّة الأميركيّة مايك نيدهام، في اتّصالٍ رباعيٍّ تمهيديّ، هو الأوّل من نوعه، لتحضير اجتماع الثّلثاء. وهذا التّرتيب لا يعبّر فقط عن انطلاق قناة تواصلٍ رسميّة، بل يكشف أيضًا عن هندسةٍ أميركيّةٍ دقيقةٍ للمسار، بحيث تبقى واشنطن المرجع الوحيد، والضّابط الوحيد، والسّقف الوحيد لما يمكن أن يقال ويقرّر.
الهدف الأميركيّ، كما توحي المعطيات، مزدوجٌ بوضوح. فمن جهةٍ أولى، تريد واشنطن منع الانزلاق إلى حربٍ إقليميّةٍ شاملةٍ قد تحرج تفاهماتها مع طهران أو تفجّرها. ومن جهةٍ ثانية، تريد منح إسرائيل فرصة الحسم على الجبهة الشّماليّة، تمهيدًا للانتقال إلى المرحلة السّياسيّة من موقع القوّة. أي إنّ الإدارة الأميركيّة تسعى إلى ضبط الانفجار، لا إلى إنهائه فورًا، وإلى توظيف التّصعيد، لا بالضّرورة إلى وقفه قبل تحقيق غاياته الإسرائيليّة.
ومن هنا، يفهم الحديث عن توجّهٍ أميركيٍّ لإعطاء الأولويّة للمحادثات بين إسرائيل ولبنان، قبل الانتقال إلى أيّ مسارٍ تفاوضيٍّ مع إيران، في خطوةٍ تقرأ على أنّها محاولةٌ لفصل الجبهة اللّبنانيّة، الإسرائيليّة عن الملفّ الإيرانيّ، والتّعامل معها بوصفها ملفًّا قائمًا بذاته، يخضع لإشراف وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، ويدار بمعزلٍ عن محادثاتٍ أخرى في الإقليم.
نوّاف سلام أمام الاختبار
من المؤكّد أنّ رئيس الحكومة نوّاف سلام سيصل إلى واشنطن في ظلّ التّحدّي الأكبر الّذي ستواجهه الدّبلوماسيّة اللّبنانيّة: كيفيّة انتزاع وقفٍ لإطلاق النّار لا يتحوّل "صكّ استسلام". فالمشكلة ليست في الذّهاب إلى التّفاوض بحدّ ذاته، بل في الشّروط الّتي يفتح فيها هذا الباب. حين يكون القصف هو مقدّمة الجلوس إلى الطّاولة، يصبح المطلوب من لبنان أن يفاوض من تحت الأنقاض، لا من موقع الدّولة السّيّدة.
ولهذا، يبدو اجتماع السّفراء يوم الثّلثاء، بوساطة عيسى، أشبه بـ"نقطة ارتكاز" سترسم مسار الأشهر المقبلة. فإذا نجحت إسرائيل في استغلال مهلة الأيّام القليلة لتحقيق إنجازٍ ميدانيٍّ "كاسرٍ للتّوازن"، فإنّ مفاوضات الثّلثاء قد تتحوّل إلى منصّةٍ لفرض اتّفاقٍ أمنيٍّ برعايةٍ أميركيّةٍ مشدّدة، يقلّص نفوذ "حزب الله" العسكريّ جذريًّا. أمّا إذا صمد الميدان اللّبنانيّ أمام "الضّربة الواسعة"، فقد يصبح لقاء واشنطن الجولة الأولى في مسارٍ تفاوضيٍّ طويلٍ ومعقّد، تضطرّ فيه الولايات المتّحدة إلى تدخّلٍ أكبر لخفض التّصعيد، استجابةً لمقتضيات تفاهماتها الأوسع مع إيران.
وتتكثّف الاتّصالات الدّبلوماسيّة في السّاعات الأخيرة على وقع التّصعيد الإسرائيليّ المستمرّ على لبنان، في موازاة تحضيراتٍ لجولةٍ تفاوضيّةٍ مباشرةٍ يرتقب أن تنطلق تمهيدًا لاجتماعٍ أوّل يوم الثّلثاء. ووفق المعطيات المتداولة، يفترض أن يشكّل هذا الاجتماع لقاءً تمهيديًّا للجولة الأولى من المفاوضات، الّتي لم يحدّد موعدها بعد، على أن يشارك فيها لاحقًا وفدٌ رسميٌّ من بيروت.
هذا الحراك لا يجري في فراغ. إنّه يترافق مع مواقف عربيّةٍ ودوليّةٍ داعمةٍ للبنان، وداعيةٍ إلى وقفٍ فوريٍّ لإطلاق النّار، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهةٍ أوسع. لكنّ المفارقة أنّ كلّ هذا الحراك الدّبلوماسيّ يتقدّم ببطءٍ شديد، فيما الآلة العسكريّة الإسرائيليّة تعمل بسرعةٍ فائقة. وهنا تحديدًا تكمن المعضلة: الدّبلوماسيّة تجرّ وراء الميدان، بدل أن تقوده.
دعمٌ عربيٌّ لبسط سلطة الدّولة
في موازاة المسار الأميركيّ، برز دعمٌ عربيٌّ واضحٌ للبنان، عنوانه الأبرز بسط سلطة الدّولة وحصر السّلاح بالقوى الشّرعيّة. فقد أجرى الأمين العامّ لجامعة الدّول العربيّة أحمد أبو الغيط اتّصالًا برئيس الحكومة، جدّد خلاله الإعراب عن تضامنه الكامل مع لبنان في مواجهة ما يتعرّض له من "عدوانٍ إسرائيليٍّ غاشمٍ ووحشيّ"، مؤكّدًا ضرورة شمول لبنان بأيّ اتّفاقٍ لوقف إطلاق النّار.
وفي هذا الإطار، اكتسبت مواقف أبو الغيط أهمّيّةً إضافيّة، لأنّها لم تقتصر على التّضامن السّياسيّ، بل شملت تأييدًا لقرارات الحكومة اللّبنانيّة الرّامية إلى تعزيز بسط سيطرة الدّولة وحصر السّلاح بيد المؤسّسات الشّرعيّة. وهذه الإشارة، في توقيتها ومضمونها، تحمل رسالةً مزدوجة: دعمٌ للبنان في مواجهة العدوان، وفي الوقت نفسه دعمٌ لخيار الدّولة في إعادة تثبيت مرجعيّتها على الأرض.
فرنسا خارج الغرفة
في المقابل، تكشف المعطيات عن تبدّلٍ لافتٍ في خريطة الوسطاء. فقد أفادت صحيفة "جيروزالم بوست" بأنّ إسرائيل رفضت مشاركة فرنسا في المحادثات المباشرة المرتقبة بينها وبين لبنان في واشنطن، معتبرةً أنّ باريس لم تعد، من وجهة نظرها، وسيطًا "نزيهًا". ووفق ما نقل، فإنّ هذا الموقف الإسرائيليّ يعود إلى سلوك فرنسا خلال العام الماضي، ولا سيّما في ما يتّصل بمحاولات الحدّ من قدرة إسرائيل على القتال في إيران، وعدم اتّخاذ خطواتٍ عمليّةٍ لمساعدة لبنان على نزع سلاح "حزب الله".
استبعاد فرنسا من هذا المسار لا يعبّر فقط عن غضبٍ إسرائيليٍّ من الموقف الفرنسيّ، بل يكشف أيضًا عن رغبةٍ في حصر الرّعاية السّياسيّة بواشنطن وحدها. فتل أبيب لا تريد تعدّد الوسطاء، ولا تعدّد المرجعيّات، ولا أيّ هامشٍ قد يسمح للبنان بالاستفادة من تبايناتٍ داخل المعسكر الغربيّ. هي تريد وسيطًا واحدًا، وسقفًا واحدًا، وضغطًا واحدًا.
الحضور القطريّ: من الإغاثة إلى السّياسة
على الضّفّة العربيّة الأخرى، يبرز الحضور القطريّ في الملفّ اللّبنانيّ على أكثر من مستوى، عبر سلسلةٍ من الاتّصالات والمواقف السّياسيّة والإنسانيّة. فقد تلقّى رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون اتّصالًا من أمير دولة قطر الشّيخ تميم بن حمد آل ثاني، جدّد خلاله تضامن الدّوحة الكامل مع لبنان، معربًا عن استعداد بلاده للمساهمة في كلّ ما من شأنه وقف التّصعيد العسكريّ، ولا سيّما الدّفع نحو شمول لبنان في أيّ اتّفاقٍ لوقف إطلاق النّار في المنطقة.
وفي موازاة ذلك، شكّل الاتّصال الّذي أجراه وزير الدّولة في وزارة الخارجيّة القطريّة، الدّكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي، بوزير الخارجيّة والمغتربين يوسف رجّي، إشارةً إضافيّةً إلى أنّ الدّوحة لا تتحرّك فقط في المجال الإغاثيّ، بل أيضًا في المجال السّياسيّ. وقد أكّد الخليفي رفض قطر القاطع للاعتداءات الإسرائيليّة المتواصلة، معلنًا إرسال طائرة مساعداتٍ طبّيّةٍ إلى بيروت، في خطوةٍ تؤكّد أنّ الحضور القطريّ يتجاوز الإسناد الإنسانيّ إلى المساهمة في جهود التّهدئة.
"حزب الله" بين خطاب الصّمود وضغط المرحلة
في الميدان السّياسيّ، لا يمكن فصل مسار التّفاوض عن موقف "حزب الله". فقد أكّد الأمين العامّ للحزب نعيم قاسم أنّ "المقاومة مستمرّة حتّى ينقطع النّفس"، مشدّدًا على رفض العودة إلى الوضع السّابق، وداعيًا المسؤولين إلى وقف "التّنازلات المجّانيّة". وأعاد التّأكيد على معادلة "الدّولة والجيش والشّعب والمقاومة"، معتبرًا أنّ إسرائيل عجزت عن تحقيق أهدافها الميدانيّة، وأنّها لجأت إلى استهداف المدنيّين لتغطية فشلها العسكريّ.
هذا الخطاب يعني، في الجوهر، أنّ الحزب لا يتعامل مع التّفاوض بوصفه بابًا لتسويةٍ سهلة، بل بوصفه جزءًا من معركةٍ مفتوحةٍ على أكثر من مستوى. وهو، بذلك، يرفع سقف المواجهة السّياسيّة بالتوازي مع السّقف الميدانيّ، ويصعّب مهمّة أيّ مفاوضٍ لبنانيٍّ يريد الذّهاب إلى واشنطن حاملاً خطاب الدّولة من دون الاصطدام بحقائق الميدان وتعقيدات التّوازنات الدّاخليّة.
لبنان بين كلفة التّفاوض وكلفة اللّاتفاوض
السّؤال الحقيقيّ الّذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان لبنان سيذهب إلى التّفاوض، بل بأيّ شروطٍ سيذهب، وبأيّ أثمانٍ سيعود. فالتّفاوض، حين يفرض تحت النّار، قد يتحوّل إلى عمليّة انتزاع تنازلاتٍ لا إلى إنتاج حلول. أمّا اللّاتفاوض، فيعني إبقاء البلاد في قلب المجزرة المفتوحة، تحت رحمة ضرباتٍ لا سقف واضحًا لها.
بين هذين الخيارين، يقف لبنان أمام معادلةٍ قاسية: كلفة التّفاوض قد تكون باهظةً إن دخل من موقع الضّعف، وكلفة اللّاتفاوض قد تكون كارثيّةً إن استمرّت إسرائيل في استخدام النّار لفرض الوقائع. ولذلك، لا يبدو التّحدّي الحقيقيّ في مبدأ الجلوس إلى الطّاولة، بل في منع تحويل الطّاولة نفسها إلى منصة إملاءٍ سياسيٍّ وأمنيّ.
ما يحضّر في واشنطن ليس مجرّد لقاءٍ دبلوماسيّ. إنّه اختبارٌ حاسمٌ لمستقبل الجبهة اللّبنانيّة، ولموقع لبنان في خرائط الإقليم المقبلة. فإمّا أن ينجح في تحويل التّفاوض إلى فرصةٍ لوقف النّار من دون سقوطٍ سياسيّ، وإمّا أن يدفع إلى تسويةٍ تكتب حروفها الأولى بالدّم، وعنوانها الفعليّ ليس السّلام، بل الإخضاع.




